Muslim theologian and philosopher Abu Hamid al-Ghazali of Persia worked to systematize Sufism, Islamic mysticism, and in The Incoherence of the Philosophers (1095) argued the incompatibility of thought of Plato and Aristotle with Islam.
Born in 1058, Abū Ḥāmid Muḥammad ibn Muḥammad al-Ghazālī ranked of the most prominent and influential Sunni jurists of his origin.
Islamic tradition considers him to be a Mujaddid, a renewer of the faith who, according to the prophetic hadith, appears once every century to restore the faith of the ummah ("the Islamic Community"). His works were so highly acclaimed by his contemporaries that al-Ghazali was awarded the honorific title "Proof of Islam" (Hujjat al-Islam).
Al-Ghazali believed that the Islamic spiritual tradition had become moribund and that the spiritual sciences taught by the first generation of Muslims had been forgotten.[24] That resulted in his writing his magnum opus entitled Ihya 'ulum al-din ("The Revival of the Religious Sciences"). Among his other works, the Tahāfut al-Falāsifa ("Incoherence of the Philosophers") is a significant landmark in the history of philosophy, as it advances the critique of Aristotelian science developed later in 14th-century Europe.
أبو حامد محمد الغزّالي الطوسي النيسابوري الصوفي الشافعي الأشعري، أحد أعلام عصره وأحد أشهر علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري،(450 هـ - 505 هـ / 1058م - 1111م). كان فقيهاً وأصولياً وفيلسوفاً، وكان صوفيّ الطريقةِ، شافعيّ الفقهِ إذ لم يكن للشافعية في آخر عصره مثلَه.، وكان على مذهب الأشاعرة في العقيدة، وقد عُرف كأحد مؤسسي المدرسة الأشعرية في علم الكلام، وأحد أصولها الثلاثة بعد أبي الحسن الأشعري، (وكانوا الباقلاني والجويني والغزّالي) لُقّب الغزالي بألقاب كثيرة في حياته، أشهرها لقب "حجّة الإسلام"، وله أيضاً ألقاب مثل: زين الدين، ومحجّة الدين، والعالم الأوحد، ومفتي الأمّة، وبركة الأنام، وإمام أئمة الدين، وشرف الأئمة. كان له أثرٌ كبيرٌ وبصمةٌ واضحةٌ في عدّة علوم مثل الفلسفة، والفقه الشافعي، وعلم الكلام، والتصوف، والمنطق، وترك عدداَ من الكتب في تلك المجالات.ولد وعاش في طوس، ثم انتقل إلى نيسابور ليلازم أبا المعالي الجويني (الملقّب بإمام الحرمين)، فأخذ عنه معظم العلوم، ولمّا بلغ عمره 34 سنة، رحل إلى بغداد مدرّساً في المدرسة النظامية في عهد الدولة العباسية بطلب من الوزير السلجوقي نظام الملك. في تلك الفترة اشتُهر شهرةً واسعةً، وصار مقصداً لطلاب العلم الشرعي من جميع البلدان، حتى بلغ أنه كان يجلس في مجلسه أكثر من 400 من أفاضل الناس وعلمائهم يستمعون له ويكتبون عنه العلم. وبعد 4 سنوات من التدريس قرر اعتزال الناس والتفرغ للعبادة وتربية نفسه، متأثراً بذلك بالصّوفية وكتبهم، فخرج من بغداد خفيةً في رحلة طويلة بلغت 11 سنة، تنقل خلالها بين دمشق والقدس والخليل ومكة والمدينة المنورة، كتب خلالها كتابه المشهور إحياء علوم الدين كخلاصة لتجربته الروحية، عاد بعدها إلى بلده طوس متخذاً بجوار بيته مدرسةً للفقهاء، وخانقاه (مكان للتعبّد والعزلة) للصوفية.
بسم الله يقسم التأويل، بطبيعة الحال، إلى نوعين؛ مذموم ومقبول فأما الأول فيقصد به تحريف الكلام عن موضعه، كما فعل بعضهم مثلا، بتحريف مقاصد الشرع والآخر، وهو المحمود، يقصد به: " حرف اللفظ عن الاحتمال الراجع إلى الاحتمال المرجوح" حسب تعبير الغزالي والتأويل، بلفظه عند العرب، يقصد به التفسير، كتفسير الطبري وغيره أما التأويل ااذي يرفضه الغزالي فهو الذي يجعل من الشرع أمرا ثانويا لا تقتصر مهمته وقيمته سوى على محاولة التلفيق بين العقل والنقل والذي يرفضه كذلك هو التأويل الذي يجعل من النقل، وفقط، هو محك الفهم ويرفض كذلك محاولة إعطاء الأولوية لأحدهم على الآخر، فيرى هو أن الشرع والعقل متساويان ومتكاملان. يرفض الإمام أن يصبح الشرع لعبة، أو بمعنى أصح، أن يكون شيئا لينا هينا مطواعا بيد المفسرين والمحورين والمحولين فيجب على المتأول أن يأول ما يتعارض فقط مع فطرته وإيمانه وعقله، لا من أجل رضاء الملحدين، لكن لموافقة روح الشرع: (من عندي) لا ظاهره. ويعطينا الغزالي ثلاثة أمثلة، كمثل النص القائل بأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ومثل الميزان الذي توزن به أعمال المؤمنون ومثل الموت الذي يأتي في صورة كبش أملح ففي كل الأمثلة السابقة، إذا أخذنا الأمر علا ظاهره، ستجد أنك تؤمن بسخف. فكيف يجري الشيطان في مجرى ابن آدم مجرى الدم؟ هل هو ممازجة حية؟ وكيف يكون الموت حيا ويقبض الموت؟ وهو العرض الزائل؟ وكيف توزن الأعمال ميزان الأجسام الصلبة؟ كلها أمثلة تبين الحاجة الماسة للتأويل الرسالة جيدة للغاية وإن كانت غير شافية، فهو لم يرتض تأويل مسائل أخرى ورأى الصمت فيها أقوم، وأنا إن كنت أتفق معه، إلا أنني أحب الجرأة والصراحة أكثر على العموم، أفضل من سابقه بالتأكيد عليك السلام أيا إمام
