من مزّق الصورة؟ هذه هي القصة كلها، من أَلفِها إلى يائها. أرادوا أن يعرفوا من مزّق الصورة. لكن انتبه، أقول لك قبل أن أبدأ، وقبل أن أسترسل في سرد التفاصيل التي قد يوحي بعضها بغير الحقيقة التي أريد نقلها إليك، أقول لك وأنا مرتاح الضمير، إن قصدهم لم يكن الأذى، وهذا شيء مهم جداً، واقول أيضاً إني لم أكن مقصوداً لذاتي، وهذا أيضاً شيء في غاية الأهميّة.
دخلو إذن فجأة! أربعة رجال في ثياب مدنية، أحدهم جلس وراء المكتب، واثنان آخران وقفا قربه، إلى يمينه، ورابع وقف إلى يساره وهو الذي بادرني بالسؤال.
كانوا رجالاً بكل معنى الكلمة، وكانت إرادة الحسم باديةً على قسمات وجوههم. كانوا لا يحبون إضاعة الوقت، ولا يتحمّلون أن يعرقل تقدمهم غموض أو التباس. ولو كان عليّ اختصارهم بكلمة واحدة قلت بلا تردد: فاعلية! إنّ هذه نماذج نسمع عنها في بلادنا سمعاً، لكن قلّما نقع عليها بالفعل.
دخلوا فجأة، وتقدموا نحو المكتب، بصمت ملفت، وفورَ أن اتخذوا أماكنهم بادرني (الذي ذكرته فوق) بالسؤال، قال: من مزق الصورة؟
Rashid Al Daif (Arabic: رشيد الضعيف) (or Rasheed Al-Daif, Rachid El-Daïf, Rachid El-Daif) is a Lebanese poet and novelist. He has been translated into 14 languages. He has been referred to as "the Arab world's answer to Italo Calvino or Umberto Eco".
Rashid El Daif was born into a Christian Maronite family of eight children in Zgharta, Lebanon, in 1945.He studied in his village until high school. Then, he transferred to a government high school in Tripoli, Lebanon which only offered a philosophy degree, despite his penchant for science. After finishing high school, in 1965, he enrolled at the Lebanese University in Beirut in the Department of Arabic Letters. He became well-trained in classical Arabic literature and went to France in 1971 to continue his education.
While in France, he received Ph.D. in Modern Letters (Doctorat in Lettres Modernes) from University of Paris III, known as Sorbonne Nouvelle University Paris 3 on the theory of modern criticism applied to Unshūdat almaṭar, a collection of poems by Badr Shakir al-Sayyab, which was supervised by the distinguished Arabist André Miquel.
From 1972 to 1974, he worked as a teacher of Arabic for foreigners at University of Paris III.
In 1978, he received a Master of Advanced Studies, known in French as a Diplôme d'études approfondies, in linguistics at the University of Paris V, commonly known as “the Sorbonne” in preparation for a second doctoral thesis on diglossia in the Arab countries.
From 1974 to 2008, El Daif worked as an assistant professor at the Lebanese University in the Department of Arabic language and literature. He was a visiting professor at the University of Toulouse, France in 1999. From 2008 to 2013, he was an adjunct professor at the Lebanese American University (LAU). Since 2012, he has served a professor of Arabic creative writing at The American University of Beirut (AUB).
El Daif has received dozens of invitations to speak about his novels from all over the world including in the Netherlands, Japan, Germany, France, the United States.
El-Daif’s work has attracted numerous critical books and articles including by Samira Aghacy, Stefan G. Meyer, Ken Seigneurie, Assaad Khairallah, Paul Starkey, Mona Takieddine Amyuni, Edgar Weber and others. Several university dissertations have also been written on El Daif’s novels. El Daif has also gone on to supervise the publication of at least five novels from his students and in 2018 edited and published a collection of his student's work titled tahīya' li-dawī ḥaḍurī (Get Ready for the Rumble of my Presence).
عزيزي الضعيف، روايتك ليست فقط ضعيفة بل تعاني مجاعةً لغويّة وأدبيّة. أستحلفك بالله التوقّف عن الكتابة. لن أقرأ لهذا الإنسان إلّا الرواية الأخرى التي اشتريتها وهي إنسي السيّارة وأعتذر من نفسي سلفًا. يعبثون بالأدب ويسخّفونه لا أعلم لماذا!
