تكمن سر تجربة حمد الحجي الشعرية في الهالة الإعلامية التي رافقته قبل وفاته بسنين حيث الحالة المرضية – النفسية – التي أصبته فأصبح شعره بمكان من الترقب والتتبع ولكن المرض خيّب آمال الكثير فأوقف بقوته تدفق شاعرية الحجي قاتل الله المرض في كل جسد، والزمر الآخر نرعة الشاعر نحو الأكتئاب والريبة والخوف والحزن في شعره فبين هاتين الخصلتين يكون الحجي.
الحجي الذي عاش في ظل مجتمع ينبذ مرضاه النفسيين وينعتهم بالجنون والخطوره – وكان يعرف ذلك – لاشك أرعبته هذه الحال فوق حالته النفسية خصوصًا إذا ما نظرنا أن الحالة بوضعها المرضي تطورت حتى وفاته لقرابة الـ(30) وحياة الحجي كلها (51) سنة. كتب الشعر في (10) سنوات منها – حسب بعض المقالات التوثيقية التي لدي من الصحف والمجلات – وما بعد ذلك توقف ينبوع الشعر ونضبت حياة الشاعر الإبداعية.
قصيدة الحجي مـا قـبـل المرض : لا تكاد تجدها في الديوان ليس غير بدايات بسيطة ذات حس متذبذب بعض الشيء لعدم نضوج التجربة وأنا هنا أقصد الصور الشعرية والبناء الواحد للنص وليس أدوات كتابة القصيدة التي يجيدها أي شاعر. فتجد الكثير من الشعر المباشر دون أدنى صور أو تراكيب فلا تكاد تشعر بغير موضوعها مثل قوله :
وصليت الـعـشـاء على صبي قـد اخـتـار الالـه لـه ارتـيـاحا أقـول لـه ودمـعـي فوق خـدي كمثل السيل في ردنيَّ ساحا هنيئا بـالـردى وافـي مــساء فـإنـك داخــل عـدنـا صـباحـا (ص 17)
قصيدة الحجي أثناء فترة المرض : المتأمل في ديوان الحجي يجد الكثير من عدم ضبط الديوان بأكملة – رغم جماله – وكأن الديوان كان يحتاج لمسة أخيرة من صاحبه لكن مرضه منعه فأصدر بعد وفاته على رسمه الأول دون تدخل في أي قصيدة مما نشر من قبل في الصحف والمجلات العربية التي كان يتواصل معها، وقد جرت العادة أن يتدخل الشعراء في تعديل قصائدهم، ويتعهدونها بالإصلاح والتغير وخير ذلك تجربة (أبي القاسم الشابي)، و(نازك الملائكة) وغيرهم، وعلى العكس هنالك من يأبى التعديل في قصيدةٍ مهما وجد من جمال قد يطرأ على البيت الشعري، ورغم إعتراف جامع الديوان أن ثمة قصاصات للشاعر على تعديل وشطب وتغير لكنهم أبقوا على القصيدة دون تعديل (ص 8)
خصائص شعر الحجي رغم عدم إمتلاكي أدوات النقد للبناء الشعري إلا أن خلصت من خلال قراءة ديوان الحجي هذا – هو ديوانه الوحيد – لبعض السمات في شعره ومنها :
مرت قصيدة الحجي في البناء التركيبي بمرحلتين وإذا ما قسنا عمره الشعري بقرابة عشر سنين تزيد أو تنقص فربعها الأول يكاد يكون قد كتب وفق (المدرسة التقليدية) بتأثر واضح الملامح من خلال العكوف على أمهات دواوين الشعر القديم (الشاعر مواليد 1938 / 1939م) كطبيعة شعر (حافط إبراهيم وإسماعيل صبري من مصر) من ناحية البناء وليس القوة الشعرية، أو كتجربة (طاهر الزمخشري / محمد حسن فقي، محمد السنوسي من السعودية) وغيرهم ممن إلتزم بالمدرس التقليدية في بناء شعر مع إختلاف مدرسة كل واحدٍ منهم. كقوله
جاء الربيع فـمـاس الكــون ترحيبا وغـنـت الـورق فـوق الأيـك تـطـريبا وصارت الأرض مخـضرا جوانبها بالـنـبـت تـلـقـاه مفروشا ومنصوبا (ص 23)
