كان قد بلغ الدور الرابع عندما تذكر عطر النساء المتضارب الذي بدأ يختفي مع رائحة الدخان والعرق ولم يعد يفج إلا من مواد المكياج وكانت أحاديث النساء تتكرر في أذنه كما هي دائماً: يجنن.. القماش ده من برة طبعاً.. بقى لنا أد إيه.. مشفنكوش..إيه يعني تقل؟ ..والله.. والله العظيم.. أنا ما قلت له حاجة.. ولا جبت له سيرة. أعملي معروف خليه يسفرنا سوا.. يعني هي اللي صغيرة.. علي لسه ماكتبش عن الرواية ليه يا صفية عملنا ديك.. وكبة نية.. ومحشي.. ده شرب شرب وقال كلام.. وعندما يدخل ويتحول الكلام مباشرة إلى إنجازاتهم ينصرف كله إلى ما يفعلونه لتثقيف الجماهير كأن معنى أنهم يقدمون شيئاً للجماهير وأنهم يقصدونهم أساساً بكل ما يعملون أو يقولون هو المعنى السائد والقيمة العليا. كانت روحه تتقبض في داخله غضبا واستهجاناً وهو يسمعهم يرددون له كيف أصبح الناس البسطاء والفلاحون قادرين على أن يتحدثوا عن الوحدة العربية وعن دور إسرائيل الاستعماري وعن التخطيط، وكيف أنهم شاهدوا أفلاماً عرضت في "كان" وأنهم استمعوا إلى برودين وقاموا بعد ذلك برقصات شعبية من البلد نفسه. كانوا يتحدثون وكأنهم قد أرسلوا تياراً من الكهرباء في أجساد هؤلاء البسطاء وأنهم أصبحوا يتحركون ويلعبون تماماً كما هو متوقع. وما أبشع ما كانوا يقولونه عن الفلكلور وما يصنعونه بالمواويل وحكايات ألف ليلة وليلة. كانوا وكأنهم موكولون بإفساد كل شيء واللعب في كل عروق وخلايا الناس حتى لا تبقى ذرة من أجسامهم لم تتشبع. وعندما يعودون من القرى أو المراكز ومن احتفالات المحافظين يكتبون التقارير، بعضها سرى وبعضها إحصائي وبعضها يستحيل إلى مقالات تفلسف الحركة وتضع المبادئ وكلها إصرار على الاشتراكية وعلى ثقافة المستقبل التي ستغمر البلد كما يغمرها نور السد.
ولد بدر الديب (بدر الديب حب الله الديب) العام 1926 بجزيرة بدران بالقاهرة، وتخرج في قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة القاهرة العام 1946، ودرس لمدة عام علم الجمال في جامعة السوربون علي يد ايتيين سوريو العام 1948، ودرس في جامعة كولومبيا مدرسة المكتبات، وحصل على درجة الماجستير في علوم المكتبات 1953، ودرجة مهنية للتأهيل للدكتوراه في علوم المكتبات يناير 1960، وقد تولى العديد من المواقع الثقافية المهمة مصرياً وعربياً ودولياً منها خبير اليونسكو في التوثيق التربوي وخبير للأمم المتحدة، وأستاذ غير متفرغ لتدريس تاريخ المسرح والنقد المسرحي بمعهد الفنون المسرحية، ورأس تحرير جريدة المساء القاهرية بين عامي 1967 و1986، أما دراساته وكتاباته الإبداعية وترجماته وتحقيقاته التراثية فهي كثيرة ومتعددة، فمن أعماله الروائية (أوراق زمردة أيوب) و(حديث شخصي) و(إجازة تفرغ) و(إعادة حكاية حاسب كريم الدين وملكة الحيات)، وفي الشعر له (حرف ال ح) و(إعادة حرف ال ح)، وفي المسرح له (الدم والانفصال) و(مرجريت امرأة غريبة)، وفي الترجمة له (الموت والوجود) لجيمس ب .كارس، و(تاريخ علم الجمال) لجلبرت وكون، وفي الدراسات له ثلاثة مجلدات من المقالات النقدية والدراسات المنشورة في الجرائد والمجلات المتخصصة، وله ترجمات لمسرحيات لشكسبير ووليم سارويان وتشكوف وكوفمان، هذا فضلاً عن تحقيقاته التراثية مثل (طبقات بن سعد) و(خطط المقريزي) و(رحلة أبي جبير).