محمد فؤاد شكري: مؤرخ مصري؛ اتسمت دراساته باعتمادها على المعلومات الدقيقة والموثوقة؛ مما أضفى عليها قيمة تاريخية كبيرة. واهتم كثيرًا بالدراسات التاريخية التي تخدم القضايا الوطنية والقومية العربية، وكذلك القضايا القومية في أوروبا.
التحق بدار المعلمين العليا وتخرج فيها عام ١٩٢٧م، وحصل على درجة الماجستير في التاريخ الحديث من جامعة «ليفربول» عام ١٩٣١م، ونال درجة الدكتوراه من نفس الجامعة عام ١٩٣٥م عن موضوع: «إسماعيل والرقيق في السودان». عمل في التدريس بكلية الآداب بجامعة القاهرة لما يقرب من ربع قرن، بالإضافة إلى انتدابه مفتشًا للتعليم الثانوي بوزارة المعارف عام١٩٤١م. وبسبب كتاباته وآرائه التاريخية القيِّمة؛ اعتمد عليه الوفد المصري في الأمم المتحدة عندما عُرِضت القضية المصرية السودانية على مجلس الأمن عام ١٩٤٧م، كذلك اعتمدت ليبيا كثيرًا على أوراقه التي دافع فيها عن قضيتها ببسالة، وطالب بضرورة حصولها على الاستقلال والتمتُّع بالوحدة، وكان نتيجة ذلك أن قامت السلطات البريطانية بطرده من ليبيا عام ١٩٥١م.
له العديد من المؤلَّفات، نذكر منها: «مصر والسودان: تاريخ وحدة وادي النيل السياسية ١٨٢٠م–١٨٩٩م»، و«الحكم المصري في السودان»، و«السنوسية دين ودولة»، و«ميلاد دولة ليبيا الحديثة: وثائق تحريرها واستقلالها»، و«الحملة الفرنسية وخروج الفرنسيين من مصر»، و«الصراع بين البورجوازية والإقطاع ١٧٨٩م–١٨٤٨م»، و«عبد الله جاك مينو»، و«مصر والسيادة على السودان: الوضع التاريخي للمسألة»، و«ألمانيا النازية».
رحل عن عالمنا عام ١٩٦٣م، إثر إصابته بمرض خطير ظل يصارعه لأكثر من ثلاث سنوات.
الدول تُصنع بالبطش والقوة والحزم والدهاء والسياسة، درس متكرر في التاريخ، ربما كان محمد على باشا أحد هؤلاء الرجال الأقوياء عبر التاريخ الذين استطاعوا إنشاء دولة من رحم الفوضى التي سادت مصر عقب رحيل الفرنساوية والتي كان هو أحد صُنَّاعها، في هذا الجزء الأخير من الثلاثية الممتازة " مصر في مطلع القرن التاسع عشر" يواصل المؤرخ المتمكن محمد فؤاد شكري رصد كيف تمكَّن محمد على باشا من توطيد سلطته في مصر، وفي هذا الجزء يتكلم عن الفترة من 1807 إلى 1811، من بعد رحيل حملة فريزر إلى مذبحة القلعة، والحقيقة أن هذه الفترة هي من أهم فترات حكم محمد علي الطويلة؛ إذ فيها واجه محمد علي تحديات حقيقية كانت كفيلة بالإطاحة به كلية، ومن هنا يتكلم هذا الجزء حول التحديات الداخلية والخارجية التي واجهها الباشا؛ من أجل تحقيق هدف الباشا الأساس وهو الظفر بولاية مصر حكمًا وراثيًا له ولأسرته.
سيتمحور هذا الجزء من الثلاثية حول ملامح البرنامج الداخلي والخارجي للباشا، هذا البرنامج كما يقول شكري يتمحور حول أمر واحد وهو: تقرير الحكم الوراثي في مصر، ومن هنا كانت كل تصرفات الباشا تخضع لتحقيق هذا الغرض، وعبر صفحات طويلة وممتعة وبتحليل مدهش يأخذنا شكري لتلك التحديات سواء الداخلية منها مثل مشكلة المال و ثورات الجند وتذمرهم و سلطة المشايخ وتمرد العربان، أو الخارجية منها والتي لها تعلق بخريطة السياسية العالمية والنزاع بين إنجلترا وفرنسا وموقع الباب العالي في هذا الصراع، ونلاحظ أن شكري في هذا الجزء تحديدًا المتعلق بالتحديات الخارجية يعتمد على كلام الوكلاء والقناصل الأوروبيين؛ نظرًا لفقر تاريخ الجبرتي حول تلك الأمور التي لم تُكشف إلا بإتاحة الوثائق بعد ذلك .
