الرواية في مجملها رائعة.. استمتعت كثيرًا بقراءتها ووجدت فيها ضالة جديدة في القراءة وهي متعة أن تكون على معرفة شخصية بمؤلف الكتاب الذي تقرأه، فتشعربمذاق خاص للقراءة عندما تستدعي مواقف معينة حقيقية طرح فيها الكاتب جزءًا من أفكاره التي تُفاجئ بأنه أوردها في كتابه. هذا فضلًا عن التميز الذي تشعر به عن أي قارئ آخر، لمعايشتك لأجواء واقعية استوحى منها الكاتب المادة التي استخدمها في رسم شخصيات وأحداث متخيلة. كقارئة أعتقد أنه ليس لديّ ما يؤهلني لتصنيف عمل أدبي بوجه عام، لكن عن هذه الرواية يمكن أن أقول إنها في رأيي جمعت خصائص ألوان متعددة من الكتابة الأدبية، فهي ليست سيرة ذاتية –بحسب التنويه الذي جاء في نهاية الكتاب- لكن يمكنك أن تستشعر فيها شيئًا من الذاتية أكسبها مصداقية. قد تكون أيضًا شبابية "لايت" لتطرقها لمرحلتي الثانوية والجامعة وما يغلب عليهما من شقاوة وخفة ظل وشيء من الثورية وحب الحياة، لكنها تميزت كذلك بالنضج المتمثل في مرحلة ما بعد الجامعة ومواجهة الحياة العملية بكافة أشكالها. تجد فيها بالمثل لمحات رومانسية وعاطفية بمختلف أنواعها عند تعرفك على شخصية "الأسطى" كصديق، وكشاب محب، وكزوج، وكأب. كما أن الجانب السياسي في الرواية أكسبها ثقلًا وقد يعطيها صفة "التوثيقية".. استعراض المعلومات الخاصة بالثورة الليبية مع ذكر الأماكن والتواريخ، وتلك المتعلقة بالثورة في مصر يوحي بالثقة في نفس القارئ. بصفة عامة أرى أنها رواية موسوعية اجتماعية إنسانية سياسية وقد تكون نفسية أيضًا إذ أنها لم تخلُ من الحديث الدائم للبطل مع نفسه.. بالنسبة للغة: أعجبتني جدًا. المعروف إن الكتابات الأدبية تتسم بالإسهاب والتطويل، لكن الجمل القصيرة في سرد هذه الرواية جعلت إيقاع الحكي سريع وبالتالي لم أشعر كقارئة بالملل من تفاصيل مراحل مختلفة في حياة "الأسطى" شغلت في الحقيقة حيزًا زمنيًا كبيرًا، بمعنى أن هناك انسيابية في الانتقال من مرحلة عمرية لأخرى، دون أن تبدو إحداها ناقصة الملامح. اختيار الألفاظ مضبوط ودقيق، كل كلمة مناسبة جدًا في مكانها.. التشبيهات لذيذة وعفوية وأحيانًا "طفولية" اللغة فصيحة وسليمة، وإن كنت أفضل أن تكون لغة الحوار بالعامية ليظهر طبيعيًا بشكل أكبر. فهناك مواضع لا تستوعب غير العامية. عن اقتناع شخصي، أرى أن لكل عمل أدبي حبكة أو مغزى. ولأن هذه الرواية متعددة الطابع كما قلت من قبل، فقد جذبتني معها للتفكير في موضوعات شتى أبرزها الحنين. الحنين في حد ذاته شعور ممتع رغم امتزاجه أحيانًا بالألم، لكنه في الرواية مسيطر على البطل بدرجة كبيرة جعلتني أفكر أنه محروم من الشعور بمتعة الحياة رغم نجاحه وتميزه في عمله وأسفاره. للبطل شخصية عبقرية فهو مثقف ومجتهد في عمله –لم يتضح لي قدر هذا النجاح في حياته الخاصة لكنه يبدو شخصية محبوبة مع زوجته وابنته وإن كان دور الزوجة مهمشًا في الرواية- يبحث دائمًا عن الجديد في حياته، وفي نفس الوقت يحبس نفسه في سجن الحنين لقصة حب صارت جزءًا من الماضي، لكنه جعلها شبحًا يطارده. ولم يقف الأمر عند ذلك فقط، بل هو نفسه "الأسطى" كان يتعقب هذا الشبح ويتقفى أثره، رغم كونه صاحب قرار البعد من البداية! ونظرًا لأن شخصية "الأسطى" دائمة السؤال: وماذا بعد؟ أجد شعور الحنين يقترن بالتطلع إلى ما ليس في يده، فينجرف مع وهم عابر وهو انجذابه للفتاه الفرنسية "فوستين" ثم فكرة انتقاله إلى ليبيا برغبة شخصية منه لكنه سرعان ما شعر بالملل وقرر العودة إلى حياته. أرى أن "الأسطى" محظوظًا لأنه صاحب القرار في كل الخيارات التي تعرض لها في حياته، ولكنه يبحث عن تعاسته بتخليه عن حاضره ومحاولة هروبه منه. وأعتقد أنه رغم التطورات التي طرأت على شخصيته في هذه الرواية، لا بد وأن تكون هناك تطورات أخرى لأنه لم يتخلص بعد من الحنين لقصة حبه القديمة وإن كان يحاول إقناع نفسه بعكس ذلك. بلا أي اعتداء على نهاية الرواية الفعلية، شخصيًا تزعجني فكرة أن يكون الإنسان هو سبب معاناة لنفسه، فيكفيه الهموم التي تكبده إياها أمور الدنيا، لذلك سأتخيل أن هناك جزء ثان للرواية يتحرر فيه الأسطى فعليًا ويشعر بالرضا، فلا يجب أن يخضع الإنسان لأي قيد –وُضع بإرادته أو دون إرادته- ويمنعه من أن يعيش حياته بمعنى الكلمة، حتى لو كان ناجحًا ولامعًا مثل الأسطى. فمتعة الحياة الحقيقية، في رأيي، ليست لحظية ولا ترتبط بإنجاز معين، بل هي سكينة ورضا يلازم الإنسان في كل خطوة يخطوها في الحياة، ولا تستحق التضحية بها للانزواء وحيدًا في سجن الحنين.
هي العمل الأول لصديقي العزيز عمرو فهمي وأتمنى ألا يكون الأخير، رواية خفيفة هي تنتقل بك من أزقة الحارات الشعبية في الجيزة بمصر إلى ما نحسبه العالم الواسع في الخارج قبل أن نجد أن الأماكن سيان والدنيا صغيرة بالفعل وقد برز ذلك من خلال قانون "الصدفة المليارية" كما يروق لعمرو تسميته.
الإيقاغ سريع ومباشر ولعل هذا هو ما جعل الرواية تبدو كما لو كانت مقطتفات أو ومضات حرة بدون قيود تأخذ القارئ إلى حالة تشبه الطفو أو السباحة في أثير تجارب وخواطر بطل القصة.
استمر يا صديقي وتذكر أن أفضل ما لديك لم تكتبه بعد :)