التصوف هو موضوع هذا الكتاب، برسالتيه. فأولاهما شديدة الخصوصية بالفكر الصوفي، وثانيتهما عامة للمعرفة الصوفية.أما الرسالة الأولى: وهي : (إيضاح المقصود من معنى وحدة الوجود) وكما يشير العنوان، دون لبس أو غموض، ولماذا أساء الناس فهمه، بالرغم من بساطة هذه الدعوة. فهي ليست مستحدثة فى الفكر الإسلامي فقد جاء بها الكتاب والسنة.أما الرسالة الثانية: فهى رسالة ( مسائل فى التوحيد والتصوف) وهى عبارة عن خمسين مسألة فى التصوف والإجابة عليها. لمؤلفان الشيخ عبد الغنى النابلسي، رحمه الله.
عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي الدمشقي الحنفي (1050 هـ - 1143 هـ/ 1641 - 1731م) شاعر سوري وعالم بالدين والأدب ورحالة مكثر من التصنيف. ولد ونشأ وتصوف في دمشق. قضى سبع سنوات من عمره في دراسة كتابات "التجارب الروحية" لِفُقهاء الصوفية. وقد تعدّدت رحلاته عبر العالم الإسلامي، إلى اسطنبول ولبنان والقدس وفلسطين ومصر والجزيرة العربية وطرابلس وباقي البلاد السورية. استقر في مدينته دمشق وتوفي فيها.
تتناول هذه الرسالة قضية "وحدة الوجود" والتي يجد فيها مخالفو التصوف ذريعة لمهاجمته بل وتكفير أئمته، علما أن الخلاف برمته أساسه لفظيّ بحت منبثق من تأويل بعض عبارات الشيخ الأكبر ابن عربي وأشعار ابن الفارض في غير محلّها دون دراية بأن إيحاء الإشارة تبطله صراحة العبارة، والتي جاءت جلية لا تقبل الريب في قول الشيخ الأكبر في "الفتوحات المكية": "من قال بالحلول فدينه معلول، وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد"، وربما يأخذ البعض على علماء التصوف استخدامهم لغة الرمز التي توهم الشك واللبس عند القارئ البعيد عن هذا الفن، إلا أن ذلك لا يبرر التكفير جزافاً بحال من الأحوال.
لا ادري سببا يجعل تراثنا الاسلامي يتنكر للفكر الصوفي بهذا الشكل الا لان هذا الفكر ذا المقام الاعلي والمكانة الاشرف بين سائر العلوم لا يستقر استئناسه، ولا يمكن استخدامه من قبل انظمة الحكم، انه غير مناسب وغير مفيد، لذلك كان هناك دائما ارادة ما من قبل العقل البشري ان ينكر تلك الابعاد المعرفية التي تستغني عنه وتتعالي عليه وترنو الي الاتصال بمصدر وجودها بشكل مباشر دون الحاجة اليه بل وبقمعه وترويضه.
لا اعيب علي تراثنا الاسلامي وحده انما هي مشاكل العقل الانساني الجمعي الذي غره اعتمادنا الكلي عليه حتي تماهينا معه وتوحدنا به وفقدنا ذاتنا فيه، هنا يوضح الشيخ عبد الغني النابلسي قدس الله سره الكريم الفرق بين مبدأ وحدة الوجود كما يراه العارفون وكما قد يراه اي عاقل لو احب ان يتأمل الأمر بنفسه ويأخذه علي محمل الجد كما يستحق، وبين ضلالات الزنادقة المارقين الذين حتي لم يحسنوا القول عن الله الذي عجزت اللغة وتعجز دائما عن فهمه ما بالك بوصفه فكانو بذلك وبالا علي العقيدة جميعها، ولا افهم شخصيا لا بالعقل ولا بالحس كيف للرائي ان ينظر حوله ولا يري الله، في اي مكان قد لا يوجد.
هو نفسه قال هو الاول والاخر، اول ماذا واخر ماذا ، انه اول كل شئ واخر كل شئ، ولك ان تجزئ الاشياء كما تحب ويظل هو الاول والاخر، تمتلئ به الاشياء ويمتلئ به الفراغ، نبحث عنه ونحن فيه، بطن من شدة الظهور، لا موجود الا به، ولا وجود الا له،