ليست المجالس الوردية بحاجة إلى تمهيد كي تستوعب أهميتها وندرك عمقها… إنها جولات معرفية لرجل عرف بكره التقليد، وإيمانه بالمنهج الفكري والتجديد، وستكشف المجالس الوردية التي حررها الباحث الألمعي سلام شماع عن عالم مفكر، مستقل، يؤمن بمعرفته ويدافع عن رؤيته… المجالس الوردية ليست أورقة علمية روتينية، تعلم الناس كره الفكر، والإيمان بالتلقين، بل المجالس الوردية تخلص الناس من الإرتهان إلى البؤس والشقاء، كما أن مجالس الوردي ليست كراريس وورقات مدرسية هزيلة، بل المجالس مجابهة ثقافية وإستقامة فكرية وفروسية معرفية.
القراءةُ عن الوردي ممتعةٌ وساحرةٌ كالقراءةِ لهُ - على رُغم اختلافِنا معه، ويبدو أنَّ سلامَ الشماع أخذَ من الوردي شيئًا من أسلوبِه وطريقتِه في الكتابةِ، وأقول هنا أنه أي سلامُ والخاقاني في كتابِه (مائةُ عام مع الوردي) أفضلُ مَن كتبَ عن الوردي، والإطلاعُ على ما كتبوه يغني عن القراءةِ عن كل ما كُتبَ عن الوردي. تنوعَ هذا الكتابُ بين الحديثِ عن: المجالسِ الثقافيةِ التي كان يحضرُها الوردي في بغداد كمجالسِ الغبان والخاقاني وكليدار، هذه المجالسُ كانت تشكلُ مظهرًا ثقافيا بارزًا يناقشُ روادها مشاكلَ المجتمع وقضاياه إلى حد الجدلِ وتركِ المجلس أحيانا كما يفعلُ صاحبُنا، والحديثِ عن بعضِ مقالات الوردي التي تتناولُ القضايا التي لا يجهلُها على من اطلعَ على كتبِ الوردي فالجدالُ حولَها ظل إلى حينِ وفاتِه بل إلى وقتنا الحالي، أما الجزءُ الأخيرُ من الكتابِ فهو لطيفٌ تناولَ حواراتٍ معَ الوردي، وأفضلُ حوارٍ شدني حوارُ الهواياتِ التي كان يهواها صاحبُنا. ( أما القراءةُ فهي هوايتي الأولى، وقد سيطرتْ علي منذ أيامِ الصبا، ولعلني لا أغالي إذا قلتُ إني من أكثرِ الناس قراءةً) (إن الكتابةَ تشغلُ ذهني عن التفكيرِ في منغصاتِ الحياةِ ) ( أعتبرُ المشيَ رياضةً بدنيةً ونفسيةً في آنٍ واحد فهي عندي نوعًا من الصلاةِ التي أتقربُ بها إلى اللهِ)
خفيف، يتحدث عن مجالس المفكر الكبير وعالم الاجتماع العراقي في جو لا يخلو من الطرفة. هذا العالم الذي همش من طرف أهله في حياته وبعد موته يستحق منا التحية والسلام. فهو الزاهد، الكافر بالتقليد، العقلاني، الناقد، الذي نبذ الطائفية وتعصب العامة، وانكب على دراسة أحوال مجتمعه مستلهما من ابن خلدون فكرة الصراع بين البدوية والحضارة التي مازالت تشهدها أغلب المجتمعات العربية اليوم.
في رأيي، تظل المناقشات التي تدور في المجالس وجهًا لوجه، والحجج المقدمة من أطراف النقاشات، هي الأكثر فائدة لو قسناها بنقاشاتنا الحالية على شبكات التواصل الاجتماعي. فعلى الرغم من وجود هذه المجالس حتى الآن، إلا أنها بدأت بالتقلص في مجتمعاتنا العربية لعوامل مختلفة. وكان لعالم علم الاجتماع الدكتور علي الوردي حصة من هذه النقاشات والجدالات الكبيرة في هذه المجالس، التي كتب عنها الصحفي سلام الشماع مجموعة من المقالات وبعض الحوارات التي نُشرت في الصحف العراقية، قبل أن يجمعها سلام الشماع في هذا الكتاب الذي حمل عنوان (د. علي الوردي... مجالسه ومعاركه الفكرية). عاصر الشماع الوردي في هذه المجالس التي خسر وربح فيها على السواء أثناء طرحه لآرائه حول مواضيع مختلفة، تطرقت لها المجالس التي كان يرتادها الدكتور علي الوردي، ومن أشهرها مجلس الدكتور عبد الحميد الهلالي، الذي كان ينعقد يوم الجمعة قبل الظهر من كل أسبوع، وكذلك مجلس الشاعر محمد جواد الغبان، الذي ينعقد مساء الأحد من كل أسبوع، ومجلس الأستاذ محمد عيسى الخاقاني، الذي ينعقد مساء كل اثنين، ومجلس الشيخ فاضل الشبيبي كليدار، الذي ينعقد يوميًا في حجرة الكليدار الواقعة ضمن الصحن الكاظمي الشريف.
