ولد محمد عبد القادر حاتم في 3 سبتمبر 1918 بالإسكندرية، وحصل على بكالوريوس العلوم العسكرية من الكلية الحربية الملكية عام 1939. عين عبد القادر حاتم مديراً لمصلحة الاستعلامات المصرية لفترة، ثم انشأ أول وكالة أنباء في العالم العربي هي وكالة أنباء الشرق الأوسط. عين عبد القادر حاتم وزير دولة مسؤولًا عن الإذاعة والإعلام العربى عام 1958، ثم شغل منصب وزير الثقافة والإرشاد القومى (الإعلام) في الفترة من 20 سبتمبر 1960 إلى 30 سبتمبر 1965 .
حصل على 40 قلادة ووساماً من مختلف دول العالم.
له مايقرب من 20 كتاباً تناولت الإعلام والسياسة والعلاقات المصرية اليابانية.
"لقد أقام الجيل السابق دولة إسرائيل، ووصل جيلنا بحدودها إلى الجولان وقناة السويس، وعليكم أنتم أيها الجيل الجديد أن تكملوا إقامة إسرائيل الكبرى" ـ موشيه ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي، عقب هزيمة ١٩٦٧.
هم هم لم يتغيروا منذ ٧٦ عاماً ..
يطالعك وجه بن غفير الكالح وهو يؤكد أن ترحيل أهل غزة من غزة هو الحل "الأكثر أخلاقية"، وتشرح لك مستوطِنة شمطاء في أريحية حدود دولة إسرائيل الكبرى التى تبتلع أجزاء من دول عربية مجاورة وغير مجاورة للكيان الصهيوني، ويطل عليك شيطانهم نتانياهو في أهم محفل دولي وهو يستعرض خريطة لإسرائيل وقد ضمت غزة والضفة، ضارباً بأوسلو وعشرات المواثيق عرض كل حوائط العالم.
ما أشبه اليوم بالبارحة وبغد وببعد غد ..
لنتذكر إذن ما الذي أجبر ديان على الاستقالة وأنهى حياته السياسية والعسكرية حتى مع عدم إدانته من قبل لجنة أجرانات؟ إنها الحرب، حرب استرداد الأرض والكرامة.
ولنفهم جيدا كيف أن القوة وحدها هي التي تجبر هؤلاء ومن وراءهم على سماعنا ابتداءً، إليك هذه الشهادة التي وثَّقها السيد عبدالقادر حاتم والذي قام السادات بتعيينه قائماً بأعمال رئيس مجلس الوزراء في حكومة حرب أكتوبر في مطلع عام ١٩٧٣: عند تعيينه في هذا المنصب الخطير، قام حاتم بوضع خطة تعتيم إعلامي محكمة ضمن خطة خداع استراتيجية كيلا يتسرب إلى العدو أي خبر عن استعدادنا للحرب لأنه كما يقول: "من يريد الحرب لا يعلن أنه سيحارب". سنتطرق لتفاصيل الخطة ونجاحها فيما بعد، أما الشاهد هنا أن حاتم أراد قبيل ساعة الصفر أن يطمئن إلى أن خطة التعتيم تسير على ما يرام، وأن إسرائيل ومن ورائها أمريكا لا علم لهما على الإطلاق بنية مصر لبدء الهجوم حتى يتحقق عنصر المفاجأة. طلب حاتم من وزير الخارجية المصري آنذاك أن يقابل نظيره الأمريكي الثعلب كيسنجر ويخبره باستعداد مصر "للتفاوض السلمي" لاسترداد أراضينا المحتلة في ٦٧، فماذا كان رد كسينجر؟
لقد تساءل كيسنجر متعجباً: "هل تريد أن "تختار الوقت الذي تريده للحل السلمي؟" وأضاف: "إن مصر ليس لديها قوة، وأنا لست في مركز يسمح لي أن أطلب من القوي أن يُملي عليه الضعيف شروطه .. أرجو أن نتقابل في أوائل السنة المقبلة بعد الانتخابات" أو بمعنى آخر: فوت علينا بكرة!
استاء الوزير المصري من هذا الرد المهين، إلا أن هذا الرد أثلج صدر حاتم، فهذا يعني أننا خدعناهم. ولكن الشاهد هنا أنهم لا يعترفون بحق مهزوم يريد خيار السلام ولا يسمعون سوى لغة القوة.