الحقيقة أن محمد علي باشا رجل سياسة من طراز رفيع مهما اختلفت معه أيديولوجيا، لكن تظل هذه الحقيقة أقرب للموضوعية، فشكري يركّز في بداية الكتاب على كيفية معاملة محمد علي باشا لإنجلترا وفرنسا، واللعب على ذلك الخيط الرفيع بين العدوتين اللدودتين، وكيف أن الباشا كان حريصًا على أن تسود العلاقات الودية بينه وبين إنجلترا؛ عن طريق تصدير الغلال لهم والحصول على المال الذي يفتقر إليه لتطويع الجند، وفي نفس الوقت كان من الدهاء بحيث يمد جسوره في نفس الوقت مع فرنسا عن طريق وكلاءهم في مصر مثل دروڨتي.
ورغم اعتراض الوكلاء الفرنسيين على تصدير محمد علي الغلال إلى إنجلترا، وكذا اعتراض الباب العالي، إلا أن الباشا لم يتوقف؛ لحاجته الشديدة إلى المال، وهو ما لم يغب عن دروڨتي الذي كتب بذلك إلى حكومته، ورغم حرص الإنجليز والفرنسيين على صداقة الباشا، إلا أنهما رفضا مشروع استقلال محمد علي الذي عرض خدماته على بريطانيا بكل وضوح، ويشرح شكري أسباب هذا الرفض؛ فبريطانيا لم تكن مطمئنة إلى الباشا وأهدافه، كما كانت لا تريد معاداة الباب العالي في ذلك الوقت، أما فرنسا فقد رفضت مشروعه لطمع نابليون نفسه في معاودة احتلال مصر.
لم يكن أمام محمد علي سوى الباب العالي، الذي وعده بالباشوية الوراثية في حال قضاءه على الوهابيين بالحجاز، وتلك كانت مشكلة محمد علي، مشكلة المال اللازم لذلك، ومشكلة القلق الداخلي الذي يسببه المماليك في مصر، وتلك كانت حجة الباشا أمام الباب العالي للمماطلة كما يقول شكري، ومن هنا يبدأ الكتاب في رصد أليات محمد علي باشا في الانفراد بالسلطة حتى يستتب له الأمر ويحارب الوهابيين ويحصل على الملك الوراثي، هذه الأليات التي شملت الكتاب كله تقريبًا يُمكن إجمالها في: تطويع الجند والعربان وإقصاء المشايخ والقضاء على المماليك، وبالتأمل نجد مشكلة المال لها تعلق بهذه الثلاثة عوامل، فالعلوفات " الرواتب" المتأخرة كانت سببًا لتمرد الجند لدرجة وصلت لمحاصرة بيت الباشا نفسه ومحاولة قتله، وتمرد المشايخ بسبب محاولة الباشا الاستيلاء على الأوقاف وهي من مصادر امتيازاتهم، وكذا فإن تمرد المماليك في الصعيد وعزلهم خراج الصعيد عن القاهرة أوقع الباشا في أزمات مالية.
هذه هي الأعمدة الأساسية لهذا الجزء من الثلاثية، وما سيتفرّع عن هذه الأعمدة من أحداث، فالمسألة الأولى وهي تطويع الجند كان لابد منها لسببين: مقاومة أخطار غزو مصر بواسطة فرنسا، ولإرسالهم لقتال الوهابيين، فتم التطويع عن طريق دفع علوفاتهم بفرض الضرائب الباهظة على المصريين، وإعدام قادة الأرناؤوط من محرضي العصيان، وتوزيع الأرناؤوط على أماكن متفرقة خارج القاهرة، ومحاربة العربان مثل عربان أولاد علي من مثيري الشغب، فحاجة محمد علي لتطويع الجند ألزمته بفرض إتاوات كثيرة دفعت الأهالي أنفسهم للسُلفَة من الجند بفائدة 8٪ في الشهر؛ مما عمل على هروب الأهالي المتعسرين وهجرهم للأراضي، وهنا تدخل الباشا لقليل سعر الفائدة، ونزل والي الشرطية للمناداة بذلك، مما جعل الجبرتي يتعجب ويقول أنه أصبح يُنادى على الربا جهارًا من غير احتشام.