الكتاب عبارة عن رسالة موجزة من الإمام الغزّالي يجيب فيها عن سؤال سائل بخصوص حديث ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) و الحوض والصراط إلخ من الأحاديث والنصوص، كيف تفسر وتقبل؟
أجاب عنه الغزّالي إجابة عامة في قانون مجمل ( قانون التأويل ) فصّل فيه قليلاً، وضرب مثلاً لحديث موت الموت وقال بأنه مؤول "إذ الموت عرض لايؤتى به،إذ الإتيان انتقال ولايجوز ذلك على العرض،ولا يكون له صورة كصورة كبش أملح. إذ الأعراض لا تنقلب أجساماً،ولا يذبح الموت، إذ الذبح فصل الرقبة عن البدن ...؛فإنه عرض أو عدم عند من يرى أنه عدم الحياة؛فإذاً لابد من التأويل" ا
إلا أنه توقف في أحاديث الحوض والصراط وغيرها لأنه كما يقول بحاجة لمعرفة بالحديث وهو -كما يقول عن نفسه- "بضاعتي في الحديث مزجاة" ا
أكثر ما أزعجني هو تعليقات المحقق، الذي لا أدري لماذا تكبد عناء إخراج هذا الكتيب وهو من أول الكتاب إلى أخره يناكد الغزّالي بتعليقاته؟
ملخص كتاب ( قانون التأويل ) للإمام أبي حامد الغزالي سأل أحدهم الإمام الغزالي -رضي الله عنه- سؤالاً طويلًا يتلخص في : معني "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" هل هو ممازجة كالماء بالماء ؟ أم كالإحاطة بالعود أم ماذا ؟ وأخذ يسوق تأويلات كثيرة يأسأل الإمام عن أيها هو الصحيح وسأل عن الجن في حال المصروع هل الجن هو المتكلم أم المصروع؟ وعن إنباءه بالغيب ثم سأل عن معنى البرزخ وكيفيته ؟ثم سأل عن الميزان وعن الموزون هل هو الأعمال أم الصحائف وسأل أسئلة كثيرة على هذا المنوال. أجاب الإمام الغزالي قائلًا: أسئلة أكره الخوض فيها والجواب لأسباب عدة ولكن أذكر قانونًا كلياً ينتفع به في هذا النمط وأقول: بين المعقول والمنقول تصادم في أوَّل النظر، وظاهر الفكر، والخائضون فيه تحزبوا إلى مفرِّط بتجريد النظر إلى المنقول، وإلى مفرِّط بتجريد النظر إلى المعقول، وإلى متوسط طمع في الجمع والتلفيق. وعليه انقسم الناس حول تأيد المعقول والمنقول إلى خمسة فرق : 1- الفرقة الأولى الذين اعتمدوا على النقل رافضين النقل :وهم الذين جردوا النظر إلى المنقول، وهم الواقفون على المنزل الأول من منازل الطريق فهؤلاء صدّقوا بما جاء به النقل تفصيلاً وتأصيلاً، وإذا ووجهوا بإظهار تناقض في ظاهر المنقول، وكُلِّفوا تأويلاً امتنعوا وقالوا: إن الله قادرٌ على كلِّ شيء. وربما لم يتحاشوا أن يقولوا: إنّ كونَ الشخص الواحد في مكانين في حالة واحدة مقدورٌ لله تعالى. 2- الفرقة الثانية الذين اعتمدوا العقل ورفضوا النقل: جرَّدوا النظر إلى المعقول، ولم يكترثوا بالنقل،فإن سمعوا في الشرع ما يوافقهم قبلوه، وإن سمعوا ما يخالف عقولهم زعموا أن ذلك صوَّره الأنبياء لكي يصل إلى عقول العوام فهؤلاء غلوا في المعقول حتى كفروا؛ إذ نسبوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى الكذب؛ لأجل المصلحة. قالأولون قصروا طلباً للسلامة من خطر التأويل والبحث، فنزلوا بساحة الجهل، واطمأنوا بها، إلا أن حال هؤلاء أقرب من حال أولئك اعتمدوا المعقول فقط ولا خلاف بين الأمة أن من جوَّز الكذب على الأنبياء صلوات الله عليهم يجب حزُّ رقبته أي أنه يكفر. 3- ولفرقة الثالثة لم ينكروا النقول ولكن جعلوا العقل أصلا حاكماً على النقل: فجعلوا المعقول أصلاً فطال بحثهم عنه، وضعف عنايتهم بالمنقول فلم تجتمع عندهم الظواهر المتعارضة المتصادمة مع العقل في بادئ النظر وأول الفكر فما سمعوه من الظواهر المخالفة للمعقول جحدوه وأنكروه، وكذّبوا راويَه، إلا ما يتواتر عندهم كالقرآن، أو ما قرب تأويله من ألفاظ الحديث، وما شقّ عليهم تأويله جحدوه حذراً من الإبعاد في التأويل ولا يخفى ما في هذا الرأي من الخطر في رد الأحاديث الصحيحة المنقولة عن الثقات الذين بهم وصل الشرع إلينا. 4- الفرقة الرابعة لم ينكروا المعقول ولكن جعلوا النقل أصلاً : فاجتمع عندهم الظواهر الكثيرة، وتطرفوا من المعقول ولم يغوصوا فيه، فظهر لهم التصادم بين المنقول والظواهر في بعض أطراف المعقولات، ولكن لَمّا لم يكثر خوضهم في المعقول كُفوا مؤنة عظيمة في أكثر التأويلات، إذ لم ينتبهوا للحاجة إلى التأويل. 5- الفرقة الخامسة الذين اعتمدوا على النقل وعلى العقل معًا :وهي الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول، الجاعلة كل واحدٍ منهما أصلاً مهماً، وهم الفرقة المنكرة لتعارض العقل والشرع وكونه حقاً، ومن كذّب العقل فقد كذّب الشرع، إذ بالعقل عُرف صدقُ الشرع، ولولا صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبيّ والمتنبّي، والصادق والكاذب. وكيف يُكذّب العقل بالشرع، وما ثبت الشرع إلا بالعقل؟!!