تناول فيه مؤلفه التحولات الفكرية في العلاقة بين الدين والمقدس، وزعه على ثلاثة أقسام، بفصلين لكل قسم؛ الأول باسم «أوراق الصوفي» وفيه «عبور حد الوهم، والتصوف بوابة النبوات، الزهد، والتوبة، والتوكل، والتسليم، وتأليه الإنسان، وتوحيد الذات، وأنسنة الله، وارتداد الوعي، والنزول نحو الأنسنة». أما القسم الثاني فجاء تحت عنوان «اعترافات النبي» وفيه «نبوة الصوفي، ومجموعة الدمى المتحركة، وهوس الباحث، ودوامة الانقلابات، وختم النبوءات». في حين وسم قسمه الأخير بـ«هذيان اللاديني» والذي ولج فيه ضمد موضوعات عدة بينها: صانع التماثيل، وفخ الذاكرة، وفوتوغرافية الوعي، وانتقائية الوعي البشري، والوحي وإمكان الاتصال بالمطلق، ونفي النبوة وإثباتها، وأين يتوقف عنده الإلحاد. يقول «ضمد» في مقطع من الكتاب: «عندما يعترف الإنسان بانتقاله من الإيمان بفكرة إلى التصديق بنقيضها، فإنه يشعر بكثير من الخوف والشك، ويزداد خوفه وشكه عندما يتذكر أحكامه التي كان يطلقها على المختلفين معه بإيمانه ذاك، أو ربما ملاحقاته لهم أو حتى إيذائه لبعضهم فيما لو كان متطرفاً الى حد التسبب بالإيذاء، مضيفاً: الانتقال من الإيمان بفكرة إلى التصديق بنقيضها يخيف الباحثين عن الحقيقة، لاسيما أولئك الذين يعتقدون بوجود محطة نهائية لها. فمثل هؤلاء سيوقفهم انقلابهم على إيمانهم الذي كان راسخًا في يوم من الأيام على مقدار الضعف الكامن بوعيهم، ما سيمنعهم مستقبلاً من الركون إلى أي أحكام قطعية صادرة عن هذا الوعي.
يستعرض الكاتب في كتابه هذه تجربته الصوفية الشخصية مضيفاً عليها عدة تعليقات حول الايمان ومراحل التصوف ومقارنتها بالنبوة، لم اجد جديداً في استعراض التصوف سوى بساطة اللغة، فالتصوف ليس غريباً عليّ، مثلا كتاب فوائح الجمال لأحد مؤسسي الطرق الصوفية نجم الدين كبرى، يمتاز هذا الكتاب كما اسلفت بسلاسة السرد، يتضح نبذ الكاتب لفكرة الدين ويحكم على تجربته الصوفية بالفشل رغم انها تجربة وجدانية بحتة، لأنه استنتج انها وهم ولا يمكن بلوغ المراد حتى وإن بلغ الانسان آخر مرحلة من مراحل التصوف وهي مرحلة الفناء.. في الفصل الثاني الذي يحمل عنوان "مواجهة اسئلة الالحاد" يحلل الكاتب وينتقد عدة اسئلة نقدية تخص الايمان، فبعد اثباته ان النبوة هي احساس شخصي وجداني يشعر به الانسان بعد مروره بمقامات اشبه بمقامات التصوف حيث يثبت ان النبوة يتم دحضها ذاتياً، فالنبوة لا يمكن اثباتها الا بأن يمر السائل او المشكك بنفس التجربة عندها سيكون نبياً وهذا مستحيل، دحض الكاتب اثبات النبوة بالمعجزة، فالمعجزة شئ والنبوة شئ آخر، فيقول ان اهمية الاقتصار على دليل الاعجاز هو لأنه خالي من المُسلمات الدينية، حيث يسوق قصة من التراث لسائل يسأل الامام جعفر الصادق: هل يستطيع الله أن يضع البحر في قدح، فأجابه: الله يستطيع ولكن القدح لا يستطيع. وهو يقصد ان وضع البحر في قدح يستوجب تصغير البحر او تكبير القدح، وبكلتا الحالتين لن يتحقق المراد، فإما أن يتحول البحر الى جرعة صغيرة، ومن ثم لن يعود بحراً، وإما أن القدح سيحول الى إناء كبير ليتسع للبحر