توظف مجموعة سفر الرؤى للكاتبة بسمة النمري، تقنيات متنوعة تلتحم بها وتكملها أعمال النمري الفنية المبثوثة في ثنايا المجموعة كأغلفة داخلية للقصص. محور هذه الأعمال التي تتنوع بين اللوحات والمنحوتات هو الوجه الأنثوي الذي يحتلّ فضاءاتها. ولا شك أن اختيار الكاتبة لصور هذه الأعمال تحديداً له دلالاته، إذ إن الوجه هو المكون الجسدي الأكثر قدرة على نقل أحاسيس الذات وانفعالاتها، ووجوه النمري في أعمالها الفنية تبدو كما أقاصيصها مشبعة بحالة الوحدة والانطواء والاغتراب الجواني.. الرؤوس منكسة، العينان منكسرتان تتطلعان بخوف وحزن، الملامح مشوَّهة مغبشة ومترقبة وكأنما تنتظر ما هو قادم بتشاؤم. الغموض الذي يلف عبر دواماته أعمال النمري الفنية، يبدو أيضاً في خطابها القصصي الذي لا يبتغي الوضوح والمباشرة وإيصال الرسائل، وإنما توريط القارئ واستفزاز مشاعره ودفعه للتأمل. فهي أقاصيص تستثير ما يجيش في الداخل من أسئلة أكثر من محاولة البحث عن إجابات لتلك الأسئلة. يعمق ذلك اشتغال النمري على وصف المشهد القصصي كما لو كانت ترسمه بتفاصيله الدقيقة. ففي أقصوصتها التي تفتتح بها المجموعة نقرأ:-(قذر..)، وتلي صرختي صفعةٌ مدوّيةٌ تدير رأسه جانباً. أشعل سيجارة بيد مرتجفة، أمتص دخانها بشراهة قلقة، تقترب من نهايتها فلا أطفئها، أتركها تحترق وتتآكل حتى تصل نار جمرتها إلى أصابعي، تلسعها.. فأهدأ (ص 7). يبدو جلياً الاعتماد على الجمل الفعلية القصيرة التي تمتلك القدرة على وصف الحركة وزمنها، وتمنح المشهد القصصي حيوية، وتضخ الدم في عروقه، ليبدو أن القارئ لا يقرأ الأقصوصة في سطور مكتوبة، وإنما يتابع مجرياتها كما لو أنها مشهد درامي تمثيلي؛ امرأة تصفع رجلاً يبدو أنه قد آذاها، وبدلاً من أن تشعر بالانتصار عليه تعاقب نفسها بأن تحرق يدها. أما في أقصوصة سقوط ، فإن الفعل لا يرتبط بالمرأة بوصفها فاعلاً، وإنما على أنها مراقب لما حدث، وذلك لإبراز التماهي بين المرأة/ الوحيدة، والقطة/ المشردة، والورقة/ الآيلة للسقوط. فكلها تعاني من العزلة والإهمال ونسيان المحيطين بها لها، ولذا فإن قيام أي واحدة منها بفعل هو بالضرورة يحيل إلى قيامهن جميعاً به: تجلس المرأة الوحيدة على المقعد الخشبي المبلل بماء المطر في الحديقة الموحشة، تقترب منها قطة مقرورة شريدة، تموء بحزن وتقعي عند قدميها، ترنو إليها المرأة ثم ترفع بصرها إلى الشجرة الجرداء قربها، تتعلّق عيناها بالورقة الجافة الأخيرة على الغصن العاري، تهب نسمة هواء صقيعية، تسقطها، ترقبها وهي تتأرجح ثم تهوي، فتقرر أن تتبعها (ص 126). تعاني معظم شخصيات المجموعة من القلق والتوتر والإحساس بالعزلة والاغتراب عن المحيط الذي تعيش فيه، وهو ما تجلى بتخييم فعل الموت على الأقاصيص، لا بوصفه خاتمة للحياة، وإنما بوصفه قادراً على كشف عبثيتها. أموات النمري لا يُدفنون ولا تُقام لهم طقوس الجنازة، لأنهم لا يلبثون أن يعودوا إلى الحياة ثم يموتون ثم يحيون.. وهكذا. ففي