هم يريدون أن يعيشوا الحياة التي اعتادوها، لا يريدون مقبرة للأحياء،كما يقول قاسم صدقة، تذوب فيها معاني الفرحة والبهجة.. فطقوس السعادة التي اعتادوها في قراهم هي الوحيدة التي تُخرجهم من معاناتهم اليومية، يهربون بها من جحيم المعاناة والفقر المستمر إلى واقع من الفرح الذي يتكاتفون في صناعته بالفطرة التي فطر الله الناس عليها، لا بالتنطع في الدين واغتيال الفرح حتى لدى الصغار.
يقولون إن بئر السيد، التي كانت مزارًا للقاءات والابتسامات ومقصدًا للباحثين عن الزواج وطقوس الحياة الجميلة، أصبحت اليوم رمزًا للقسوة، ولم يَعُد يقصدها إلا الرعاة وعابرو السبيل... ذات يوم سقطت فيها جارية من جواري الشيخ جبران فلم ينقذها أحد، إذ اختلف الجميع في مَن يكون محْرمًا لها ليستطيع النزوللإنقاذها، وتوسَّعت دائرة الخلاف حتى فارقت الجارية الحياة. ظلَّت وقتًا في البئر بعد موتها ليتطوَّع أحد الرعاة لإخراجها بعد أن أفتى له الغريب بذلك.
"هم يريدون أن يعيشوا الحياة التي اعتادوها، لا يريدون مقبرة للأحياء"
هذه الرواية كانت تستحق بحثي عنها لفترة طويلة قبل أن أجدها في معرض الرياض بنسخة بانت عليها آثار الزمن، رواية كانت مفاجأة بالنسبة لي، قرأت المقدمة ثم خلال ساعات أجدني في الصفحات الأخيرة منها. لم أكن أعرف عنها إلا أنها تتحدث عن أحد القرى في جازان، وهذا السبب كان كفيل بأن تكون ضمن قائمتي.
"ستغيب الأماني التي رسمت على الجباه للقاء الغد، ويبتعد الناس مسافات تحرمهم رؤية بعضهم البعض، والمساحات الفسيحة في القلوب تصبح أكثر ضيقًا.. ويتقلص كل شيء جميل حتى يختفي عن أبصاركم"