جاءت بداية الرواية العربية مع بدايات القرن العشرين، دون أن يزامنها صعود في "علم التاريخ" أو في غيره من العلوم. انطوت البداية الروائية العربية على مفارقة ظاهرة، ذلك أنها ولدت في "شرط غير روائي" لم تنجز فيه البرجوازية العربية ثورتها ولم يعرف الواقع العربي فيه ثورات جذرية. كأن هذه الرواية ولدت معوّقة، وافدة شديدة التلعثم لحظة، ومليئة بالوهم تُرَهِّنُ "المقامة" لحظة أخرى، وهي في الحالين بعيدة البعد كله عن الشرط الأوروبي الذي سوّى روايته، وأرسل إلى ثقافات مغايرة، تحاكيها باضطراب وتملي عليها أن تخلق رواية مختلفة. ولعل هذا الفرق بين زمن أوروبي ينتج رواية مسيطرة وزمن عربي لا يسائل الأصول هو الذي جعل من "التاريخ" موضوعاً مسيطراً في الرواية العربية المتنامية، إذ الروائي يسائل في تاريخه الوطني المخذول انتصار التاريخ الذي هزمه، بقدر ما يحاور "مؤرخاً" صامتاً، يقول ما أملى عليه "الواقع المقيّد" أن يقوله، لا أكثر. لقد كتبت الرواية العربية التاريخ المعاصر الذي لم يكتبه المؤرخون، متطلعة إلى تاريخ سويّ محتمل، وحالمة بمدن تعطي الرواية قراءة مجتمعية.
وهذا الكتاب يقرأ في الرواية التاريخ الذي تأملته واحتجت عليه، ويقاربها من وجهة نظر الموضوع الذي صححت أسئلته، مكتفياً بمعنى التاريخ وبالأسئلة التي يثيرها، وهي كثيرة. ومع أن في الموضوعية الروائية ما يثير التشاؤم، فإن هذا التشاؤم أكثر نفعاً من تفاؤل إيديولوجي ضليل، ذلك أن هذه الموضوعية تنقض "الحياد" الذي لا وجود له، وتشتق الالتزام من المعرفة والأخلاق والمدن القادمة.
يعمل الباحث الفلسطيني فيصل دراج من خلال مؤلفه" الرواية وتأويل التاريخ "على التنظير للرواية بصفة عامة وللرواية العربية بصفة خاصة منطلقا من العوامل التي ساهمت في ظهور الرواية العربية وتطورها فبنظره"جاءت بداية الرواية العربية مع بداية القرن العشرين، دون أن يزامنها صعود في علم التاريخ أو في غيره من العلوم، انطوت البداية الروائية العربية على مفارقة ظاهرة، ذلك أنها ولدت في شرط غير روائي "لم تنجز فيه البرجوازية العربية ثورتها ولم يعرف الواقع العربي فيه ثورات جذرية، كأن هذه الرواية ولدت معوقة وافدة
كتاب نقدي غني وثري بالكثير من المفاهيم عن الرواية العربية وعلاقة التاريخ بالأدب، يعنون الدكتور دراج القسم الأول"الرواية في التاريخ" بينما يقلبها في القسم الثاني من كتابه "التاريخ في الرواية"، أما القسم الثالث فيجمعهما "الرواية والتاريخ في مرايا ثلاث". يركز الكاتب في حديثه على أدب نجيب محفوظ وعبدالرحمن المنيف بشكل مسهب ليتحدث عن اشكاليات التاريخ والسلطة والذاكرة في أهم أعمالهم الأدبية إضافة إلى قراءة لأعمال أخرى من كتاب عرب. أسلوب الكاتب ولغته معقدة بعض الشيء كما هو فيصل دراج دائماً مما يجعل فهمه محاولة تحتاج لجهد.