وهؤلاء هم الفرقة المحقة، وقد نهجوا منهجاً قويماً. وقد وضع الغزالي في كتابه قواعدًا للتأويل أو وصايا كما سماها: 1- الوصية الأولى : أن لا يَطمَع في الاطلاع على جميع ذلك -أي جميع التأويلات-، وإلى هذا الغرض كنت أسوق الكلام، فإن ذلك -أي علم جميع التأويلات- في غير مطمع، وليتل قوله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً). ولا ينبغي أن يستبعد استتار بعض هذه الأمور على أكابر العلماء، فضلاً عن المتوسطين، وليعلم أن العالم الذي يدعي الاطلاع على مراد النبي صلى الله عليه وسلم في جميع ذلك فدعواه لقصور عقله لا لوفوره. 2- الوصية الثانية : أن لا يُكذِّب برهان العقل أصلاً، فإن العقل لا يكذب، ولو كذَب العقلُ فلعله كذَب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهد بتزكية المزكي الكاذب؟! والشرع شاهد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع، وإذا لم يكن بدٌّ من تصديق العقل لم يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله، ونفي الصورة. 3- الوصية الثالثة : أن يكفَّ عن تعيين التأويل عند تعارض الاحتمالات، فإن الحكم على مراد الله سبحانه ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم بالظن والتخمين خطر، فإنما تعلم مراد المتكلم بإظهار مراده، فإذا لم يظهر فمن أين تعلم مراده، إلا أن تنحصر وجوه الاحتمالات، ويبطل الجميع إلا واحداً، فيتعين الواحد بالبرهان، ولكن وجوه الاحتمالات في كلام العرب وطرق التوسع فيها كثير، فمتى ينحصر ذلك، فالتوقف في التأويل أسلم، فالتخمين والظن جهلٌ، وقد رخص فيه لضرورة العبادات والأعمال والتعبدات التي لا تدرك بالاجتهاد، وما لا يرتبط به عمل إنما هو من قبيل العلوم المجردة والاعتقادات، فمن أين يتجاسر فيها على الحكم بالظن؟ وأكثر ما قيل في التأويلات ظنونٌ وتخمينات، والعاقل فيه بينَ أن يحكم بالظن، وبين أن يقول: أعلم أن ظاهره غير مراد، إذ فيه تكذيبٌ للعقل، وأما عينُ المراد فلا أدري، ولا حاجة إلى أن أدري، إذ لا يتعلق به عمل ولا سبيل فيه إلى حقيقة الكشف واليقين. ولستُ أرى أن أحكم بالتخمين، وهذا أصوب وأسلم عند كل عاقل. ثم قال : "وبهذه الوصايا يستبين عذري في كراهيتي للجواب عن مثل هذه الأسئلة" أ.هـ وقد أجاب على الأسئلة ولكن قد ذكرنا الغاية من الكتاب والله أعلم
ومن كذب العقل فقد كذب الشرع ، إذ بالعقل عرف صدق الشرع ، ولولا صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبى والمتنبى (الذى يدعو النبوة باطلا) ، والصادق والكاذب .
كتاب بسيط وعادي جدا ما يمكن أن يستفاد منه هو كالتالي أن: -التأويل عند المتأخرين من الفقهاء المتكلمين هو حرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدﻻلة توجب ذلك.... -التأويل في كتاب الله وسنة رسوله هو الحقيقة التي يؤول إليها الكﻻم وليس معناه صرف اللفظ عن ظاهره -العبرة للمعاني لا للألفاظ -ﻻ يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى. -من كذب العقل فقد كذب الشرع،إذ بالعقل عرف صدق الشرع،لوﻻ صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبي والمتنبي والصادق والكاذب،وكيف يكذب العقل بالشرع،وما ثبت الشرع الا بالعقل.. محتوى الكتيب ﻻ يتعدى اﻻ أسئلة بسيطة وكيف ان الاجابة عنها كانت سبيﻻ لعدة زوايا كل منها يجيب حسب ما توصل اليه وفرقهم الى خمسة فرق،كما بين تأويل كل فرقة وانتقل ﻹعطاء بعض الوصايا مشيرا الى تأويله الخاص وكتابه الاخر "عجائب القلب" وبين ما يجب أن يعول عليه من النقل وهذا بطريقة بسيطة جدا منها ما هو مقبول ومنها ما هو مرفوض...
قانون التأويل بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: [سؤال] فقد سئل الإمام الزاهد أبو حامد محمد بن محمد [بن محمد] الغزالي الطوسي رحمه اللّه عن بيان معنى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: إن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم"، هل هو ممازجة كالماء بالماء، أم هو مثل الإحاطة بالعود؟ وهل هو مباشرته للقلوب بتخايل من خارج تنقلها القلوب إلى الحواس فتثبت فيها فيكون منها الوسواس، أم يباشر جوهره جوهر القلوب؟ وهل يمكن جمع بين ما رسمته النبوة من هذا الوصف، ومثله في ترائي الجن لبني آدم في صور الحيوانات، وفي أشكال سواها مختلفة، كترائي الملائكة عليهم الصلاة والسلام للأنبياء في صور بني آدم؟ أم صورتهم على تلك الأمثلة فينكشف الغطاء عنها لمن قدر له رؤيتها، ثم يحدث فيها كثافة جسمانية كما أحدث في الملائكة؟. و هل من سبيل إلى الجمع بين هذا القول من الشرع في الجن والشياطين، وبين قول الفلاسفة إنها أمثلة وعبارة عن الأخلاط الأربعة التي في داخل الأجسام لتدبيرها، أم لا؟ و ما يظهر من المصروعين هل هو كلام الجني الذي يصرعه، أم هو لسان المصروع ببرسام يعتريه من شدة ما يناله منه؟. و كيف إخبارهم بالغوائب التي في القوى ولم تخرج بعد إلى الفعل؟ والطبيعيون يقولون في ذلك ما تعلمه من ثوران خلط السوداء وغلبته فيكون منه ذلك ويسمونهم بخلط الريح، وهل بينهما علة جامعة أم لا؟ و كيف المثل الذي أخبر به النبي صلى اللّه عليه وسلم في إدبار الشيطان عند الأذان وله حصاص؛ هل أريد بذلك المثل كما تقول العرب: مضرط الحجارة، وفلان يحدث من الشدة، أم يتصور في ذلك الوقت جسم يكون عنه الحصاص؟ فإن الشيطان بسيط على علمه لا يتغذى، فكيف يكون منه ما يكون من التغذي؟ وكيف يكون أيضا الروث والعظم لهم غذاء وقد يكون بالشم، والبسيط لا تصح فيه الحواس المركبة؟ و كيف الحقيقة في البرزخ؟ وهل أهله من قبيل أهل الجنة، أم من قبيل أهل النار؟ فليس هناك منزلة تتصور إلا في الجنة والنار، وإن قيل إنه الفصل المشترك المعبر عنه بالسور الذي له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، هل هو صحيح، أم هو غيره؟ و من المستوجب للبرزخ؟ فإن من رجع ميزانه صار إلى الجنة ومن خف ميزانه صار إلى النار، ومن استوى ميزانه كان في المشيئة. فهل هو عبارة عن التوقيف إلى أن تنفذ له الكرامة، أو غلبته الشقاوة؟ و الملائكة هل هم من المنعمين مع بني آدم في الجنة أم في غيرها؟ وهل هم المعبر عنهم بالولدان أم الولدان صنف رابع غير الملائكة، وبني آدم والجن والحور العين نوع خامس، أم كيف هم، وما صفتهم؟. و قد أفصح الكتاب أن عرض الجنة كعرض السماء والأرض، وفي هذا أيضا ما يحتاج إلى النظر أن يكون السماء لها وعاء وظرف، ويزيد عرضها على عرضها. و حوض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هل هو الفوز في أرض الموقف أم في الجنة؟ والذي يظهر من الحديث أن من سبق له الفوز من النار شرب منه في شدائد الموقف قبل الفصل، وقبل الشفاعة؛ وهل ماؤه من الجنة أو غيرها؟ ولا يصح أن يكون من غيرها لقوله صلى اللّه عليه وسلم:" من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا" وهل يكون شيء من الجنة في الأرض؟ وهل لجميع الأنبياء عليهم السلام حياض، أم هو من خصائص نبينا عليه السلام مع الشفاعة؟. فلينعم بالجواب المشروح عن هذه الأسئلة بطريق الاستيفاء، مثابا متطولا إن شاء اللّه تعالى. [الجواب] فقال مجيبا عنها: أسئلة أكره الخوض فيها والجواب، لأسباب عدة؛ لكن إذا تكررت المراجعة أذكر قانونا كليا ينتفع به في هذا النمط وأقول: بين المعقول والمنقول تصادم في أول النظر وظاهر الفكر؛ والخائضون فيه تحزبوا إلى مفرط بتجريد النظر إلى المنقول، وإلى مفرط بتجريد النظر إلى المعقول، وإلى متوسط طمع في الجمع والتلفيق. و المتوسطون انقسموا إلى من جعل المعقول أصلا، والمنقول تابعا، فلم تشتد عنايتهم بالبحث عنه، وإلى من جعل المنقول أصلا، والمعقول تابعا، فلم تشتد عنايتهم بالبحث عنه، وإلى من جعل كل واحد أصلا ويسعى في التأليف والتوفيق بينهما. فهم إذن خمس فرق: الفرقة الأولى: هم الذين جردوا النظر إلى المنقول، وهم الواقفون على المنزل الأول من منازل الطريق القانعون بما سبق إلى أفهامهم من ظاهر المسموع؛ فهؤلاء صدقوا بما جاء به النقل تفصيلا وتأصيلا، وإذا شوفهوا بإظهار تناقض في ظاهر المنقول وكلفوا تأويلا امتنعوا وقالوا: إن اللّه قادر على كل شيء. فإذا قيل لهم مثلا: كيف يرى شخص الشيطان في حالة واحدة في مكانين، وعلى صورتين مختلفتين؟ قالوا: إن ذلك ليس عجبا في قدرة اللّه، فإن اللّه قادر على كل شيء. وربما لم يتحاشوا أن يقولوا: إن كون الشخص الواحد في مكانين في حالة واحدة مقدور لله تعالى. و الفرقة الثانية: تباعدوا عن هؤلاء إلى الطرف الأقصى المقابل لهم، وجردوا النظر إلى المعقول، ولم يكترثوا بالنقل، فإن سمعوا في الشرع ما يوافقهم قبلوه، وإن سمعوا ما يخالف عقولهم زعموا أن ذلك صوره الأنبياء، وأنه يجب عليهم النزول إلى حد العوام، وربما يحتاج أن يذكر الشيء على خلاف ما هو عليه. فكل ما لم يوافق عقولهم حملوه على هذا المحمل. فهؤلاء غلوا في المعقول حتى كفروا، إذ نسبوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى الكذب لأجل المصلحة. و لا خلاف بين الأمة أن من جوز ذلك على الأنبياء صلوات اللّه عليهم يجب حزّ رقبته. وأما الأولون فإنهم قصروا طلبا للسلامة من خطر التأويل والبحث، فنزلوا بساحة الجهل، واطمأنوا بها. إلا أن حال هؤلاء أقرب من حال أولئك، فإن تخلص هؤلاء عن المضايق بقولهم: إن اللّه على كل شيء قدير، ونحن لا نقف على كنه عجائب أمر اللّه؛ ومخلص أولئك بأن قالوا: إن النبي إنما ذكر ما ذكره على خلاف ما علمه للمصلحة. ولا يخفى ما بين المخلصين من الفرق في الخطر والسلامة. و الفرقة الثالثة: جعلوا المعقول أصلا، فطال بحثهم عنه وضعف عنايتهم بالمنقول، فلم تجتمع عندهم الظواهر المتعارضة المتصادمة في بادئ الرأي، وأول الفكر المخالفة للمعقول، فلم يقعوا في غمرة الإشكال؛ لكن ما سمعوه من الظواهر المخالفة للمعقول جحدوه وأنكروه وكذبوا راويه، إلا ما يتواتر عندهم كالقرآن، أو ما قرب تأويله من ألفاظ الحديث؛ وما شق عليهم تأويله جحدوه حذرا من الإبعاد في التأويل، فرأوا التوقف عن القبول أولى من الإبعاد في التأويل. ولا يخفى ما في هذا الرأي من الخطر في رد الأحاديث الصحيحة المنقولة عن الثقات الذين بهم وصل الشرع إلينا. و الفرقة الرابعة: جعلوا النقول أصلا، وطالت ممارستهم له فاجتمع عندهم الظواهر الكثيرة، وتطرفوا