ولنعد لعبد القادر حاتم وخطة الخداع الاستراتيجي التي أعدّها. أعدّ حاتم خطته بناء على دراسة عقيدة الأمن التي بلورها بن جوريون والتي تلخصت في أمرين: * "الشعب هو الجيش": أدرك بن جوريون أن الديموغرافيا ليست في صالحه، لذا قرر أن يتحول الشعب كله إلى جيش. وهكذا، في حالة الإنذار بالحرب، يتم تعبئة الاحتياط خلال ٧٢ ساعة فقط. * "تبني عقيدة الهجوم": وذلك لتعويض العجز الجغرافي، ومن ثم ظهرت مقولة "حدود إسرائيل عند آخر ما يستطيع الجندي الإسرائيلي الوصول إليه"! ترتب على هذه العقيدة الهجومية تحدٍ من نوع خاص، فكما صرح بارليف قائدهم العسكري: "إن منع المفاجأة لا يحتاج لجهد فكري خاص بل يجب أن تكون يقظاً للعمليات المادية التي يقوم بها العدو على الأرض، ولا علاقة مع النوايا المنسوبة لهذه العمليات. إن أي شيء يحدث عند العدو له أي معنى لإمكانية إحداث حرب يحتاج لرد فعل" ناس بتخاف من ضِلَّها، وعندهم استعداد لتعبئة الاحتياط لمجرد الشك في أي تحركات بدون التثبت من نية هجوم محقق. هذا هو التحدي: كيف نجعلهم "ينتقلون من الاعتماد على التحركات المادية في إعطاء إنذار ومن ثم إعلان التعبئة العامة إلى الاعتماد على تقدير نوايانا؟" وهذا ما نجحنا فيه، فعلى الرغم من قيام مسؤول عربي كبير بالاجتماع بجولدا مائير وإنذارها قبل أيام من الحرب أن مصر وسوريا تزمعان القيام بعمل عسكري وشيك، إلا أنها لم تأخذ أقوال هذه الشخصية الصديقة لإسرائيل مأخذ الجد، وذلك لقناعتها الزائفة التي أوجدناها لديها أن احتمال الحرب احتمال بعيد.
كيف فعلها عبد القادر حاتم؟
عرف حاتم أن السبيل الوحيد للانتصار على إسرائيل هو مباغتتها، فبهذه المباغتة سيضرب عنصري عقيدة بن جوريون: ستتأخر تعبئة الاحتياط، وستفقد إسرائيل مبادرة الهجوم لتجد نفسها في موقف دفاع ومن الطبيعي ألا يكون جيشها بنفس كفاءته في الوضع الدفاعي. كانت خطة حاتم أن نجعلهم يشاهدون بأعينهم عملياتنا قرب القناة فيكذبونها ويصدقون نوايانا المعلنة الزائفة.
أول ما قام به كان إصلاح الإعلام المصري من كوارث ٦٧، فأصدر تعليمات بإنهاء كل التصريحات غير المسؤولة والتهديدات الجوفاء والعنتريات، وعلى مدار عام الحرب اكتسب الإعلام المصري نبرة هادئة متزنة صادقة أكسبته احترام الرأي العالمي والداخلي. امتد هذا الهدوء إلى حجب أي تصريحات حماسية لأي مسؤول في أي محفل. كما تم تسريب أن مصر اختارت مسار المفاوضات السلمية وأنه لا رغبة لها في الحرب. هذه الإجراءات وغيرها شكلت انطباع عام لدى المسؤولين في إسرائيل بأننا لا نفكر في الحرب من قريب أو من بعيد. لقد اقتنعوا أن مصر جثة هامدة، وكذبوا أعينهم، ومرت التشكيلات والتحركات قبيل الحرب تحت أنوفهم. لقد أعمى الله أبصارهم.
أما أثناء الحرب فقد حافظ الإعلام المصري على نبرته الهادئة البعيدة عن المبالغات، وإنك لتذهل من التفاصيل الذي اهتم بها حاتم، فمثلا تدخل بنفسه في اختيار نوعية الأغاني الوطنية التي تذاع، فاستبعد الأغاني الحماسية العنترية الجوفاء واختار الأغاني الوطنية الهادئة. حدث العكس تماماً مع الإعلام العبري، إذ أصابهم الهيستيريا والتخبط، ونشروا صور هزيمة ٦٧ على أنها ما يحدث في ٧٣ ليتكتموا على أخبار هزيمتهم، ولكن مع اليوم الثالث، اضطروا لإعلان هزيمتهم أمام العالم. إنها "حرب المرآة" كما أطلق عليها كاتب إنجليزي شهير؛ فكل هزيمة تكبدتها مصر في ٦٧ وكل تصرف إعلامي أرعن، قامت إسرائيل بقصه ولصقه كما هو في ٧٣.
"نجح الإعلام المصري في أخذ زمام المبادرة وإرباك الدعاية الإسرائيلية حتى أنها اقترفت نفس أخطاء الإعلام المصري عام ٦٧ حين لجأت لأسلوب المبالغة وإطلاق الأكاذيب. واستطاع الإعلام المصري تفنيد المزاعم الإسرائيلية وكشف أباطيلها وبذلك كسب تأييد الرأي العام العالمي".
كانت هذه هي خطة الخداع الاستراتيجي التي وضعها وأشرف على تنفيذها عبد القادر حاتم. بالتأكيد هناك تفاصيل أكثر ذُكرت في الكتاب، وطبعا لم يتم التطرق للشق العملياتي الذي كان له نصيبه من الخداع بكل تأكيد.
بقي أن أنوه إلى أن الكتاب يحتاج لتنظيم لما به تكرار غير طبيعي. هذا بالإضافة إلى أن نصف الكتاب تقريبا عبارة عن مقالات صحفية وعواميد كُتبت للتعريف بعبد القادر حاتم وتهنئته والاعتراف بفضله، فجاءت هي الأخرى بالمزيد من التكرار.