أأبقى على مر الجديدين في جوى ويـسـعـد أقـوام وهـم نـــظــرائـي (ص 35)
ياعيدُ وافـيـتَ والأشـجـانُ مُرخِيةٌ سُدُو لـهـا ونـعـيمُ الرُّوحِ مـفقودُ لا الأَهلُ عِندِي ولا الاحبابُ جيرتهمُ حَولي فقلبي رهينُ الشوق مفـؤودُ العينُ تـرنو وطولُ البـين فاجـعُها حَسرَى وإنـسانُـهَا بالأفقِ معـقُودُ تجري دِمَائي دُمُـوعاً في محاجرِهِا عَلَى وِسَادي لـها صبغٌ وتسهيدُ (ص 58) وهي من عيون شعره
وراقـصـة ظـلــت تـمــيـس بـقـدهـا كما اهتز غصن البان مالت به الصبا (ص 131)
ثم مرت تجربته في السنوات الأخيرة من عمره الشعري بتحرر أكثر في القيود التقليدية لتصبح قصيدته أكثر إنفتاحًا على المفردة البسيطة وبعده عنما أستوحش من القول فيبدو عليه تأثره بمدرسة (المهجر)و ومدرسة (أبو اللو) ونزعتهم الصوفية والتأملية وبطريقة واضحة ساهمت حالته النفسية التي كانت تزداد سوء يومًا بعد يوم في نضوج هذه المرحلة الأخيرة من شعره فجاء شعره حزينًا كئيبًا سوداوي بكل ما تحمله الكلمة مفعمًا بالصور الشعرية الغارقة بدورها في الظلم والشعور بالخوف حد الرغبة في الخلاص من هذه الحياة. كقوله :
وياروضـة كـنت ارتـادهـا إذا ما اكتويت بلفح الهجير عهدتك بالحسن مخـتالـة يرف عليك الشباب النضير فأين ظلالك أين الجـنى وأين البلابل أين العـبير وأين جداولـك الـهـاربـات لاغسل يـأسي وأين الطيور (ص 26 – 27)
يكفي قراءة قصيدة (من أعماق نفسي) وكيف قد أًبحت حياة الشاعر مخيفة مقلقة. لم يشعر بأي طعم للحياة غير السواد والحزن وكل مخاوفه تتجلى في هذه القصيدة وغير من القصائد:
إن نظرت الجمال غضا طريا يتجلى في المنظر الخـلاب لاح لي أسود المصير كمســ ــود الليـالي مكشر الأنـياب (ص 31)
وطـن الحب أنت معبد نجواي وإن عـشت منك في تجريح أنا لم أشك عنك غربة جسمي إنما قد شكوت غربة روحي ها أنا فيك مثل طير غريب عاثر الحظ ميّتا في الضريح ها أنا فيك شاعر هام شوقـــ ــا بالأناشيد والغناء الفصيـح (ص 74)
قررت جعل الشعر العربي فاصل بين كتبي الثقيلة، واحة أقف عندها لتنشيط لغتي، وأجدد طاقتي، لأبحر في عالم أكثر هدوءاً. مع حمد الحجي رحمه ﷲ ذرفت المحبة، وغمر قلبي الدمع! قصائد كُتبت بلغة روحانية، لم تكن لمعاناة الحجي ودخوله مستشفى الأمراض النفسية (شهار) بالطائف ومن ثم وفاته أي أثر فيما اختلجني من مشاعر فياضة أثناء قراءاتي لديوانه. وقد حاولت أن أحصل على نسخة ورقية من الديوان ولم أجد، فاتصلت بالناشر وللأسف لم أحصل على مرادي.
يُروى أن غازي القصيبي زاره في المستشفى ووجده بغرفة مظلمة وحيداً لم يتكلم وإنما طلب علبة سجائر! حزينة قصة الحجي، من نوابغ الوطن وعمالقته. ربي أغمره وموتانا برحماتك.
رحمه الله..في آخر حياته أصيب بمرض نفسي استوجب نقله إلى أحد المستشفيات النفسية..حووِل علاجه في السعودية ولبنان والكويت وغيرها..شفي تقريباً..لكن أتاه مرض في رئتيه ومات على إثرهـ.. الديوان فيه تأثر كبير بالقصيدة القديمة "الكلاسيكية"..فيه صور عادية وأخرى مبتكرة..لولا مرض هذا الشاعر رحمه الله لكان أكثر شهرةً واحتفاءً به !