نقل لنا الشماع المواضيع التي دارت حولها النقاشات، والتي تحولت في الكثير منها إلى جدالات حادة، وارتفع فيها الصوت أثناء دفاع الوردي عن أفكاره أمام خصومه. ويذكر الشماع آخر جلسة حضرها في مجلس الشاعر محمد الغبان بتاريخ 29/12/1991، والتي نشب بها جدال حاد حول موضوعين، أحدهما علم (الباراسيكولوجي)، والذي يسميه الوردي علم الخارقية، بينما كان الموضوع الثاني منطق أرسطو، الذي يرى الوردي أنه منطق غير صحيح وقد ولى زمانه. أما الموضوع الأول، فقد دافع الوردي عنه دفاعًا مستميتًا، بوصفه علمًا معترفًا به في المجتمع العلمي، وله أدواته ونظرياته وحججه. بينما اعتبر خصمه في هذا الجدال الحاد، الشيخ جلال الحنفي، أن ما يسمى علم (الباراسيكولوجي) لا يتعدى أن يكون سوى خزعبلات وتلفيقات، بل واعتبره أقرب للاستخفاف بعقول الناس.
أما الموضوع الثاني الذي جرى النقاش فيه، فهو منطق أرسطو، أو ما يسمى كذلك بالمنطق القديم، أو المنطق الصوري، أو المنطق الاستنتاجي، وقد شرحه الدكتور علي الوردي بشكل مكثف في كتابه (منطق ابن خلدون.. في ضوء حضارته وشخصيته)، حيث يرى أنه منطق قديم ولا يصلح لزماننا هذا، وهو علم قائم على الاستنتاج، بينما العلم الحديث قائم في منهجيته على الاستقراء. ويسوق الوردي حجته على هذا الرأي من خلال النقاشات العقيمة التي كانت تدور في عهد أرسطو ومن أتى من بعده، دون الوصول إلى نتيجة، بل إن كل طرف كان يدعي أنه صاحب الرأي الصائب بسبب هذا المنهج العقيم، بينما كان يرى الشيخ جلال الحنفي أن المنطق الأرسطي هو منهج متقن وباهر الدقة في فهم الأمور، وهو منطق قائم منذ أرسطو، مرورًا بالفلاسفة في الهند والصين والعرب، وحتى يومنا هذا.
كذلك في مجلس الغبان، تم مناقشة موضوع الديمقراطية في الإسلام، ولكن هذا الموضوع وما أثاره من نقاش حاد من الحاضرين، وعلى رأسهم الدكتور علي الوردي وخصومه، انتقل ليناقش بشكل أعمق وأكبر في مجلس عبد الحميد الهلالي، الذي كما قلنا إنه كان ينعقد أسبوعيًا من صباح كل جمعة. حيث يرى الوردي أن الخلافة الراشدة لم تستمر إلا في عهد أبي بكر وحتى نهاية عهد علي بن أبي طالب، أما من أتى بعدهم من الخلفاء، فلم يختلفوا في ديمقراطيتهم عن أنظمة الديمقراطيات الحديثة، التي يكثر بها الفساد ويتم البطش فيها بالمعارضين، وغيرها من وجوه التشابه في يومنا هذا. يعلل الوردي رأيه هذا بأن الديمقراطية الحقيقية للإسلام، والتي استمرت حوالي الثلاثين عامًا، ظهرت قبل أوانها، ولم تتوافر أدوات ترسيخها، مما ساعد على عدم استمراريتها وثباتها. لكن البعض من المتناقشين أثار نقطة مهمة، وهي أن الخلافة الراشدة لا بد أن تُقاس بزمانها ومعاييرها التي انبثقت منها، ولا يجوز مقارنتها بديمقراطيات أو أنظمة الحكم التي توالت عبر العصور اللاحقة.
