هل يجب على الفكر القومي أن يلتزم، في دراسته لتجربة الوحدة، بمجرد التصوير التاريخي لهذا الحدث ويقتصر على هذه المسؤولية التاريخية الخاصة، متناولا جوانبها العلمية فقط؟ أم يجب أن يتجاوز ذلك التصوير التاريخي لتلك الظاهرة متجهاً الى فهم التجربة ، ومعبراً في نفس الوقت عن معاناة الحس القومي الذي يقوم بالدرجة الأولى على فعل تقييمي؟
أن التصوير التاريخي فعل تسجيلي وصفي بحت. أما التصوير التقييمي فهو الخط الذي يمكن اتباعه في دراسة ظاهرة وحدة 1958. وهذا الخط يحمل في ذاته فهما قياسيا تقييميا في المقام الأول. اذ أنه هو الذي يكشف عن بقية التطور الكلي بما فيه من عوامل سلبية وعوامل ايجابية، تمتزج مع بعضها البعض موجهة حركة التغيير نحو الأهداف التي تطرحها فكرة القومية العربية، والوحدة أهم هدف آني لها.
وعلى ذلك فاهمال ذكر الأحداث التاريخية بترتيبها الزمني الصارم، يقابله تسجيل لأهم الأحداث لابراز الاتجاهات التي سادت في دولة الوحدة.
ذلك أن الوحدة التي قامت عام 1958 هي جزء من الثورة العربية الشاملة، هذه الثورة التي تتجه الى إنشاء المستقبل العربى، وتطرح نفسها كأداة للتاريخ العربي، ولا بد لها اذن من أن تعرف كل ما يعيق طريقها من الأدوات التي تحارب وصولا الى نقاط الضعف والوهن التي تصيبها، " أو من غرور وخداع للنفس ".
ومن كتبوا التاريخ العربى تجاوزوا وتجاهلوا ذكر العيوب، ودأبوا على الخوف من النقد، ولم تعلمنا عصور الانحطاط الا ذلك الكذب المنظم تحت ستار أخلاق النفاق، فنحن إما ألا نرى الا الخير كله، وإما ألا نرى الا الشر كله ".
موضوع الكتاب شيق ولكن الكتاب ليس بشيّق. ورغم محاولة الكاتب الإلتزام بالحياد إلا أن اللون القومي لديه كان صابغ ولكن هذا لحسن الحظ لم يفسد المحتوى والحقائق. مع أن الكتاب أقرب إلى ورقة بحث منه إلى كتاب ولكن مع ذلك فله فائدة في الرجوع بك إلى زمن الإنقلابات والإضطرابات التي كانت تعانيها سوريا وكيف كان الإتحاد مع مصر إضطراراً وتسرعاً في نفس الوقت. بالنسبة لأسباب فشل هذا الإتحاد فهي كثيرة ولكني لا أرغب بمناقشتها كي لا أفسد قراءة الآخرين...