تدخل رواية «ناحية البراءة» للكاتب والروائي اللبناني رشيد الضعيف القارئ منذ صفحاتها الأولى في أجواء تحقيق شاق ومضن، يبدو في ظاهره بسيطا، لكنه سرعان ما ينفتح على أسئلة سياسية وأخلاقية عميقة. فالحادثة التي تدور حولها الرواية ليست جريمة قتل أو تخريب، بل مجرد تمزيق صورة. ومع ذلك، يتحول هذا الفعل الصغير إلى ذريعة لتحقيق طويل ومرهق، يتصدره سؤال واحد يتكرر بإلحاح: من مزق الصورة؟
يخضع بطل الرواية لتحقيق طويل يجريه أربعة محققين، يصفهم بأنهم رجال من حيث الصفات والصرامة، وإن كانوا شبابا من حيث العمر. ما يثير دهشته منذ البداية أن التحقيق يتجاوز الأسئلة البديهية، فلا أحد منهم يسأله عن اسمه أو عمره، وكأن هويته الشخصية لا تعني لهم شيئا أمام الاشتباه السياسي والفكري.
يتضح تدريجيا أن موضع الشبهة لا يرتبط فقط بتمزيق الصورة، بل بالأفكار التي يحملها البطل. فهو، في نظر المحققين، ما زال متمسكا بأفكاره العروبية الأولى، أفكار لم تصقل ولم تتطور بما يتلاءم مع التحولات الدولية والإقليمية والمحلية. ومن هنا تنبثق الفكرة المركزية في الرواية: لا يوجد إنسان عربي يستحق البراءة. فالعروبة، كما تقدم في منطق التحقيق، تهمة قائمة بذاتها، حتى في الحالات التي يبدو فيها الفرد بريئا تماما.
يحاول البطل الدفاع عن براءته بالتعاون الكامل مع المحققين، فيفتح لهم ذاكرته، وأفكاره، بل حياته كلها، مؤكدا أنه قال كل ما يعرفه، وأن الحقيقة الوحيدة التي يمتلكها هي أنه لا علاقة له بالرجل الموجود في الصورة: لا يعرفه، لا يحبه، لا يكرهه، ولم يتابع نشاطاته أو مواقفه. ومع ذلك، لا تبدو هذه الحقيقة كافية، لكي يكون بريئا. فالتحقيق لا يبحث عن واقع ملموس، بقدر ما يسعى إلى اعتراف ما، أو إلى قول الحقيقة التي يريدها المحققون لا الحقيقة كما هي.
ومن أكثر اعترافاته دلالة قوله إنه لا يحب تعليق صور الأموات على الجدران، أيا كانوا، لأنه يرفض إجبار الناس على رؤية صور الأموات يوميا وبصورة قسرية. ورغم وضوح موقفه الإنساني، يعود سؤال المحققين نفسه ليطارده من جديد: من مزق الصورة؟ وكأن كل ما قاله سابقا لا قيمة له، ولا يحسب ضمن منطق البراءة.
في رواية «ناحية البراءة»، لا يكتب رشيد الضعيف عن تحقيق بقدر ما يكتب عن عبثية السلطة، وهشاشة مفهوم البراءة في عالم مسيس. وعن الإنسان الذي يجد نفسه متهما لا لشيء، إلا لأنه يحمل أفكارا، أو لأنه ينتمي إلى هوية بعينها. إنها رواية عن الحقيقة التي لا تكفي، وعن الاعتراف الذي لا يبرئ، وعن براءة مؤجلة أو مستحيلة، في واقع لا يعترف إلا بما يخدم منطق السلطة المتحكمة.
رواية تأملية فلسفية تغوص في دهاليز العبث، قد لا تعجب بعض القراء، حيث تدور أحداثها في حلقة مفرغة من التحكم والسيطرة. إنها استكشاف لقبضة سلطة شمولية لا تكتفي بالتحكم بمصائر الناس، بل تتعداه إلى إحصاء أنفاسهم، ومحاسبتهم على أفكارهم ومواقفهم. محولة الحقيقة إلى مرآة تعكس فقط أوهامها التسلطية والاستبدادية.