قصة فريسة ثمة جثة ملقاة في غابة ما، تتناوب على انتزاع لحمها الحيواناتُ المفترسة، والطيور والحشرات والديدان التي تلتهم ما تبقى من لحمها. وحين يشبع الجميع من لحمها تقوم الجثة من رقادها متجهة صوب ضفة النهر، تغرف الطين وتغطي هيكلها العاري لتبني جسداً جديداً لها، ثم، و مثل كل مرة، بعد أن يسري الدم في اللحم، وينبض القلب بالحياة، تجر ذاتها من جديد إلى حيث أُكلت (ص 15). في هذه القصة ثمة عبثية ما متولدة من المحاولات اليائسة التي تقوم بها الأنثى التي تروم إلى أن ترتقي صورتها في المجتمع فلا تظل مجرد شيء موجود لتحقيق المتعة للرجل. وكلما حاولت تغيير هذه الصورة النمطية، فإنها تقوم، في الوقت نفسه، بفعل يعززها. يحضر الموت أحياناً من خلال التحول؛ تحوُّل بطل الأقصوصة إلى كائن آخر أفعى أو عنكبوت، وهو ما يبرز الانفصامات ما بين الداخل والخارج التي تعاني منها الشخصية الأنثوية التي يلازمها إحساس باللاجدوى. يأتي هذا التحول من الأرقى (الجنس البشري) إلى الأقل رقياً (الحيوانات والحشرات..)، وهو ما يفتح المجال لتعدد القراءات، ومنها إشارات يمكن التقاطها تؤكد معاناة المرأة نتيجة النظرة الدونية من جانب المجتمع تجاهها دون أن تقوى على تغييرها. القارئ الذي تحاول البطلة أن تقنعه بأنها ضحية، لا يلبث أن يلتقط إشارات تؤكد أنها تؤدي دور الجاني أيضاً. هنا تؤكد القصة، كما سابقاتها، على استلاب المرأة ولا فاعليتها: في طريقي نحو الباب، أمر عبر النسيج فأعلق به، تهتز الشبكة بعنف، وأنا في عيبنها مصلوبة، أتأرجح دون أن أرسو على قرار، هل أصبحت أنا العنكبوت، أم أمسيت ضحيتها (ص 61). تستوحي بعض أقاصيص المجموعة شيئاً من الأسطورة، خصوصاً ما يتصل بفرض فعل يأتي في سياق عقوبة عُليا ، حيث يُطلب من المذنب تكرار الفعل نفسه مرات ومرات إلى ما لا نهاية.. تستثمر الكاتبة هذه الجزئية بتكرار الفعل لا في سياق عقوبة مادية مباشرة ومحددة، وإنما في سياق وجودي يطرح المعاني العميقة للحياة وقيمتها وملذاتها، وجدوى الفعل الإنساني المرتبط بالأنثى والرجل: كنا اثنين، تعبنا معاً، صرنا واحداً صرنا واحداً، ثم تعبنا، عدنا اثنين لعبة قذرة (ص 22). هذا الفعل المتكرر إنما يؤشر على شكل من أشكال الموت، وعلى عبثية الحياة التي يجد الإنسان نفسه فيها ضمن دائرة مغلقة، ينتهي في كل مرة من النقطة التي بدأ منها. حلقات مفرغة لا شكل لها أو طعم، تحاصر الأنثى وتحكم عليها غيابياً وتنفذ الحكم مرات ومرات. تعقد البطلة في أقصوصة سهرة ، حواراً مع ذاتها التي تنقسم لتتجلى بصورة ذئبتين، تلتهمانها دون أن يفطن أحد لفعلتيهما، إذ هما ترتديان البياض، فيما هي ترتدي الأحمر الذي لا يبين لون الدم عليه. هنا يعود السؤال ليكرر نفسه: من هو الجاني، ومن هو المجني عليه؟ الظلمة في غرفتي حالكة السواد، وأنا في الظلمة أزدهي بثوبي الأحمر القاني، وعند الباب تقبع ذئبيتان ترتديان فروهما ناصع البياض، (ما أجمل الألوان..) وأدعوهما إلى الدخول....
