في حلول الذكرى الخمسين لحركة 23 يوليو (1952-2002) منعطف تاريخي جدير بالتوقف والمراجعة لرصد هذه التجربة المتميزة والمضنية في الوقت ذاته التي جمعت في نفوس العرب بين نبضات الحب وغصات التساؤل، والتي ينبغي، إذا أردنا الاستفادة منها، ألا يكون الحب فيها مانعاً للأسئلة والمراجعة والنقد. فالتحرر الذي نادت به الناصرية، كان ينبغي أن يكون تحريراً للمواطن والمجتمع من أجهزة السلطة وفسادهما في المقام الأول وألا يقتصر على التحرر من الاستعمار الخارجي، واستبدال تسلط داخلي بتسلط داخلي آخر.
هذا أول الدروس وأهمها في "نقد" الناصرية الذي لا بد منه لجيل عربي أرادت الناصرية "تحريره". أما الدرس الموازي والذي لا يقل أهمية فإنه كما انتقد النظام الملكي الدستوري في مصر إرادة الإصلاح الجدي من أجل البقاء والتطور، فإن النظام الثوري الناصري، بمراكز قواه المتسلطة التي صادرت إرادة القائد والجماهير معاً، قد عجز هو الآخر عن "إصلاح" ذاته من الداخل وترك مصيره النهائي يتقرب حسب مصالح تلك المراكز الفاسدة. وتلك مسؤولية تاريخية يتحملها القائد. والتقدير لذكراه ينبغي ألا يحجب هذه الحقيقة، لأنه من الأهمية بمكان أن يعيها كل قائد عربي مخلص، وكل مواطن عربي، وكل مناضل عربي شريف يأبى الانضمام إلى زمرة الفاسدين والمتسلطين ممن يجلبون الخراب والدمار في النهاية للأنظمة التي يتظاهرون بخدمتها ويبيعونها الولاء المغشوش ثم يبيعونها كلها بأبخس الأثمان. ومما يجدر بالتسجيل في هذا الموقف التاريخي، أن هذه اللحظة العربية الراهنة تشهد تزامناً بين الذكرى الخمسين للثورة واستعادة لافتة للوعي الديموقراطي العربي في كثير من الأقطار العربية، ولتضافر العوامل الداخلية والدولية. وعليه فينبغي أن يكون مغزى هذا التزامن ليس مجرد التحسر على غياب "البطل" القومي في غمرة هذا التراجع الكبير، وإنما النظرة التاريخية الشاملة لما قبل ثورة يوليو وما بعدها. السؤال الكبير: لماذا سقط النظام الملكي البرلماني الدستوري وغابت معه تجربته الديموقراطية المأسوف عليها في يومنا، ولماذا سيطر التيار السلطوي الشعبوي الثوري وحقق إنجازات... ثم لم يلبث أن انحسر؟
ضمن هذه المقاربة تأتي مراجعات محمد جابر الأنصاري حول الناصرية بمنظور نقدي. وهي مراجعات متباينة زماناً ومنهاجاً وعمرها من عمر حركة 23 يوليو/تموز ومجراها العميق في الواقع العربي على امتداد خمسين عاماً. وهي مراجعات لن تنجو من جدلية الاختلاف عند محبي عبد الناصر وعند خصومه. سيجد خصوم عبد الناصر في بعض هذه المراجعات تعاطفاً معه وتحيزاً إليه، وسيجد محبوه في بعضها الآخر تحاملاً عليه وتحيزاً ضده، إلا أن منهجية البحث عن الحقيقة حتمت ذلك، بعد الحصاد المر، وتكشّف محصلة التجربة. ويقول صاحب هذه المراجعات بأنها لا تطمح إلى الخروج من دائرة ذلك القدر؛ فهي أوراق تناثرت، وتوزعت، وربما انشطرت، على امتداد العمر وتراكم التجربة، بين قلب يقبل وعقل يسأل. بين قلب يقبل عندما قال الرجل واثقاً: ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد.. وبين عقل يسال عندما قال الرجل مطأطئاً: انتظرناهم من الشرق فجاؤونا من الغرب لكن المراجعات تلك، وفي كل الأحوال، لا تصدر عن حقد أو شماتة، كما لا تصدر عن تعصب أو مكابرة.
وسيجد القارئ نفسه أمام مجموعة من المراجعات تبحث من زاوية نقدية إشكاليات الظاهرة الناصرية، والدروس المستخلصة من تجربتها لرفد المشروع السياسي والحضاري العربي الإسلامي الجديد. فضلاً عن كون هذه المجموعة، من جانب آخر، تمثل تجربة الجابري الفكرية الخاصة في الناصرية من مختلف جوانب هذه التجربة أراد اطلاع القارئ عليها.