سيعرض الكتاب لأساليب الباشا المالية التي اتسمت بمص دم الأهالي فعليًا، ويمكن تلخيصها في جملة واحدة قالها شكري وهي " وكثر التفنن في أساليب طلب المال"، ومن هنا جاءت المسألة الثانية وهي مشكلة الصدام مع المشايخ الذين استفادوا فعليًا من إجراءات محمد علي باشا التي عُرفت بإسم " مسموح المشايخ"، فقد كانوا من الملتزمين أصحاب الأراضي، ويصفهم شكري تبعًا للجبرتي بأنهم كانوا متكالبين على الدنيا، لا يبغون من وساطتهم للعامة لدى السلطات إلا تعزيز مكانتهم، وهنا سيتكلم بالتفصيل عن معارضة عمر مكرم للباشا وأسبابها ودوافعها، ويرى شكري بعد سرد تاريخ عمر مكرم أن الرجل كانت تحركه مصالحه الشخصية منذ عصر الفوضى إلى مساهمته في صعود الباشا للحكم، فهو يقول أن مسلك عمر مكرم في جميع الحوادث كان متشكلًا بما تمليه الرغبة في انتهاز الفرص والدوران مع الريح، لكن يبدو أن انفراد محمد على باشا بالحكم دونه وعدم الرجوع إليه بالمشورة كما كان الاتفاق بينهما، هو السبب الأساس للجفوة بينهما، وإن بدا ظاهرًا أن الأمر يتعلق بسياسية الباشا المالية وتذمر الأهالي ومشاركة الباشا للملتزمين في فائضهم، وفرض ضرائب على الأراضي والعقارات الموقوفة.
أهم ما في صدام عمر مكرم والباشا هو بيان أمرين أكد عليهما شكري، الأول هو التحاسد والتباغض بين المشايخ حتى غدروا بعمر مكرم وحنثهم بالقسم الذي أقسموه لعمر مكرم، ويأتي على رأس هؤلاء ممن غدر بعمر مكرم الشيخين محمد الدواخلي و محمد المهدي، والأمر الثاني هو تقدير محمد على لعمر مكرم، وأنه ما أراد به سوءًا، وأن عمر مكرم هو الذي ألجأ الباشا لهذا الإجراء التعسفي في حقه، على كل حال انتهى عمر مكرم وصعد المشايخ المداهنين الذين أطلق عليهم الجبرتي " مشايخ الوقت".
في المسألة الثالثة التي عالجها الكتاب وهي مسألة القضاء على المماليك، يحاجج شكري أن فكرة الخلاص من المماليك في مذبحة القلعة لم تكن فكرة مبيَّتة لدى الباشا منذ زمن كما ادعت بعض الكتابات، بل يسرد شكري تاريخ الصراع بين الباشا والمماليك من أجل إثبات أن الباشا ولأكثر من مرة أراد استمالة المماليك، ودمجهم في جيشه واقطاع زعماءهم الاقطاعات مقابل تأدية الالتزام والولاء، ويعرض لنكث المماليك مثل إبراهيم الكبير وشاهين الألفي وغيرهم لعهود ومواثيق الباشا أكثر من مرة ( ثلاث مرات)، بل وتأمروا على قتله، وراسل بعضهم مثل شاهين الألفي الإنجليز يستعديهم ويطلب منهم المدد لمواجهة الباشا، كما وضع نفسه تحت خدمة الإنجليز، حتى أولئك المماليك المستأمنين في القاهرة تأمروا على الباشا، بالقطع لا يقدم شكري تبريرًا أخلاقيًا للمذبحة، بل يُقدم تحليلًا تاريخيًا لدوافع محمد علي لهذا العمل المروِّع.
كالعادة شكري أبدع في التحليل الذي جاء قويًا وموضوعيًا بشكل كبير، كما قدّم تحليلًا ممتازًا لطبيعة الكتابة النقدية التي كتبها الجبرتي ضد محمد علي، كما حاول إكمال الصورة التاريخية عن طريق مراسلات الوكلاء الأجانب مع حكوماتهم وتحليلهم لأفعال محمد على باشا وإجراءاته في مصر، ولاشك أن هذه الثلاثية من أهم الكتب التي كُتبت عن الفترة من 1801- 18011 .
ثلاثية عظيمة تخلص دورنا رحى الحرب بين الشركاء متشاكسون على تخت قلعة جبل المقطم (الباب العالي / البكوات / الباشي بزوك "محمد علي" / إنجلترا /فرنسا)
محمد علي قصة صعود طَغام لكرسي البشواية بالنجش وصفقة الشجرة المحرمة يعد سفر د. محمد فؤاد شكري من عيون ما أُرخ لهذه الحقبة فهو على درجة علية من الإطلاع بالتربيد الأفرنجي ويسرد الخطب بإطناب فذ فيه صحيح البيان رشيق الكلام جزل العبارات رحلة كلما حدقت بالكتاب إزدت تبصرًا بالحقيقة