قدم سلام الشماع في هذا الكتاب، مع ما قدمه من مجادلات ومناقشات خاضها الوردي في المجالس، مجموعة من المقالات التي تحدثت عن أفكار الوردي، ومنها المقال الذي احتوى على آخر حوار أجراه سلام الشماع أثناء تواجد الوردي على سرير المرض بعد إجرائه لعملية جراحية، فلا زال الوردي يؤمن أن الإنسان العربي ما زالت روح البداوة متعمقة في وجدانه وتسيطر عليه. ويبرر الوردي رأيه هذا بأن المنطقة العربية تحتوي على أكبر صحراء ممتدة من الخليج العربي شرقًا وصولًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، فهي تتميز عن كثير من مناطق العالم بكونها أكبر امتداد صحراوي على وجه الكرة الأرضية، وبالتالي لا عجب أن تكون أكبر منبع للبداوة، هذه البداوة التي تؤثر في سلوكياتنا، على عكس ما نظهر من تمدن وتحضر، وهو معترك لا نشعر به، فهو شيئًا مغروس في أعماقنا، ويتجلى بشكل أوضح من خلال مفاهيمنا عن النخوة والكرامة والشرف والكرم وإغاثة القبيلة، والافتخار بالحسب والنسب، وغيرها من المفاهيم التي هي نتاج البداوة.
وفي سؤاله عن تأثير الثقافة على الفرد، أجاب الدكتور علي الوردي أن في بعض المجتمعات يظهر نظامان متناقضان، حيث يقوم النظام الأول على الخطب المثالية والتواعظ بين الأفراد، ولكن اتضح أن الوعظ لا يردع الإنسان إلا في هامش ضيق، بينما النظام الثاني هو الأكثر واقعية، لأنه يحدد أفكار الفرد وسلوكياته من خلال البيئة التي وُلد فيها، وأثرت في القيم التي يتبناها مجتمعه. ويبدو رأي الدكتور علي الوردي في هذا الجانب هو الأصوب، في رأيي، فقيم كل فرد هي نتاج طبيعي للقيم والأفكار التي تراكمت وتطورت مع الوقت، وساهمت الأحداث والظروف التاريخية في تثبيتها وديمومتها، وبالتالي تشرب منها من عايشها وآمن بها، ونقلها للأجيال اللاحقة في كل مجتمع من المجتمعات المختلفة.
يُذكّرك هذا الكتاب بأهمية المجالس واستمراريتها من أجل نشر الأفكار والرد عليها من مرتاديها، وهي بصورتها العامة تكون أقرب إلى برلمانات ديمقراطية صغيرة تُطرح من خلالها كل القضايا السياسية والاجتماعية، وغيرها من المواضيع التي تهم حياة الفرد ومعيشته. وتؤثر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على كل مرتاديها في تغيير أفكارهم أو قيمهم الاجتماعية التي نشأوا عليها، ولو تطلب هذا الأمر بعضًا من الوقت. ولا زال كاتب هذه السطور، حتى اللحظة، يمتلك مجلسه الخاص اليومي، الذي غير المفاهيم لدى البعض، وجلب عليه السخط أيضًا من البعض.
اشتريت الكتاب لاني عاشقة لكل ما كتب هذاالمفكر والعالم الجليل رغم عدم اتفاقي التام معه في جميع ما طرح من افكار ..للاسف لم اجد الكثير مما كنت اطمح لمعرفته..عزائي الوحيد انه يتحدث عن شخصية جد ملهمة ومحببة لي <3
جولة شيقة في الحياة البغدادية في القرن العشرين بمجالسها الثقافية المميزة،مركزة على الوردي بوجه الخصوص ❤ عالم الاجتماع اللامع صاحب الافكار الجريئة والخارجة عن المألوف ،والذي يبدو ان مجتمعه لم ينصفه في النهاية ارفع القبعة احتراما -ولعلها استعارة غير موفقة ،لكني احب استعمالها- لهذا العلم ،مع شدة الاعجاب بآرائه المنطقية والتي تدعوك الى تغيير نظرتك للمجتمع -وربما التعاطف معه اكثر!
"ان الحقائق كلها نسبية ولاوجود لحقائق مطلقة ،وبالتالي تصبح المعرفة الحقيقية من المستحيلات ،لان المعرفة لابد ان تقوم على حقائق مطلقة وماالعلم الا فرضيات اخضعت للتجربة والاختبار وتم التاكد من صحتها في جميع الظروف والمتغيرات فتحولت الى نظريات علمية هي اساس كل علم من العلوم."
كتاب جيد لكنه لا يلبي الطموح .. لم يضف لي الشئ الكثير عن الوردي - المؤلف المفضل بالنسبة - ، لكن الحديث عن الوردي يبقى ممتعا .. لا سيما ان الكاتب هنا يحاول ان يقلد اسلوب الوردي في الكتابة .