وبذلك لن يعود قدحاً. ثم يناقش المستوى الاول للإتصال بين النبي والمطلق(يتعمد الكاتب في نعته للإله او القوة العليا بالمطلق ليبتعد عن تسمية الله المقتصرة على الثقافة العربية فحسب، فمفهوم المطلق هو الاوسع والاشمل للقوة العليا او السبب الأول)، ويجعل هذا الاتصال ضمن مستوى المَلكات التي يستطيع الموهوب بهذه الملكة إثباتها، فالشاعر صاحب المَلكة الشعرية لا يمكن ان يثبت لنا شاعريته، فهذه الشاعرية لا يمكن لمسها أو رؤيتها أو سماعها لأنها شأن ذاتي بحت، نعم هو يستطيع نظم قصيدة التي تدل على شاعريته لكنها لا تكشف عنها بصورة مباشرة، اما المعجزة لا تنسجم مع دعوى النبوة ومن ثم لا تستطيع النهوض بمهمة اثباتها، لذلك لا يستطيع النبي اثبات نبوته لا بطريقة مباشرة ولا غير مباشرة.. ولا تستطيع المعجزة اثبات النبوة لأنها تواجه ثلاث عقبات: الاولى: يناقش الاعجاز كدليل على النبوة ولأن المعجزات احداث قديمة دونت في وقت لم يكن البشر يوثقون الاحداث التي تجري امامهم بشكل علمي دقيق، اي اننا يجب ان لا نركن للروايات التاريخية التي تتحدث عن المعجزات، فلو صدقنا بقصة جلجامش فقط لأنها مكتوبة على لوح طيني لألزمنا ذلك تصديق جميع الاساطير التي قام بها ابطال الامم السابقة، وهذه الأساطير بالتأكيد تتضمن احداث خارقة للطبيعة. الثانية: يناقش الرسالة والتي تعتبر مفهوم اوسع وأكبر من النبوة، فالرسالة تعني ايصال المعلومات التي تلاقاها الرسول من المطلق، حيث يسرد محورين للنقد الاول هو صعوبة تلقي العقل البشري (عقل الرسول) بل استحالة ادراكه لهذه المعلومات المطلقة والكلية عن الكو، واذا تلقاها واستوعبها عقله يستحيل عليه ان يوصل تلك المعلومات الى عامة البشر، ضارباً مثال لاستاذ في تخصص دقيق بالفيزياء وهو يدرس اطفال في الروضة، هل بإستطاعته ايصال هكذا افكار لهم؟ يختم الكاتب كتابه بالاعتراف بأنه لم يستطيع تجاهل وجود المطلق/القوة العليا/ المسبب، تحت دعوى -وأظنه يجامل هنا- بأن البشر دوماً يبحثون عن علة المعلول او المسبب الاول..
هل تخيلت او قررت يوماً ان تقوم بجولة برفقة دكتور اختصاص تشريح ، ليقوم بتشريح جسم ما أمامك ، ويطلعك على الاعضاء واشكالها ووظائفها ، فقط تخيل كيف سيكون المنظر وماهي ردة فعلك؟ ، منظر الدماء وحدة هو يكفي ليجعلك تتقزز منه. هذا ما يقوم به الكاتب من تشريح للصوفية ، من حيث هو احد أتباعها وقد قضى اغلب او افضل سنينه في التصوف والتقرب الى ذات الله ، لقد تشبع بالتصوف الى حد التقيوء الى الحد الذي دعى به الى الخروج عليهم. سوف يغوص بك الى باطنهم ، حيث هنالك يسود التناقض والا منطق..
شجاعة البوح عند سعدون تستحق ان نقف عندها و نحيه عليها، ليس سهلا البوح عن تجربة شخصية حساسة بهذا القدر في مجتمع يرفض المساس بالقيم الدينية بأي شكل من الاشكال خاصة في العراق. الكتاب عن تجربته الشخصية من التصوف إلى ترك القيم الدينية مرة واحدة. كتب سعدوان الكتاب بطريقة سلسلة و ممتعة و كأنه يجلس معك بحديث مطول عن النبوة و التصوف و غيرها من المواضيع ذات الصلة. يستحق القراءة و نحن محظوظين بك يا سعدون.