الدكتور محمد جابر الأنصاري المستشار الثقافي للعاهل البحريني. كاتب ومفكر بحريني، أستاذ دراسات الحضارة الإسلامية والفكر المعاصر، وعميد كلية الدراسات العليا في جامعة الخليج في البحرين وعضو المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون في البحرين.
ولد في البحرين عام 1939، تعلم في البحرين الي انهائة لدراستة الثانويه من بعدها انتقل للتعلم في الجامعة الأمريكية في بيروت حتي نال منها:
* بكالوريوس آداب عام 1963م * ماجستير في الأدب الأندلسي عام 1966م * الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية الحديثة والمعاصرة عام 1979م
بالإضافة لذلك تابع تعليمه وحضوره للدورات الدراسيه في عدد من الجامعات المرموقه في العالم ك جامعة كامبردج. في عام 1982 توجه الي فرنسا لدراسة الثقافة الفرنسيه في جامعة السوربون بباريس. وحين وفاته كان يعمل في منصب: مستشار جلالة الملك للشؤون الثقافية والعلمية في مملكة البحرين
مرت 54 سنة على وفاة سيد الرجال وآخرهم، جمال عبد الناصر، وفي نفس اليوم الأسود الذي مرّ على الوطن العربي، رحل أيضًا سيد المقاومة حسن نصر الله. كلما قرأت كتبًا عن نقد الناصرية، ازددت إعجابًا بشخصية جمال عبد الناصر. يحاول الكتاب أن يقدم تصويرًا سريعًا للبيئة التي نشأت فيها الناصرية، حيث كانت الليبرالية الديمقراطية عاجزة عن تحقيق أي شيء يتعلق بالاستقلال والعدالة الاجتماعية، إضافة إلى المؤثرات الاجتماعية والرومانسية التي تأثرت بها شخصية جمال عبد الناصر المعقدة، المليئة بالمنعطفات والتحولات.
يمكن القول إن جمال عبد الناصر حاول التوفيق بين مختلف القوى في المجتمع المصري، محاولًا تجنب دفعه إلى صراع اجتماعي دموي، وهو ما نتج عن هذه التحولات والمناداة الاجتماعية بعد ظهور تيارات راديكالية حقيقية مثل الإخوان المسلمين، ومصر الفتاة، والشيوعيين. القول بأن عبد الناصر كان جلادًا وطاغية هو اختصار مخل لظاهرة معقدة، لا جدال في أنها – في الحكم النهائي عليها – واحدة من أكثر الظواهر إيجابية في التاريخ العربي الحديث. لكن المبالغة في سمة واحدة من سمات هذه الظاهرة قد تكون غير عادلة.
دائمًا كان نقد الناصرية يتمحور حول أنها أخذت موقفًا توافقيًا وسطيًا في الصراع الاجتماعي، فلا هي يسارية حقيقية ولا هي يمينية. وإنما حاولت أن تحقق مكتسبات اجتماعية حقيقية للجماهير دون إثارة فوضى الصدام الطبقي التي كان ينادي بها الماركسيون. ورغم الثورة الاشتراكية التي حاول ناصر تفعيلها بعد موجة التأميمات في عام 1961، وفشل الوحدة العربية الأولى بسبب دور البرجوازية السورية، فإن تلك المحاولة جاءت متأخرة جدًا وغير مكتملة، بسبب غياب حزب اشتراكي حقيقي ووجود وعي طبقي ضعيف على أساس حزبي، نتيجة لتضييق العمل السياسي وحصره في الاتحاد الاشتراكي.
ثم جاءت نكسة 67 لتعلن فشل التجربة بالكامل. كان ناصر على وعي حقيقي بأن الوطن العربي كان يعاني من تخلف عميق اجتماعيًا وصناعيًا واقتصاديًا، وهو ما كان يفتقده لقيام حرب عسكرية حديثة مع كيان استيطاني معقد مثل إسرائيل. لذلك، كان هم ناصر الأساسي هو تجنب مواجهة مباشرة مع إسرائيل دون استكمال نهضة صناعية عربية حقيقية، مع تأمين توافق اقتصادي يمكن الدول العربية من خوض حرب من هذا النوع.
ما زال الوطن العربي يعيش على ذكرى ناصر، سواء في الشتائم ضده أو في التشبه به.
هذا أول كتاب أقرؤه للمؤلف، الكتاب جيد ويبدو أنه مقالات أو مسائل كتبت مفرقة، فيه تحليل من قلب التجربة وذكر لمكونات ومؤثرات مفيدة و مقنعة لهذه التجرية وليست بالشرط صحيحة صحة كاملة ولكنها متماسكة على الأقل، متحمس لقراءة كتب أخرى للمؤلف خاصة صراع الأضداد. بقي أن أشير إلى سوء الكتاب وكثرة الأخطاء وفي آخر الكتاب صفحات كاملة مطموسة.