من المعقول ولم يغوصوا فيه، فظهر لهم التصادم بين المنقول والظواهر في بعض أطراف المعقولات. ولكن لما لم يكثر خوضهم في المعقول، ولم يغوصوا فيه، لم يتبين عندهم المحالات العقلية؛ لأن المحالات بعضها يدرك بدقيق النظر وطويله الذي ينبني على مقدمات كثيرة متوالية، ثم انضاف إليه أمر آخر وهو: أن كل ما لم يعم استحالته حكموا بإمكانه. ولم يعلموا الأقسام ثلاثة: قسم على استحالته بالدليل، وقسم علم إمكانه بالدليل، وقسم لم يعلم استحالته ولا إمكانه. وهذا القسم الثالث جرت عادتهم بالحكم بإمكانه؛ إذ لم يظهر لهم استحالته؛ وهذا خطأ، كمن يحكم باستحالته إذا لم يظهر إمكانه؛ بل من الأقسام ما لم يعلم إمكانه ولا استحالته، إما لأنه موقف العقل وليس في القوة البشرية الإحاطة به، وإما لقصور هذا الناظر خاصة وعدم عثوره على دليله بنفسه وفقده لمن ينبهه عليه. و مثال الأول من حس البصر: قصور الحس البصري عن أن يعرف عدد الكواكب أنه زوج أو فرد، وأن يدرك عظم الكواكب مع بعدها على ما هي عليه. و مثال الثاني، وهو القصور الخاص: قصور حس بعض الناس عن أن يدرك منازل القمر، وظهور أربع عشرة منها في كل حال، وخفاء أربع عشرة مقابل درج المنازل في الغروب والشروق، وغير ذلك مما وقف عليه بعض الناس بحس البصر دون بعض. كذلك يتطرق إلى إدراك العقل مثل هذا النوع من التفاوت. و هؤلاء لما قل خوضهم في المعقولات لم يكثر عندهم المحالات، فكفوا مؤونة عظيمة في أكثر التأويلات، إذ لم ينتبهوا للحاجة إلى التأويل كالذي لم يظهر له أن كون اللّه بجهة محال، إذ استغنى عن تأويل الفوق والاستواء وكل ما يشير إلى الجهة. و الفرقة الخامسة: هي الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول، الجاعلة كل واحد منهما أصلا مهما، المنكرة لتعارض العقل والشرع وكونه حقّا؛ ومن كذب العقل فقد كذب الشرع، إذ بالعقل عرف صدق الشرع؛ ولو لا صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبي والمتنبي، والصادق والكاذب؛ وكيف يكذب العقل بالشرع، وما ثبت الشرع إلا بالعقل. و هؤلاء هم الفرقة المحقة. وقد نهجوا منهجا قويما؛ إلا أنهم ارتقوا مرتقى صعبا، وطلبوا مطلبا عظيما، وسلكوا سبيلا شاقا؛ فلقد تشوفوا إلى مطمع ما أعصاه، وانتهجوا مسلكا ما أوعره. ولعمري إن ذلك سهل يسير في بعض الأمور، ولكن شاق عسير في الأكثر. نعم، من طالت ممارسته للعلوم، وكثر خوضه فيها، يقدر على التلفيق بين المعقول والمنقول في الأكثر بتأويلات قريبة، ويبقى لا محالة عليه موضعان: موضع يضطر فيه إلى تأويلات بعيدة تكاد تنبو الأفهام عنها، وموضع آخر لا يتبين له فيه وجه التأويل أصلا، فيكون ذلك مشكلا عليه من جنس الحروف المذكورة في أول السور إذا لم يصح فيها معنى بالنقل. و من ظن أنه سلم عن هذين الأمرين فهو إما لقصوره في المعقول وتباعده عن معرفة المحالات النظرية، فيرى ما لا يعرف استحالته ممكنا؛ وإما لقصوره عن مطالعة الأخبار ليجتمع له من مفرداتها ما يكثر مباينتها للمعقول. فالذي أوصيه به ثلاثة أمور: أحدها: أن لا يطمع في الاطلاع على جميع ذلك؛ وإلى هذا الغرض كنت أسوق الكلام، فإن ذلك في غير مطمع، وليتل قوله تعالى: وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85]. و لا ينبغي أن يستعبد استتار بعض هذه الأمور على أكابر العلماء فضلا عن المتوسطين. وليعلم أن العالم الذي يدعي الاطلاع على مراد النبي صلى اللّه عليه وسلم في جميع ذلك فدعواه لقصور عقله لا لوفوره. و الوصية الثانية: أن لا يكذب برهان العقل أصلا، فإن العقل لا يكذب، ولو كذب العقل فلعله كذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع. فكيف يعرف صدق الشاهد بتزكية المزكي الكاذب، والشرع شاهد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع؟. و إذا لم يكن بد من تصديق العقل لم يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن اللّه، ونفي الصورة. و إذا قيل لك" إن الأعمال توزن" علمت أن الأعمال عرض لا يوزن فلا بد من تأويل. وإذا سمعت" أن الموت يؤتى به في صورة كبش أملح فيذبح» علمت أنه مؤول؛ إذ الموت عرض لا يؤتى به، إذ الإتيان انتقال ولا يجوز على العرض. ولا يكون له صورة كصورة كبش أملح؛ إذ الأعراض لا تنقلب أجساما. ولا يذبح الموت؛ إذ الذبح فصل الرقبة عن البدن، والموت ماله رقبة ولا بدن، فإنه عرض أو عدم عند من يرى أنه عدم الحياة. فإذا لا بد من التأويل. و الوصية الثالثة: أن يكف عن تعيين التأويل عند تعارض الاحتمالات، فإن الحكم على مراد اللّه سبحانه، ومراد رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالظن والتخمين خطر، فإنما تعلم مراد المتكلم بإظهار مراده، فإذا لم يظهر فمن أين تعلم مراده إلا أن تنحصر وجوه الاحتمالات ويبطل الجميع إلا واحدا فيتعين الواحد بالبرهان. و لكن وجوه الاحتمالات في كلام العرب وطرق التوسع فيها كثير، فمتى ينحصر ذلك فالتوقف في التأويل أسلم؛ مثاله: إذا بان لك أن الأعمال لا توزن، وورد الحديث بوزن الأعمال، ومعك لفظ الوزن، ولفظ العمل، وأمكن أن المجاز لفظ العمل، وقد كنى به عن صحيفة العمل التي هي محله حتى توزن صحائف الأعمال، واحتمل أن يكون المجاز هو لفظ الوزن، وقد كنى به عن ثمرته وهو تعريف مقدار العمل إذ هو فائدة الوزن، والوزن والكيل أحد طرق التعريف؛ فحكمك الآن بأن المؤول لفظ العمل دون الوزن، أو الوزن دون العمل، من غير استرواح فيه إلى عقل أو نقل حكم على اللّه وعلى مراده بالتخمين. و التخمين والظن جهل، وقد رخص فيه لضرورة العبادات والأعمال والتعبدات التي تدرك بالاجتهاد. وما لا يرتبط به عمل إنما هو من قبيل العلوم المجردة والاعتقادات، فمن أين يتجاسر فيها على الحكم بالظن؟ وأكثر ما قيل في التأويلات ظنون وتخمينات، والعقل فيه بين أن يحكم بالظن، وبين أن يقول: أعلم أن ظاهره غير مراد؛ إذ فيه تكذيب للعقل، وأما عين المراد فلا أدري ولا حاجة إلى أن أدري؛ إذ لا يتعلق به عمل ولا سبيل فيه إلى حقيقة الكشف واليقين؛ ولست أرى أن أحكم بالتخمين. و هذا أصوب وأسلم عند كل عاقل، وأقرب إلى الأمن في القيامة؛ إذ لا يبعد أن يسأل في القيامة ويطالب ويقال: حكمت علينا بالظن، ولا يقال له لم لم تستنبط مرادنا الخفي الغامض الذي لم يؤمر فيه بعمل؟ وليس عليك فيه من الاعتقاد إلا الإيمان المطلق، والتصديق المجمل، وهو أن تقول: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: 7] فهذه المطالبة في القيامة بعيدة، وإن كانت فالجواب عنها أسهل؛ ولأجله قال الإمام مالك رضي اللّه عنه لما سئل عن الاستواء:" الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". و بهذه الوصايا يستبين عذري في كراهيتي للجواب عن مثل هذه الأسئلة؛ لكن مع هذا أوثر مساعدته في بعض ما أورده فأقول: أما قوله صلى اللّه عليه وسلم:" إنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم" فإشارة إلى سريان أثره في جميع باطن الإنسان كما تجري أجزاء الدم وتسري في جميع باطنه، وليس المراد أن جسمه يمازج جسم الإنسان ممازجة الماء للماء؛ وهذا قول عن تحقيق يطول شرح مقدماته وأدلتها عقلية. وأما كيفية مباشرته للقلوب فليس بتخايل يظهره الحس، فإني أصادف الوساوس في قلبي، ولست أتخيل شيئا ولا أشاهده بعيني عند اختلاج الوساوس. وهذا الحكم مقدمات دليله أكثرها حسية؛ بل الوسواس من الشيطان كالإلهام من الملك. ونحن نصادف في قلوبنا خواطر مختلفة، إذ يدعو بعضها إلى اتباع الهوى، وبعضها إلى مخالفته؛ وهذه خواطر مختلفة بدليل اختلاف مقتضياتها. وهي مفترقة إلى أسباب لأنها حادثة، والمختلفات أسبابها مختلفة، فسمى الشرع السبب الذي يحصل منه إلهام ملكا، والذي منه يحصل الوسواس شيطانا. والإلهام عبارة عن الخاطر الباعث على الخير، والوسواس عبارة عن الباعث عن الشر، والملك والشيطان عبارة عن أسبابهما. وكما أن النار يستنير بها جوانب البيت ويسود بها أيضا سقفه، فنعلم أن النور يخالط السواد، ونعلم أن سببه مخالط لسببه، وأن سبب النور ضوء النار، وسبب السواد دخانه، فبذلك يعلم أن سبب الوسواس غير سبب الإلهام؛ نعم، يبقى النظر في أن ذلك السبب عرض أو جوهر قائم بنفسه؛ وقد ظهر أنه ليس بعرض بل هو جوهر، فبقي النظر في أنه حي أو ليس بحي، وظهر أيضا أنه حي بأدلة شرعية، وللعقل أيضا فيه مدخل ما. فأما قول الفلاسفة والطبيعيين إنه الأخلاط فهو جهل محض، لأن تأثير الأخلاط لا يعدو مقتضى الطبائع الأربع من الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة. والخواطر، والاعتقادات، والعلوم لا يجوز إن تكون من آثار الطبائع التي هي أعراض جمادات، بل هي نازلة من فوق الأرضيات بالرتبة؛ فينتج أنه جوهر غير متحيز، أو هو جسم متحيز، ويمنع أن يوجد غيره بحيث هو لطيف كالهواء، وكثيف كجسم آخر. وهذا النظر في الملك والجن، والشيطان؛ فذهبت طائفة إلى أن كل ما هو قائم بنفسه جسم، ووصفوا به الخالق، تعالى اللّه عن قولهم، إذ لم يعقلوا إلا جسما. و قالت طائفة: كل قائم بنفسه جسم إلا اللّه تعالى، وأحالوا أن يكون في الوجود سواه جوهر قائم بنفسه لا يتخيل. و قال قوم: إنّ الملك والجن والشيطان، كل هؤلاء جواهر حسية قائمة بنفسها وليست بأجسام ولا متحركات؛ وإنما استعمال النزول والانتقال والمجيء والذهاب عليها استعارة كما في حق اللّه؛ بل ثار هذا الخلاف بينهم أيضا في الجوهر العالم المدرك من الإنسان، فقال قوم: هو جزء لا يتجزأ ولا يتحيز. فلا هو داخل البدن، ولا هو خارجه، ولا هو متصل، ولا هو منفصل؛ بل لا يجوز عليه هذه الصفات. ولست أذكر ما انكشف لي فيه، فإن الصورة المجملة لا تفيد كشفا بل تقليدا؛ ولست بالتقليد أولى من غيري، ولا منفعة في التقليد في المعقولات. وأما كشفه ففيه طول، ولو لم يطل أيضا لكان الاقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الكف عن ذكره أولى، وأنه لم يذكر سر الروح وهذا بحث عنه، فلا ينبغي أن يزاد عليه في الإيضاح. و أما ما شاهده الأنبياء والأولياء من صورة الملائكة والشياطين فهي في الأكثر أمثلة تنافي معانيها وتقوم مقام مشاهدة عين المعاني، كما يرى الأنبياء في