بعد إشارة إلى الوضع بين المغرب والجزائر، يبدأ القسم الثالث من "خواطر العروي"، بفترة الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ويعلق يوم الجمعة في 16 يونيو:
"الجيش الإسرائيلي على مشارف بيروت والإيراني على أبواب البصرة. عاد الشرق إلى وضع القرن السابع الهجري. هل يقول الرافضون: هذا جزاء الظالم؟ ماذا لو انتهت الأحداث -نتيجة تحالف ضمني- باحتلال العراق وسوريا، بسقوط بغداد ودمشق؟ دول هزيلة، منهوكة، عاجزة، تستجدي أميركا للتدخل، بأي وجه كان... ومع ذلك تتشدق بالأصالة!".
اليوم نحن في 2004، احتلت بغداد والأسئلة تدور حول دمشق؟ عندما نقرأ هذه الخواطر بجاذبيتها، لا ندرك فقط بعد البصيرة لدى كاتب كالعروي، بل نعيش أيضاً الأزمة التي تضم أزمات وأزمات، كأن الأمور تتكرر وتتكرر، وتبقى أسئلة العروي التي يختم بها الكثير من محطات هذا الكتاب، تلوح أمامنا وتحثنا على التفكير والتبصر. فلسطين، العراق، المغرب، الصحراء، الجزائر، أميركا، العرب، المأزق، الإسلام... كل ذلك وغيره محط هذه الخواطر.
يختم العروي: "أسدل الستار، طويت الصفحة ورفع الأمر إلى القاضي الأعلى... وإلى المؤرخين. يحصون ما أنجز... وما لم ينجز".
الدكتور عبد الله العروي (م 1933م)، مفكر وروائي مغربي، من أنصار القطيعة المعرفية مع التراث "العربي/الإسلامي"، وضرورة تبني قيم الحداثة "الغربية" باعتبارها قيم إنسانية، يدافع عن التوجه التاريخي باعتباره معبرا عن "وحدة" و"تقدم" الإنسانية، وعن الماركسية في صورتها الفلسفية الحداثية. ولد الدكتور عبد الله العروي بمدينة أزمور. تابع تعليمه بالرباط ثم بجامعة السوربون وبمعهد الدراسات السياسية بباريس. حصل على شهادة العلوم السياسية سنة 1956 وعلى شهادة الدراسات العليا في التاريخ سنة 1958 ثم على شهادة التبريز في الإسلاميات عام 1963. وفي سنة 1976 قدم أطروحة بعنوان "الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية: 1830-1912" وذلك لنيل دكتوراه الدولة من السوربون. يشتغل حاليا أستاذا جامعيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.
لعل المهتم بسيرة الرجل أو بالسياق الذي يسرد فيه وهو شامل لما يقارب عقدين شكلا فترة حرجة بالدولة المغربية – لما فيها من اضطرابات وإخفاقات سياسية واقتصادية واجتماعية – قد يستمتع بطريقة سرده، بحسه الساخر أحيانا، والمتذمر في أحيان أخر، لكن من لا معرفة له بخلفية العروي، ولا ببنية المغرب كمجتمع وسياساته كدولة، قد يظفر بشيء آخر من هذه اليوميات، وهو كيف يعرف المرء قدر نفسه، ثم يصونه في حضرة أوساط محفوفة بالألغام كالسياسي والثقافي.
على خلاف الجزء الثاني الذي ارتكز على قضية الصحراء وكواليس المسيرة الخضراء ونهج المغرب السياسي في التعامل مع جيرانه – ومن ثم تمييزه لأصدقائه من أعدائه في مناخ محموم بالمصلحة الذاتية، وسيادة البلاد – يأتي هذا الجزء من "خواطر الصباح" متنوعا في طرحه لقضايا عديدة، محلية ودولية، سياسية، اقتصادية، اجتماعية، تعليمية، ودينية! تمحور جلها عن الغزو العراقي للكويت، تدهور الوضع الداخلي بالمغرب وتشكيل الحكومات في ظل الخلافات القائمة بين الأحزاب، العرب وترنحهم بين حماية التراث و الإسلام التقليدي من الحداثة والليبرالية ومحاولتهم البائدة للانفتاح على تطور الغرب من جوانبه السيئة، وضع التعليم بالمغرب وأهمية التعريب، الجفاف الذي حل بالمغرب وأصداء مؤلفاته أكاديميا وثقافيا. وكعادته، يعرض العروي رأيه في مواضيع شتى بشفافية منقطعة النظير، دون مخافة أن يؤثر أحد هذه الآراء على مسيرته الأكاديمية، بلغة حادة، وبسالة لم تتغير منذ الخاطرة الأولى.
ملاحظتي الوحيدة أن هذ الرجل الآخذ في الكبر بات مع تقدم سنه أكثر تحفظا على حياته الخاصة، فلا نلاحظه يحدثنا كثيراً عن عصام ولطيفة كالجزء الأول، وهذه بظني محمدة!
أتطلع للجزء الرابع، وكلي أمل أن تترجم دفاتره التي دونها بالحجر الصحي الذي فُرض إثر جائحة كورونا، قبل أن أنهي قراءة مشروع يومياته.