هكذا هي المرأة شاعرة في كل حركة من حركاتها، إيروسية في كل سلوكياتها، في اتكاءتها، في طريقة لبس وخلع ملابسها، في تمايلها، في كلامها، بل حتى في شكل موتتها، والعكس، أي كل شاعرة هي بالضرورة مشروع امرأة تنفني جسداً وروحاً لتلتقي بشروط كمالها، إذا ما تجاوزت لغتها المختومة، وكفت عن تهريب ذاتها من النص.
هنا يكمن سر مصادقتها لأنت مقهورة، مستدعاة على الدوام في النص الشعري الأنثوي تحت مظلة لغوية من الكآبة باهظة تسلمها على الدوام إلى حس مفرط للإنجراح، وإلى نزعة مازوخية متأصلة تراها هيلين دوتش ضرورة لتطور الأنوثة عند معشر النساء بوجه عام.
كاتب وناقد سعودي ، يعتبر من أبرز النقاد العرب المعاصرين حضوراً على مستوى معالجة النصوص الأدبية الشعرية والنثرية ، متابع عن كثب للظواهر الفنية والإبداعية العربيةعبر تقديمه للعديد من الكتب التي تحمل قراءاته ورؤاه النقدية للمشهد الإبداعي في العالم العربي أو عبر مشاركات في ندوات ومؤتمرات وورشات عمل على امتداد الوطن العربي
له عدة مؤلفات منها :
قصيدتنا النثرية - دار الكنوز الأدبية - ١٩٩٧ م - ضد الذاكرة: شعرية قصيدة النثر- المركز الثقافي العربي - ٢٠٠٠م - سادنات القمر سرانية النص الشعري الأنثوي - دار نينوى - ٢٠٠٣م نهاية التاريخ الشفوي - مؤسسة الإنتشار العربي - ٢٠٠٨م كتابة الغياب بطاقات مكابدة لوديع سعادة - دار نينوى - ٢٠٠٩م مدْينة الحياة : جدل في الفضاء الثقافي للرواية في السعودية دار نينوى - ٢٠٠٩م- سقوط التابو الرواية السياسية في السعودية - دار جداول - ٢٠١١م صنع في السعودية - - دار جداول - ٢٠١٣م
هذه قراءتي الثانية لهذا الكتاب، وأعتقدُ بأنني سأعود إليه مراراً، لأنني أحاولُ أن أفهم، معنى الأنوثة الذي يرزخ تحت تاريخ طويل من القمع، ويجرجر وراءه إرثاً ثقيلا من الآراء المسبقة ووجهات النظر، فمنذ سيمون دو بوفوار التي ترى بأن الإنسان لا يولد امرأة بل يجعله المجتمع كذلك، نجد العباس يقولُ ببساطة بأن المرأة هي أنثى في كل ما تفعل، وهو منذ الصفحة الأولى يتعاطى مع المرأة بصفتها الـ "آخر" .. ولعل أهمية الكتاب تأتي من هنا.
يرى العباس بأن المرأة الشاعرة هي حقوقية بطبيعتها، بعد أن طردها الرجل من الكتابة، وعليه يجد بأن كتابة النساء قد تورطت بـ "نون النسوة" على حساب "تاء التأنيث" وبأنها تكتب بصوت الرجل على حساب صوتها الخاص. هنا يكون السؤال، ما هو صوتها الخاص؟ إنه الإيروس. كتابة الجسد وتحويله إلى مركز داخل النص.
لستُ متأكدة من ذلك، فعندما أكتب أكون في حالة إنصاتٍ إلى العالم، وأصير العالم، ويصير العالم داخل جسدي.. والكتابة هي محاورتي له، وهي ليست الصورة النمطية للكتابة الإيروسية كما أوردها العباس في كتابهِ .. كما أن الكتاب، بقدر ما انتقد نسوية الشاعرات وخضوعهن لكتابة أنفسهن على طريقة الرجال، نجده قد وضع للمرأة الشاعرة مضمارا ضيقا جداً لأجل أن يكون "صوتها" .. الذي هو في حقيقته جسدها، وهنا لا أجده يختلف مثلا عما كتبه أدونيس في "تاريخ يتمزق في جسد امرأة" و"طفولة نهد" لـ نزار ونصوص أراها .. كامرأة .. تفتعلُ صوتي الأنثوي افتعالاً، من أجل تكريس ذكورية العالم أكثر.
إضافة إلى ذلك، أعجبتُ شخصيا بما أورده الكاتب من نماذج لـ أشعار "نسوية / حقوقية " تطالب بأنسنة العالم والشعر، لا أدري أين المشكلة.
كتاب جدير بأن يقرأ مراراً، يؤخذ عليه أن الأنوثة ترد فيه كمعطى ومنجز ثابت أكثر منها صيرورة أو سؤال، ويؤخذ عليه أيضا أنه مطعم بـ عبارات على شاكلة " على طريقة نيتشه / على نحو ما يرى دريدا / بحسب فوكو " بدون الرجوع إلى مصادر تتيح لنا البحث أكثر، عوضا عن كونها جملاً تبلبل القدرة على التلقي وتربك الفهم. لو أنه أوردها في الهامش لكان أفضل..
جاء محمد العباس في هذا الكتاب مُبرزاً السر الأنثوي في نصها الشعري، وقد جاء اسم الكتاب "سادنات القمر" لأن، من وجهة نظر الكاتب، سدانة القمر مَهمّةٌ شعريّة تبرع فيها الأنثى أكثر من الذكر، لأن القمر والليل عاطفياً أقرب إلى المرأة. عرض الكاتب كيف تناول التاريخ؛ العربي واليوناني والأمريكي، الشاعرة المرأة وكيف كانت نظرته إليها، وكيف هي نفسها تعاطت مع المجتمع الرافض لها من حولها. وقد بدا أن ما هو متفقٌ عليه فيما بين تلك المجتمعات، قديمةً و حديثةً، أن المرأة كائن يصلح لأن يكون موضوعاً أو أداةً للشعر، ولا يصلح گ شاعر! وظل الموروث الشعري موصوماً بالتبخيس مع هيمنة واضحة للأدب الذكوري، وبخاصة الشعر. ولكن جاءت محاولات عديدة جداً، وأثبتت نفسها، للنساء حول العالم في كتابة الشعر لأنها كانت فرصة للنفاذ إلى الحرية، وإثبات الحس الأنثوي المتميز، وذلك ضمن صِدام مباشر مع الأعراف الوحشية تجاه المرأة. ومن الشاعرات العربيات اللاتي برَزْن في ذروة التهميش الشاعرة المرأة: نازك الملائكة و مي زيادة وحكيمة الشاوي، وقد كان ظهورهن أكبر رد أنثوي على فعل التذكير في المجتمع.