المنام ويستفاد منهم؛ وإنما المشاهد في المنام مثلهم، فأما أشخاصهم فلم تنتقل عن مواضعهم، فذكرت تفصيل ذلك في كتاب" عجائب القلب". وكذلك القول في الجن؛ ولذلك ترى صورا مختلفة، إذ التمثيلات لا تنحصر وجوهها، كما أن من يرى النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يراه على صورة واحدة. إلا أن هذه التمثيلات تكون للأنبياء والأولياء في اليقظة، ولغيرهم تكون في المنام فقط. وفي الصحيح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم ير جبريل على صورته إلا مرتين مع كثرة رؤيته له في كل حين. و أما الكلام المسموع من المصروع فهو كلامه، وقول القائل تكلم الجني بلسانه كلام غير معقول. نعم، الجن سبب لوقوع خواطر وتمثيلات وخيالات في قلبه، تنبعث بسببه داعية الكلام والحركة؛ وكلامه مثل كلام النائم، والنائم هو المتكلم لا غيره. وأما إخبار المصروع بالغيب فسببه أن جميع ما كان وما يكون مسطور ثابت في شيء خلقه اللّه، تارة يسمى لوحا، وتارة إماما، وتارة كتابا، كما قال اللّه تعالى: فِي كِتابٍ مُبِينٍ [الأنعام: 59، يونس: 61، هود: 6، النمل: 75، سبأ: 3] فِي إِمامٍ مُبِينٍ [يس: 12]. وثبوت الأشياء فيه كثبوت القرآن في دماغ الحافظ للقرآن، وليس مثل الرقوم المكتوبة المرتبة في جسم متناه؛ لأن غير المتناهي لا يمكن أن يكتب في المتناهي كهذه الكتب الظاهرة. والقلب مثل مرآة، واللوح مثل مرآة، ولكن بينهما حجاب، فإذا ارتفع تراءى في القلب الصور التي في اللوح. والحجاب هو الشاغل، والقلب في الدنيا مشغول، وأكثر اشتغاله التفكر فيما يورده الحس عليه؛ فإنه من الحواس في شغل دائم. فإذا ركدت الحواس بالنوم أو الصرع، ولم يكن من فساد الأخلاط شاغل آخر في الباطن، ربما يرى القلب بعض تلك الصور المكتوبة في اللوح؛ وتحقيق هذا يطول، وقد أشرت إلى ملامح منه في كتاب" عجائب القلب". وكذلك ما يظهر عند سكرات الموت حتى ينكشف للإنسان موضعه من الجنة فيكون بشرى، أو من النار والعياذ بالله فيكون نذيرا؛ لأن الحواس تركد في مقدمات الموت قبل زهوق الروح. و أما حديث غذاء الشيطان من العظم، وحصاصه، وحديث الحوض، والبرزخ فما عندي في تفصيل المراد به تحقيق؛ بل بعض ذلك مما أوصي بالكف فيه عن التأويل، وبعضه مدركه النقل المحض، وبضاعتي في علم الحديث مزجاة، فموضع الحوض لا يعرف إلا بمجرد النقل فليرجع فيه إلى الأحاديث. والبرزخ يمكن أن يكون المراد به مرتبة بين الجنة والنار لمن ليست له حسنة ولا سيئة، كالمجنون، والذي لم تبلغه الدعوة. والحكم بأن المراد إحداهما دون الأخرى تخمين إلا أن يدل عليه النقل، واللّه سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
الجميل كان نقده للذين يردون الاحاديث الغير متواتره بحجة عدم قبولها للعقل واستحالة تأويلها فقال : ( ولا يخفى ما في هذا الرأي من الخطر في رد الاحاديث الصحيحة المنقولة عن الثقات للذين بهم وصل الشرع لنا)
وايضًا كره الامام للتأويل واستشهاده بقول الامام مالك في سؤاله عن الاستواء .. وأوصى الامام بالكف عن التأويل في احاديث البرزخ و الحوض وغذاء الشيطان ووجب الايمان بها لثبوتها نقلًا
* قرأت الطبعة التي حققها الكوثري وأيضًا الطبعة التي خرجها محمود بيجو، والغريب أن طبعة الكوثري خلت من أي تعليق لتخريج الأحاديث أو توضيح المشكل من الكلام سوى تعليق واحد عن حديث البطاقة. بخلاف طبعة بيجو التي اجتهد في تحشيتها بما يناسب هذه الرسالة الهامة. - استشكل أحدهم بضعة استشكالات تتعلق ببعض الآثار التي لم يفهمها فدفعها إلى أبي حامد الغزالي ليجد عنده الجواب الشافي الذي يقطع كل ريب وشك. وأُلهم الغزالي جوابًا كليًا يحل به هذه الاستشكالات وما تفرع عنها. ينطلق الغزالي من مسلمة تؤسس لما بعدها من التنظيرات وهي تصادم الشرع والعقل، ثم يقسم الناس بحسب هذه المسلمة إلى أقسام يغفل أغلب أصحابها عن هذا التعارض الشديد لإغراقهم في معرفة أحد الطرفين على حساب الآخر. وهذا الاستغراق يغفلهم عن تفاصيل التعارض الحاصل. وقسمتهم هي: مستغرق في النقل مهمل للعقل - مستغرق في العقل مهمل للنقل - مستغرق في العقل (باعتباره أصلًا له) مع خبرة قليلة بالنقل - مستغرق في النقل (باعتباره أصلًا له) مع خبرة قليلة بالعقل - متوسط بين العقل والنقل ويعتبرهما أصلًا له وهو ينكر تعارض العقل والنقل [لأن] العقل أصل النقل فلا يخالفه وإلا لزم بطلان النقل. والفروق بين هذه الأقسام حين علمهم بوجود التعارض هي باعتبار مواقف أصحابهم من النقل والعقل. فأصحاب القسم الأول يصدقون بكل أمر نقلي ولو خالف العقل، وأصحاب القسم الثاني يزعمون أن مدلول قولهم هو الشرع إلا أن الأنبياء لم يخاطبوا الناس به مراعاة لمصلحتهم، فكذبوا عليهم لذلك. وهؤلاء كفار يجب قتلهم. وأصحاب القسم الثالث يردون ما يعارض عقولهم من الأخبار. وأصحاب القسم الرابع لا يدركون التعارض جيدًا لقلة خبرتهم بالمعقولات. وأصحاب القسم الأخير يؤولون هذه الأخبار بصرفها عن الظاهر لقيام المقتضى العقلي على ذلك. وهؤلاء هم أهل الحق -عند الغزالي- ويوصيهم