ما أن تقرأ كلمة الناشر حتى تعرف أي جو سيجعلك هذا الديوان تعايشه، جو من السوداوية والحزن والكأبة. فرثاء النفس، والتساؤل عن ماهية الوجود هي ما تدور حوله أولى قصائد الديوان، ولكن فيما بعدها تنجلي غيمة الاحزان وتنفرج الاسارير. وأن كانت موضوعات الشاعر تتنوع بين العاطفة، ووصف الطبيعة، وحب الوطن والمنشأ، إلا أن ما كتبه في رثاء النفس وسوداوية الحياة أقوى وأبلغ وأجمل. ولعل ذلك ما يؤكد المقولة القائلة الابداع يولد من رحم المعاناة. حقيقةً تأثرت بكثير من الابيات واستوقفتني لحظات أحاول استشعار الحالة النفسية التي قال فيها الشاعر أبياته، أنا سعيدة لأنه أتيحت له أن ينفس عن همومه وهواجسه عبر الشعر، الكثير يعاني وفوق ألم المعاناة يكون قهر الكبت يتضح أن الشاعر عاش عزلة كبيرة، لذا نجد أنه كتب في الطبيعة، وفي الحبية التي قد تكون موجودة وقد لا تكون، ويرتبط بالمنشأ -نجد- فنجده يتغنى بالمكان لا بأهله، ومن ناحية اجتماعية لا يمكننا أن نلحظ كثير من الحكمة في أبياته والتي لا تتأتى إلا من خلال معاشرة الناس، ولك أن تتخيل أي وحدة عزلت هذا الشاعر فجعلته يحادث بعضه يا نفس إن كان ربيعي ضنى فمن خريف العمر، ما تأملين ؟ يا مقلتي إن لم تري في الضحى شيئا فماذا في الدجى تبصرين ؟ يا أذني لا اللحن يشجي ولا همس الهوى يشجي فهل تطربين ؟ يا قدمي أدماك عشب الفلا فهل على الشوك أذن تخطرين ؟ * * * والريح تلطمني عواصفها وتهد لي مشدودة بنياني نضبت حياتي بعد نضرتها ورأى الفنا خطبي فناداني واليوم كالعدم المرير انا يلهو الردى في هيكلي الفاني * * * لَهْفَ نفسي على عمري المنصرم زار كالطيف في خاطر مضطرم وانئنى راجعا مبقيا لي الندم لم يدم لي سوى شقوة تحتدم احتسي كأسها ليتها لم تدم ليس في مسمعي غير لحن العدم * * * وعلى الرغم من كأبة الابيات أعلاه إلى أنها لا تجعلك تقطع الشك باليقين بأنه مريض، فتأتي قصيدته من أعماق نفسي تفصح عن اعتلال نفسي قد يكون -اكتئاب- فهو لا يرى فيها الاشياء على حقيقتها ملونة بل يرأها من خلف منظاره الاسود، ولا تقف رؤيته السوداوية على المناظر المادية بل وحتى على مستوى المشاعر الروحية، فيعزل نفسه بأسلوب تراجيدي مختلقاً بأوهامه الحزن من اللاشيء وإذا أعجب الأنام بشيء بت منه في موقف المرتاب هكذا: الحياة فؤادي في عناء وللشقا ذو نصابي لا أرى البرق في السحاب ضحوكاً وبأذني بكاء رعد السماء أن تغنت حمامة ملت عنها ثم أرهفت مسمعي للغراب * * * ويبدو هنا أنها اشددت به الأزمه فيقول يا إلهي اظلم الكون فلم تر عين في دجاه ألقا في حياتي ما الذي أعددت لي كان أولى لي ألا أخلقا * * * يا لعيني من تصاريف النوى يا لروحي من تباريح الشقا يا حياتي ما الذي فيك يرى يبهج النفس ويغري بالبقا * * * قد يكون ما عانى منه الشاعر هو اكتئاب وهو يتجاوز عن كونه مرض نفسي لئن يكون عقلي فنجده يعاني كثيراً من هواجس الفكر، كمثل قوله رب ضل الروح في غيهبه فارحم اللهم عقلي المرهقا وقوله وأبدو ضحوك السن حتى يظنني خليلي خلي البال والعقل ذاهل * * * وأما في شعر العاطفة نجد أنها تعتريه الحالة فينفصل في القصيدة ��اخلياً إلى شخصين بينهما صراع أفاتنتي رفقاً بمهجة مغرماً ينازل من أشواقه ما ينازل يصارع ألام الغرام كأنما يقاتله في جناحيه مقاتل * * * لا شك أن معرفتي لحياة الشاعر جعلتني أقف على بعض الابيات فتأتت لي ملاحظاتي أعلاه عموماً يتضح أن لديه جزالة في اللفظ وأما من ناحيتي التركيب والصورة تتفاوت قصائده في المستوى، لا يستهويني الشعر السهل السلس كثيراً لكن راقت لي كثيراً أبياته الحزينة حيث كانت أجود من غيرها، وتستحق أن يعنون لأجلها الديوان بهذا الاسم
يبحث الشاعر عن السعادة بين أسطره ولم يجدها. حروفه عانت الكثير .سطرتها روعة الابيات والحزن المسيطر على عالمه.. من أشقى وأجمل ماقرأت
كفني ياشمس مني هــيكلا -- كــــفــنــيـه هيكلا مــحــترقا وادفنيه جانب النهر فــقد -- يتــلقى الصبح غـصنا مورقا سوف اغفو يا نداماتي فإن طلع الفــجر فحـيو الـمشرقا وانفخو في جدثي من روحه واغرسو فوق ثراي الزنبقا يا حياتي مالذي فــيك يرى يبـهج النفس ويغري بالبقاء سوف اطوي صفحة العمر فما استطيع العيش عبدا موثقا
بين رفوف مكتبات الرياض المستعملة، المليئة بالغبار والخالية من حِسّ البشر. بعد التنقيب ستجد فيها كتب تكبرك سِنًّا كما ديوان الحجي -رحمه الله- "عذاب السنين" المطبوع (1409هـ).
ديوانه الوحيد تأثر بالقصيدة القديمة "الكلاسيكية"، فيه صور مبتكرة وأخرى عادية، ولكن القصائد بالمجمل صادقة.