جمال خاشقجي صحافي سعودي عمل في بداية مسيرته الصحافية مراسلا لصحيفة سعودي جازيت، ثم أصبح مراسلا لعدد من الصحف العربية اليومية والأسبوعية في الفترة الممتدة من 1987 إلى 1990. وبعد تغطيته الأحداث في أفغانستان والجزائر والكويت والسودان والشرق الأوسط من العام 1991 حتى العام 1999، عُين في منصب نائب رئيس تحرير صحيفة آراب نيوز من 1999 إلى 2003، ثم تولى منصب رئيس تحرير صحيفة الوطن اليومية عام 2004 وشغل هذا المنصب لمدة (52) يوم فقط إذ تمت إقالته. اغتيل جمال يوم 2 اكتوبر 2018 داخل القنصلية السعودية في اسطنبول على يد الاستخبارات السعودية.
يبدو عنوان الكتاب مثل قوسين تختصر مسافة الثورة التي التهبت مطالع عام ٢٠١١ ، وبين دفتيه يمكن أن تقف على حجم الحماس غير المحسوب الذي غمر الجميع يوم استطاعت هذه الثورات ولبعض الوقت فتح نافذة إلى الحرية . من كان يصدق أن مبارك أو القذافي أو بن علي سيتزحزح قيد أنملة فوق كرسيه الذي يعض عليه بالنواجذ والخوذ وفوهات البنادق ، ولكن الثورة فعلت ذلك ! لم يسلم أحد من ريح مسته تعبق بالرغبة لتغيير كل شيء ، حتى لكأن الشعوب العربية يوم ثورتها اغتسلت من درن الرتابة الذي أحاط بها . خاشقجي عبر هذا الكتاب تتبع التفاصيل اليومية أيام الثورات ، خاصة وأنها عبارة عن مقالاته الصحفية التي كتبت وقتئذ ، إذ تولدت العبارات والمشاعر من رحم اللحظة ، وتشعر وأنت تقرأ الكتاب وكأنك مأخوذ بكل حمولاتها العاطفية وشحناتها السياسية المستفيضة . من المهم قراءة الكتاب لتشرف على حجم التأثير الذي تركته الثورات ، وتتزامن معها وكأنك تعيشها - هذا لو كنت صغيراً لم تلحقها أو زاهداً لم تحفل بها - من المهم قراءته لتقف على حجم الانبهار الذي لمع في ذهن ووجدان كل عربي . أما قيمته التحليلية فتتوقف عند حدود انحسار الربيع العربي وانتصار الثورة المضادة في جملة من بلدانه باستثناء تونس التي توجت ربيعها بجائزة نوبل للسلام ، السلام الذي غاب من بلدان الربيع وحل بدلاً عنه القتل والتدمير والخراب . الإخوان وهم الشق الآخر من عنوان الكتاب يعانون كذلك من تبعات هذا الربيع ، فالرئيس المصري القادم من صفوف الإخوان أصبح معزولاً ، ومحبوساً ، يواجه وجماعته مصيراً مجهولاً ، بعد عودة العسكر إلى حكم مصر . وأسوأ ما حدث للثورة في مصر أن رئيس ما بعد الثورة جاء من الإخوان ، إذ فاز لأن جماعته أكثر تنظيماً وإن جاء بطريقة انتخابية مشهود بنزاهتها ، وبالمحصلة هو اختيار المصريين ولا تصح المزايدة على حقهم في اختيار من يحكمهم ، ولكن فوز رجل من الإخوان هو تعبير عن عجز القوى المدنية والوسطية - ومنها قوى الثورة الشابة - في الدفع بمنافس لائق يمكن أن يخفف من الاحتقان الذي ولد من خلفية تاريخية متوجسة في علاقة الإخوان والعسكر ، وضاعت الثورة ومكاسبها في ورطة هذا الخلاف التاريخي المعقد الذي استفاد منه فلول النظام السابق لاستعادة مواقعهم وحماية منافعهم . عزل مرسي وأودعت جماعته السجون وقامت حملة عمياء لإقصائهم ، وهذا لم يتحقق في زمن الإلغاءات الشعواء بله أن يتحقق اليوم وقد تبدلت الأحوال واستقوت الكيانات ، ولكنها السلطة وشهوتها المقيتة . سوريا هي الثورة العالقة ، وما زال المستقبل يحمل لها الكثير من الألم المجهول ، ولكنها تكابد لتسوي حساباتها المؤجلة ، وما لهم غيرك يا الله .