قلت سأحذو حذوه، وبدلاً من رسائلي المفعمة بأسئلة يتجاوزها كأنما لم تكن بدأت أكتب له بدوري عن مدينتي، مدينة مخترعة واقعة بين جبال مكسوَّة بنباتات وأشجار زاهية الخضرة، وبحر هائج باستمرار يغلِّف الجو برائحة اليود، وتلفظ أمواجه طبقاتٍ كثيفة من الملح على الشاطئ كل صباح .. بيوت المدينة مبنية بكاملها على جرفٍ يمتد بين الجبال والبحر الهائج كأنها في وضع سقوطٍ أبدي وسكانها يقاومون الجاذبية طوال الوقت يسيرون ببطءٍ صاعدين أو هابطين محاذرين الوقوع من هذا العلو إلى جوف البحر المتلاطمة أمواجه بأصواتٍ صاخبة مجلجلة .
مرحبا أيها الجنون ها أنت ذا معنا بصخبك الصامت وصفوك الشاحب واغترابك الأليف المندفع بثقة صوب صفحات أفضية الذاكرة المشحونة بعطور الأحبة المنطوية في سراديب الضباب الضارب سبل الغربة في حدود الأزمنة المنداة بمناجاة الوحدة السابحة في محيط الزحام العالق في عالم مبتور خلف ستائر داكنة لست وحدك... هناك من يشبهك... من يسكن بجوارك ويفعل مثلك... من يسكن في نفسك البعيدة... نفسك التاريخية الحضارية الاجتماعية... نفسك التي تظن انها تختار وتتمتع بالحرية... إنها شقة مشتركة يقيم فيها آخرون بوضع الرمز... بوضع المخاوف القديمة... بوضع طريق يفترضون انك لابد سائر فيه... بوضعك في سجن التقاليد والتبعية في ليل الَمعذبين بوميض نجوم الحلم نحو الجنون نقطة انطلاق في محيط الذات تتلمس جزيرة في مأوي الغياب حين تلتفت في منتصف الرحلة فتجد ملامحك في وجه آخر ينظر لك بارتياب لأنك خذلته وظننت أنك ستحتفظ به مع الروباببكيا في صندرة البيت القديم التي تتساقط منها الأشياء في حارة الوهم
من أين أبدأ. فلنقل, يحيا المهمشين. منصورة عز الدين ليست فقط تتمتع بأسلوب راقي ساحر بل أيضا ً تعتمد على السريالية والرمزية في الكتابة. إنها دائما ً في تلك اللحظة وذلك المكان, في الأحلام والاكتشاف. إنك كقارئ لن تتأثر بموت البطل أو بعذابه, فهي تصف أبطالها ما بعد الموت وهم يبحثون عن ذاتهم الضائعة، وهم يتشتتون في البحث عن سببية الوجود والشعور الغريب الذي يصاحبهم دائما أثناء ذلك البحث. مجموعة نحو الجنون بها الخليط الذي يتلخص فى السابق ذكره، إلى جانب التأثر الرمزي بالوطن والشعور بالتحرر والظلم والألم من خلال الواقع الوهمي الذي تبنيه الكاتبة.
العمل نصوص من نبع الجنون فعلا. رؤية غرائبية مختلفة عن واقع العالم؛ تحوّل النصوص العالم لحلم، كأنه حلم لا مادي، التنقلات الغريبة والرسم واللغة والحكاية الغير ممسوكة كل هذا الغير الاعتيادي في الأدب العربي المعتاد.
النصوص القصصية معروف عنها أنها تعتمد على الحبكة والتكثيف في المشاعر والمشاهد والحوار، إنما منصورة تكتب نصا قصصيا مختلفا، فهي تعتمد على اللعب باللغة بشكل أوليّ وأهم من أي شيء. أو ربما تكون كانت مهتمة بالتحرر من الشكل الثابت للقصة، تكتب قصتها الخاصة، ونصها الخاص. - مكتوب على الغلاف إنها مجموعة قصصية، ولكنها مجموعة مش للقارئ المهتم بالحكاية والتكثيف في القصة، هي لقراء معينين قادرين على الدخول في رأس أحد الكتاب وقراءة نصوص وقصص من وحي خياله الخاص.. تخيل إنك دخلت حلم شخص تاني أو دماغ شخص تاني؟ كل اللي بيدور قدامك شريط صور وحكايات إنت مش فاهم، بس بتراقب وبتقرأ وبتتابع، يا ترى المجنون ده هيقول إيه أو يحكي إيه؟ أو هيقوله إزاي؟ لأنه الحكاية هنا أقل أهمية من اللغة. رغم إني بفضل التوازي، وإنه قدرتك السردية كممسك باللغة ومتحكم فيها وقادر على صنع العالم ده؛ أكيد هتجيب منك حكايات حبكتها أحلى، ويا سلام لما يكون النص: حكاية جميلة ولغة ممتازة.
