لايكاد المرء يشرع فى قراءة أحد مؤلفات أستاذنا الدكتور محمد غلاب حتى يجد نفسه فى مواجهة عملاق فذ من عمالقة الفكر العظام الذين لم يظفروا بما ينبغى لهم من الذيوع والشهرة , فالأستاذ لم يكن يحسن الدعاية لنفسه ولم يكن له من التلاميذ من يذيعون اسمه , كما انه لم يشارك فى ميدان السياسة بدور يجعله من فرسانها المعروفين لدى الجماهير , يضاف الى ذلك أن الأستاذ كان فيلسوفاً فى كثير من مؤلفاته , والفلسفة غالبا ما تغرى صاحبها بالعكوف فى دائرة ضيقة , راضياً باللذة الذاتية فى المطالعة والنقد والتمحيص.
على أن الانتاج الغزير المتشعب والخصب للأستاذ الفيلسوف لم يقف عند مجال الفلسفة وحدها بل تعداه الى مجالات أخرى تصعب الاحاطة بها جميعا لتنوع موضوعاتها وغرازه مادتها العلمية , ويحار المرء حين يريد أن يركز الضوء على بعض الميادين التى خاض فيها أستاذنا الراحل فى دقة ورصانة , وبأسلوب فذ فريد يجمع بين الدقة الأزهرية فى التمحيص والتحليل وبين الشمول والاتساع الثقافى المستوعب للتراث الغربى الحديث استيعاباً نادراً , وبين النظرة المتفتحة الناقدة التى لا تسلم بالقضايا على عواهنها .
الدكتور محمد غلاب أستاذ الفلسفه بجامعة الأزهر المولود فى أوائل القرن العشرين، واسع الاطلاع فى جميع الفنون بصيراً كل البصر – على الرغم مما لحق ببصره من علة – متقنا لعلوم الأزهر التراثية، ولكنه أراد أن يجمع اليها كل علوم عصره وفنونه، فتعلم اللغة الفرنسية، والتحق بالجامعة المصرية القديمة، ونال الدبلوم العالى بمدرسة الحقوق الفرنسية، ولم يكتف بهذا كله، بل رحل الى جامعة لبون بفرنسا، وقد نال فيها درجة الدكتوراة مع مرتبة الشرف، وقد كانت رحلة حياة الدكتور طه حسين وجهوده العلمية حافزا للدكتور غلاب على بذل مزيد من الجهد، ولقد كان الدكتور غلاب يعترف له (أى الاستاذ الدكتور طه حسين بهذه المزية) فأهدى اليه أحد كتبه عام ١٩٥٧ وهو (كتاب الفكر الأوربى فى القرن الثانى عشر) قائلاً: إلى عميد الادب العربى، ورافع لواء الثقافة الناطقة بالضاد، أهدى هذا الكتاب كأحدى ثمرات اختياره المستنير الموفق الذى سيتيح للشرق فرصة الالمام بالحركة الفكرية الشاملة التى كونت العقلية الغربية الحديثة، وأرجو أن يكون فى هذا اعتراف ببعض فضله وتسجيل لشىء من أياديه البيضاء على العلم والأدب.
على أن الانتاج الغزير المتشعب والخصب للأستاذ الفيلسوف لم يقف عند مجال الفلسفة وحدها بل تعداه الى مجالات أخرى تصعب الاحاطة بها جميعا لتنوع موضوعاتها وغرازه مادتها العلمية، ويحار المرء حين يريد أن يركز الضوء على بعض الميادين التى خاض فيها أستاذنا الراحل فى دقة ورصانة، وبأسلوب فذ فريد يجمع بين الدقة الأزهرية فى التمحيص والتحليل وبين الشمول والاتساع الثقافى المستوعب للتراث الغربى الحديث استيعاباً نادراً، وبين النظرة المتفتحة الناقدة التى لا تسلم بالقضايا على عواهنها.