بثلاثة وصايا: 1- قطع الأمل عن إدراك كل العلم بالمعنى 2- عدم تكذيب العقل لأنه أصل النقل 3- الكف عن التأويل عند تعارض الاحتمالات لأن الجزم بمراد الله بمجرد التخمين خطر [ويُفهم من كلامه قبول التفويض حين تعذر التأويل]. ثم مضى يجيب عن استشكالات السائل. - يظهر من قول الغزالي هنا أنه يريد التوسط بين من يهمل النقل تمامًا بحيث يتكل على عقله في كل شيء وبين من يزدري العقل ولا ينتفع به ويكتفي بما فهمه من النقل. لكن توسطه لم يكن دقيقًا للأسف، إذ أنه انطلق من مصادرة غير مبرهنة وهي وجود تعارض (حقيقي) بين العقل والنقل، وليس هذا التعارض من قبيل باب التعارض الذي يُدرس في أصول الفقه والذي يتعلق بنظر المجتهد لا بنفس الأدلة الشرعية. ثم زاد على هذه المصادرة مصادرة أخرى وهي أن العقل أصل النقل وهي جملة مجملة تحتاج للتفصيل، فإن قُصِد بذلك أن العقل أصل في ثبوت النقل أو وجوده فهذا ظاهر البطلان، وإن قُصد بذلك أن العقل أصل في معرفة النقل فهذا لا يقتضي بطلان النقل ببطلان العقل. ولابن تيمية مناقشة معروفة لهذا القانون الكلي الذي كتبه الفخر الرازي في صيغته الأخيرة وذلك في أول مجلد من درء تعارض العقل والنقل. - ذكر الغزالي بأن من نسب الكذب إلى الأنبياء في دعوتهم الناس لدين الحق بزعم أن ذلك من باب مراعاة المصلحة كافرٌ يجب قتله، وهو محق في ذلك قطعًا. ولكن الغزالي انتهى إلى قول قريب من هذا القول الشنيع في كتابه (إلجام العوام عن علم الكلام) بعد أن أورد على نفسه استشكال امتناع تأويل أخبار المعاد الجسماني مع سواغية تأويل أخبار الصفات في كتابيه (تهافت الفلاسفة) و(فضائح الباطنية). قال الغزالي في إلجام العوام: ""فإن قيل فلم لم يكشف الغطاء عن المراد بإطلاق لفظ الإله ولم يقل إنه موجود ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا هو داخل العالم ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل ولا هو في مكان ولا هو في جهة بل الجهات كلها خالية عنه فهذا هو الحق عند قوم والإفصاح عنه كذلك كما أفصح عنه المتكلمون ممكن ولم يكن في عبارته صلى الله عليه وسلم قصور ولا في رغبته كشف الحق فتور ولا في معرفته نقصان قلنا من رأى هذا حقيقة الحق اعتذر بأن هذا لو ذكره لنفر الناس عن قبوله ولبادروا بالإنكار وقالوا هذا عين المحال ووقعوا في التعطيل ولا خير في المبالغة في تنزيه ينتج التعطيل في حق الكافة إلا الأقلين وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم داعيا للحق إلى سعادة الآخرة رحمة للعالمين كيف نطق بما فيه هلاك الاكثرين بل أمر أن لا يكلم الناس إلا على قدر عقولهم وقال صلى الله عليه وسلم من حدث الناس بحديث لا يفهمونه كان فتنة على بعضهم أو لفظ هذا معناه فإن قيل إن كان في المبالغة في التنزيه خوف التعطيل بالإضافة إلى البعض ففي استعماله الألفاظ الموهمة خوف التشبيه بالإضافة إلى البعض قلنا بينهما فرق من وجهين أحدهما أن ذلك يدعو للتعطيل في حق الأكثرين وهذا يعود إلى التشبيه في حق الأقلين وأهون الضررين أولى بالاحتمال وأعم الضررين أولى بالاجتناب والثاني أن علاج وهم التشبيه أسهل من علاج التعطيل إذ يكفي أن يقال مع هذه الظواهر ليس كمثله شيء وأنه ليس بجسم ولا مثل الأجسام وأما إثبات موجود في الاعتقاد على ما ذكرناه من المبالغة في التنزيه شديد جدا بل لا يقبله واحد من الألف لا سيما الأمة الأمية العربية" ص40-41 ولتتبين شناعة قول الغزالي، أضرب لك مثالا لتقريب الصورة: لو أردت حض ولدك الصغير على النوم مبكرًا فأخبرته أن وحشًا يختبئ تحت سريره ليلتهمه إن لم ينم مبكرًا، لأخبرك الناس بأن هذه كذبة حتى لو احتججت لهم بأنك وافقت عقله (الصغير) الذي يقبل الخرافات ويجد فيها مصلحة وأنسًا لا يجده في تقرير الوقائع كما هي. الأمر الآخر أن الغزالي يزعم أن قوله تعالى: ((ليس كمثله شيء)) قرينة كافية للعلم بأن الله ليس في العلو لأن ذلك يقتضي الجسمية، لكنه ينقض نفسه بنفسه في رسالته التي احتج فيها بفهم السلف ودافع عنه وتراجع عن التأويل الكلامي في المجمل. والنكتة هنا هي أن الأصول الكلامية الفاسدة لم تغب تمامًا عن ذهن الغزالي وإلا لما تمسك بالتفويض في رسالته تلك، فما فعله حقيقة هو فرار من (تأويل تفصيلي) إلى (تأويل إجمالي). فلو كانت هذه الآية قرينة كافية لدفع وهم التجسيم عن السلف لنقلوا إلينا التنزيه الذي يرمي إليه الغزالي، ولكنهم لم يفعلوا ذلك. فدل على أنها ليست قرينة تفيد ما يريد المتكلمون الوصول إليه. بل حتى من يقولون بأن الله جسم لا كالأجسام (وهو إطلاق غير مقبول) ينطلقون من هذه الآية باعتبار أن جسم الله -سبحانه وتعالى- لا يماثل بقية الأجسام. - لم ينفرد الغزالي -عفا الله عنه- بتقرير قانون يعارض فيه العقل بالنقل، ويضرب بينهما ليخرج من ذلك بتقديم العقل، فقد تبعه الفخر الرازي ولا يبعد أنه مسبوق بذلك. ولكنه قد فتح باب لمعارضات النصوص الشرعية بالأهواء الشخصية التي لا حصر لها، وقد أساء من حيث أراد الإحسان. يغفر الله له ويتجاوز عنه.