أربعة عشر نصاً تقرأ من خلالها أميرة أبو الحسن تلك اللحظات “الحاسمة” التي تتحول فيها المفردات “كائنات” توشك على أن تتلمس ذاتها حيث تنتشر اللغة في متاهة التعبير كالغبار الذي ضل طريقه. ولعل اللغة في هذه المجموعة مشروع يفتقر إلى الصدقية ولا يبعث على الاطمئنان، في الوقت عينه، بعيداً عن الكيفية التي تتكون بها هذه المفردات، على وجه الخصوص. اللغة، في سياق كهذا، تبعث على الخوف من الغموض الكامن فيها. متاهة شاسعة من القلق الذي يفضي، في أحسن الأحوال، إلى الارتطام العنيف باللغة في أشكالها الفجة وهي تدور على أطراف الذاكرة عشوائياً بغريزة صماء. متاهة هي اللغة وهي تتطاير في فضاء التعبير كتلاً خرساء من الوزن الثقيل. تقارب أبو الحسن هذه المتاهة من زاوية حادة جداً، تتمثل في عزمها على الخروج من البوابة العريضة للغة ومن ثم معاودة الدخول إليها من ثقوبها الصغيرة. والأرجح من مسامها الضئيلة المتوارية عن الأنظار. وهي إذ تسلك هذا المسلك، فإنها تنأى بنفسها عن الاصطدام بالجبروت الأعمى للغة والانصراف بدلاً من ذلك إلى فكفكتها نتفاً صغيرة تعيد تشكيلها في فضائها الذاتي الأصغر حجماً.
ولعل هذه التقنية التي تستخدمها أبو الحسن في سائر نصوص المجموعة، من شأنها أن تقلص مساحة الإمحاء أمام طغيان اللغة وهي تخبط خبط عشواء في المخيلة. كلما امكنها ان تنأى بنفسها وذاكرتها عن الانصياع “التلقائي” لمؤثرات اللغة، وهي لا تنفك تحاصر الذاكرة من جهاتها وزواياها كافة، تمكنت من ان تستخلص لرؤيتها الشعرية بعضاً من هذه الكائنات المفردات التي تصبح من صنعها هي، من نسيج رؤيتها هي إلى العالم كما يتحرك في الذاكرة المتحولة. غالباً ما تبدو هذه الميزة أكثر وضوحاً وحضوراً في النص، في المواضع التي تفترض صوغاً مغايراً لوظيفتها الدلالية، خصوصاً تلك التي تتعرض بنيتها الداخلية لاعادة تشكيل جذرية. فتتخلى بذلك عن هيئاتها الأولى، عن مسمياتها التقليدية أو المتوارثة، عن إيحاءاتها المألوفة التي أصابها التكلس فباتت تفتقر الى الإيحاء. والملاحظ أيضاً، في هذا السياق، ان هذه التقنية التي تتحين الفرص المناسبة لاصطياد هذه الكائنات المفردات وانقاذها من جبروت اللغة، تحتاج إلى هامش واسع من الصمت. بحيث توظف عملية تحويلها من بنية الى أخرى، من شكل إلى آخر مختلف بالكامل، من دون ضجيج يذكر، اسوة بما يجري، في العادة، تحت ستار الخفاء. تحت جنح الليل إذا جاز التعبير. على هذا الأساس من التصورات الأولية، ثمة ما يبعث على الاعتقاد، في هذه النصوص، ان كلاً منها يشتمل على منحيين اثنين في اللغة. الأول: الاقتراب قدر المستطاع من اللغة في تدافعها المتوحش، بعضها يتقاذف بعضها الآخر على نحو من الفوضى المنفرة. وهذه لغة تدور، في الأغلب، على التخوم البعيدة للغة. ثرثرة تشبه الهذيان تتردد فيها أصداء لكلمات لم يبق منها إلا حشرجات مختنقة. الثاني: الاقتراب قدر المستطاع، على نحو مماثل، من المفردات التي أصبح بمقدور أبو الحسن الاستئناس إليها ومن ثم استخدامها في تكوين الصور الشعرية الملائمة للرؤية في دلالاتها الآيلة إلى مقاربة أخرى للغة والعالم.