ولكى تكون الأجيال الأزهرية اللاحقة على معرفة بالنتاج الفكرى لأستاذنا الراحل فأنه يصبح ضرورياً إيراد مؤلفاته الزاخرة، والتى بلغت نحو خمسة وخمسين مؤلفا، ما بين كتاب مؤلف باللغة العربية أو ترجمات لكتب ألفت بلغات أخرى نورد بعضاً منها:
بالإضافة إلى نحو مائة بحث نشرت فى مجلة الأزهر، وإلى نيف وخمسين بحثاً فى مجلتى الرسالة والسياسة الأسبوعيتين، والمشرق اللبنانى، والحديث بحلب، والنهضة الفكرية ومنبر الشرق ومصر الفتاة وغيرها ولكن من الضرورى أن نلقى الضوء على بعض المجالات العامة التى تناولها الأستاذ فى تلك المؤلفات والمقالات :-
أولاً:- الفلسفة العامة والاغريقية والاسلامية: وفى هذا المجال تندرج كتب الفلسفة الشرقية، والفلسفة الأغريقية (جزءان) ومشكلة الألوهية، وفلسفة الاسلام فى الغرب، والمذاهب الفلسفية العظمى فى العصور الحديثة - الفلسفة المسيحية فى الشرق والغرب – الفلسفة التجريبية و تيارات الفكر الفلسفى الفرنسى وتاريخ الفلسفة لبرهييه- مترجم.
ثانياً:- فى الأدب العالمى: الأدب الهيلينى (ثلاثة أجزاء) (الفكر الأوربى فى القرن الثامن عشر) من منتسيكيو الى ليسنج –جزءان – أدباء الرومانتكية الفرنسية .
ثالثاُ: الاسلاميات:- من كنوز الاسلام – التصوف المقارن – الكلام والمتكلمون – هذا هو الاسلام – الاسلام والمستشرقون.
" لو فرضنا المعارف البشرية كائنا حيا كانت العلوم الطبيعية والرياضية جسمه المادي، وكانت الفلسفة منه بمثابة النفس التي هي منبع حياته، وموضع عقله، ومناط خلقه"
اهم ما يحاول هذا الكتاب توضيحه هو اصل الفلسفة، حيث يدعي المؤلف د. محمد غلاب أن أصل الفلسفة هو الشرق، ويسوق بعض الحجج لتدعيم ادعائه ، حيث يذكر أن بعض العلماء يرون وجوب تسمية النظر الشرقي فلسفة لأن الاستعداد الديني لا يفقده قيمته، كما أن خصوم هذا الرأي لم ينكرو اسم فلسفة على منتجات فلاسفة أوربا في القرون الوسطى التي أسس أو استمدت منها تعاليم الكنيسة المسيحية. إن ما يدعية المؤلف لا يختلف نهائيا عما يدعيه الغربيون حول اصل الفلسفة، ذلك لأنهم يتعاملون معها كمنتج يجب أن يكون قد ظهر في مكان وزمان محددين وعلى يدِ شخص أو جماعة معينين، لتبدأ بعد ذلك كل جماعة بمحاولة إثبات انهم أصحاب الفضل على البشرية ولولاهم لَظل العالم في ظلماء إلى ما شاء الله له ذلك. المشكلة تكمن في اصل وجهة النظر هذه - اي التعامل مع الفلسفة كمنتج -، اعتقد ان الحل هو النظر الى الفلسفة كطريقة تفكير وليس كمنتج، وبما ان الانسان كان مفكراً منذ ظهور اول إنسان عاقل على وجه الأرض - سواء كان هذا الإنسان الأول هو آدم كما في الاديان السماوية أو غير ذلك كما في نظرية التطور -، وحيث لم يكن هناك إنتمائات طائفية أو عرقية أو قومية أو دينية أو غيرها، كانت الفلسفة تبعاً لذلك تابعة للبشرية جمعاء، وليس لأي لجماعة الفضل على بقية الجماعات.
لن تجد الكثير من الكتب كهذا الكتاب ان كان الأمر يختص بالفلسفات الشرقيه أو قل أفكار تلك الحضارات ومعتقداتها الرئيسيه ذلك أن امتزاج الفلسفة والدين والعادات يصعب مهمة الكاتب ويزيد من دائرته البحثية خاصة مع ضعف المصادر وصعوبة الوصول إليها يستعرض في الكتاب فكر الفراعنة و الصينيون والعبريون والفرس و غيرهم بشكل رائع يكسبك شعورا قويا بأنك تعرف عنهم جيدا فور انهائك لكتابه أيضا وبشكل ممتاز يستدعي بعض النصوص كي يقاربك من روح ذلك الفكر مع إيجاز غير مخل في توضيح تلك الأفكار أنصح بهذا الكتاب جدا فهو من أهم الكتب من حيث موضوعه ووضعه