دي البداية الأولى مع (منصورة عز الدين ) ومش هتكون الأخيرة. أنا فضلت البداية تكون بعمل صغير، ربما يكون الأسلوب ده مش صحيح، بس في كتاب كبار عظمتهم بتظهر في الكتابات الصغيرة، أو على الأقل بتعرف الكاتب ده متميز فين، ولما تحب ويهفك المزاج لحاجة كبيرة من النوع ده، تروح لمين. - منصورة عز الدين، نحو الجنون. (3/5).
تتسم قصص المجموعة في معظمها بتشظي الأحداث وغياب المنطق العقلي ووقوع الشخصيات المحورية في متاهة دائرية، تتكشف خلالها طبقات اللاوعي المتوارية خلف المظهر الهادئ لكل شخصية. و يتجلى ذلك في قصة "نحو الجنون"، التي منحت اسمها للمجموعة. تحكي الراوية عن جارات لها غريبي الأطوار. ترتدي إحداهن العباءة والحجاب، ويصدر عن شقتها ضجيج أطفال لم يظهروا أبدا. وعندما تستدعيها الجارة إلى شقتها، تجدها نسخة منقولة من بيتها. وعندما تذهب إليها مرة أخرى، تخرج إليها امرأة في الخمسين تدعي أنها تعيش بمفردها في الشقة مع ابنتها الجامعية منذ عشر سنوات. وتحكي الراوية عن امرأة أخرى تسكن الشقة التي تعلو شقتها، وتصدر عن شقتها جلبة بشكل دائم: (ذات يوم كنت على وشك الصعود إليها كي أبدي لها انزعاجي وعدم استطاعتي النوم بسبب صخبها، إلا أنني وجدتها هي من يطرق بابي لتسألني عن امرأة ضئيلة الجسم ترتدي العباءة والحجاب مدعية أنها تسكن شقتي. تمالكت أعصابي واكتفيت بقول إني أسكن هنا مع ابنتي وحدنا منذ عشر سنوات ولا نعلم شيئا عن المرأة التي تسأل عنها). وبذلك يدور السرد دورته لتتماهى الشخصيات المروي عنها مع شخصية الراوية، وكأنها طبقات متوارية في اللاوعي لديها: (وجود عباءتها وملابس أطفالها في دولاب ملابسي لا يثبت أي شئ. يجب أن يصدقوني. يمكنهم أن يتصلوا بطليقها الذي انتزع أطفالها منها بحكم محكمة كي يؤكد لهم جنونها هي لا أنا).
أسلوب منصورة جميل ولا يحتاج إلى تزكيتي. المجموعة تحتوي على قصص واقعية وقصص سريالية وقصص تدمج الاثنين معاً - إن صح القول- بشكل يستعرض مهارات منصورة القصصية ويؤكدها. عتبي الوحيد أني -شخصياً- شعرت أن استخدام القصّ السريالي في بعض المواضيع أخل بجمالها.. خاصة عندما تحدثت عن الثورة، لم أشعر بالقصة، لم تلمسني، كانت باردة كالثلج أبرد من رؤيتها عبر شاشات التلفاز!
عندما يكون تركيز الكاتب في اللعب و حيل الكتابة اكثر من اللازم فيهتم بمتعته الخاصة علي حساب متعة القارئ ، هنا تقف الافتراض القديم بان متعة الكاتب تحقق متعة القارئ علي ناصية اتزان اخري لم استمتع بها و بالرغم من وضوح اللعب لمجرد اللعب الا انه خالي من الجمال