قبل عقدين من الزمان، نشر حسن حنفي البيان النظري للجبهة الثانية من مشروعه الفكري الذي يبين فيه الموقف العربي-الإسلامي من الغرب. و به ينشأ علما يسميه علم الاستغراب. علم الاستغراب هو ردة النظر تجاه علم الاستشراق و موجة التغريب. من أجل تنوير العلاقة بين الحضارة الإسلامية و الحضارة الغربية، و وضع مكانة الحضارة الغربية في مكانها التي لا تتعدى أن تكون تاريخا يتعلق بخصوصية ثقافية و جغرافية و ليست حضارة إنسانية شاملة. و تنوير هذه العلاقة يجعل الغرب موضوع دراسة لا دراسة موضوع، و علاقة نقد بعد فهم و استيعاب.
يتكون علم الاستغراب من خمس مواضيع رئيسية، أولها مقدمة تبّين دوافع و أهداف و نتائج العلم، من تخصيص بلا تعميم، و تقييد بلا إطلاق، تتنتج تنوير قبل تثوير.
ثم ثلاث مواضيع هي أساس علم الاستغراب. أولها مصادر الوعي الأوروبي المختلفة و المتنوعة، و ليست فقط التاريخ و الفكر اليوناني و الروماني، مع فترة الإصلاح الديني التي تشكل بداية الوعي الأوروبي. و ثانيها تاريخ الوعي الأوروبي من نهاية البداية من ديكارت حتى نهاية النهاية عند فلاسفة العدمية عند دريدا. و ثالثها بنية الوعي الأوروبي من قطيعة معرفية و تنظير عقلي و توالد مذاهب.
و آخر و خامس موضوع يتناوله حسن حنفي في علم الاستغراب: مصير الوعي الأوروبي يتنبأ فيه ببزوغ حضارة الأنا، و انحسار حضارة الآخر بناء على مجموعة عوامل فكرية و واقعية.
يتميز هذا الكتاب بالجمع النظري الشامل لأهم ما كتب في الفلسفة الغربية، أو الوعي الأوروبي كما يسميها حنفي، و تجد أنه يذكر عددا كبيرا من الفلاسفة تحت كل تيار يعرضه.
قرأت كل الكتاب ما عدى فصل المصادر و الإصلاح الديني، و ركزت على سرده من ديكارت لدريدا. و بإمكاني القول أن حنفي كان ينظر للوعي الأوروبي من خلال ثنائية المثال و الواقع، و يحاول ربط كل فيلسوف برأيه في هذه الثنائية، حتى مع فلاسفة القرن العشرين الذين حاولوا تجاوز هذه الثنائية بتركيزهم على اللغة و الوعي. هذا التركيز على الثنائية بسبب أن نظرية المعرفة هي المجال الأكبر الذي يتحدث عنه الفلاسفة جعله يغفل أحيانا عن النظريات الأخلاقية التي بحثت عن عرضه لها في سرده للوعي الأوروبي.
دمج حنفي عرضه لمسار الفلسفة الأوروبية بتحليله الخاص و ربطه في أحيان كثيرة بآراءه في التراث الإسلامي. و قد نوه لذلك في كتابه لأنه لم يكن لديه مجال إلا لفعل ذلك. و أعجبني في نهاية كتابه عندما نقد أكثر من ملحظ آخر كان قد وقع فيه، و به يعترف بأن ما يقدمه به ثغرات، و عنون ذلك المبحث بالنقد الذاتي و كأنه يلمح لأهمية النقد و النذاتي بالخصوص في أي عمل فكري.
كتاب جدير بالقراءة و الإطلاع، و أحيانا يصبح مرجعا لي حول أبرز رواد إحدى تيارات الفلسفة الأوروبية. أظنه سيلازم رف مكتبتي لفترة طويلة.