أجمل قراءة وجدتها تعطي شمولية لهذة المجموعة القصصية
بقلم / هيا صالح
توظف مجموعة سفر الرؤى للكاتبة بسمة النمري، تقنيات متنوعة تلتحم بها وتكملها أعمال النمري الفنية المبثوثة في ثنايا المجموعة كأغلفة داخلية للقصص. محور هذه الأعمال التي تتنوع بين اللوحات والمنحوتات هو الوجه الأنثوي الذي يحتلّ فضاءاتها. ولا شك أن اختيار الكاتبة لصور هذه الأعمال تحديداً له دلالاته، إذ إن الوجه هو المكون الجسدي الأكثر قدرة على نقل أحاسيس الذات وانفعالاتها، ووجوه النمري في أعمالها الفنية تبدو كما أقاصيصها مشبعة بحالة الوحدة والانطواء والاغتراب الجواني.. الرؤوس منكسة، العينان منكسرتان تتطلعان بخوف وحزن، الملامح مشوَّهة مغبشة ومترقبة وكأنما تنتظر ما هو قادم بتشاؤم. الغموض الذي يلف عبر دواماته أعمال النمري الفنية، يبدو أيضاً في خطابها القصصي الذي لا يبتغي الوضوح والمباشرة وإيصال الرسائل، وإنما توريط القارئ واستفزاز مشاعره ودفعه للتأمل. فهي أقاصيص تستثير ما يجيش في الداخل من أسئلة أكثر من محاولة البحث عن إجابات لتلك الأسئلة. يعمق ذلك اشتغال النمري على وصف المشهد القصصي كما لو كانت ترسمه بتفاصيله الدقيقة. ففي أقصوصتها التي تفتتح بها المجموعة نقرأ:-(قذر..)، وتلي صرختي صفعةٌ مدوّيةٌ تدير رأسه جانباً. أشعل سيجارة بيد مرتجفة، أمتص دخانها بشراهة قلقة، تقترب من نهايتها فلا أطفئها، أتركها تحترق وتتآكل حتى تصل نار جمرتها إلى أصابعي، تلسعها.. فأهدأ (ص 7). يبدو جلياً الاعتماد على الجمل الفعلية القصيرة التي تمتلك القدرة على وصف الحركة وزمنها، وتمنح المشهد القصصي حيوية، وتضخ الدم في عروقه، ليبدو أن القارئ لا يقرأ الأقصوصة في سطور مكتوبة، وإنما يتابع مجرياتها كما لو أنها مشهد درامي تمثيلي؛ امرأة تصفع رجلاً يبدو أنه قد آذاها، وبدلاً من أن تشعر بالانتصار عليه تعاقب نفسها بأن تحرق يدها. أما في أقصوصة سقوط ، فإن الفعل لا يرتبط بالمرأة بوصفها فاعلاً، وإنما على أنها مراقب لما حدث، وذلك لإبراز التماهي بين المرأة/ الوحيدة، والقطة/ المشردة، والورقة/ الآيلة للسقوط. فكلها تعاني من العزلة والإهمال ونسيان المحيطين بها لها، ولذا فإن قيام أي واحدة منها بفعل هو بالضرورة يحيل إلى قيامهن جميعاً به: تجلس المرأة الوحيدة على المقعد الخشبي المبلل بماء المطر في الحديقة الموحشة، تقترب منها قطة مقرورة شريدة، تموء بحزن وتقعي عند قدميها، ترنو إليها المرأة ثم ترفع بصرها إلى الشجرة الجرداء قربها، تتعلّق عيناها بالورقة الجافة الأخيرة على الغصن العاري، تهب نسمة هواء صقيعية، تسقطها، ترقبها وهي تتأرجح ثم تهوي، فتقرر أن تتبعها (ص 126). تعاني معظم شخصيات المجموعة من القلق والتوتر والإحساس بالعزلة والاغتراب عن المحيط الذي تعيش فيه، وهو ما تجلى بتخييم فعل الموت على الأقاصيص، لا بوصفه خاتمة للحياة، وإنما بوصفه قادراً على كشف عبثيتها. أموات النمري لا يُدفنون ولا تُقام لهم طقوس الجنازة، لأنهم لا يلبثون أن يعودوا إلى الحياة ثم يموتون ثم يحيون.. وهكذا. ففي قصة فريسة ثمة جثة ملقاة في غابة ما، تتناوب على انتزاع لحمها الحيواناتُ المفترسة، والطيور والحشرات والديدان التي تلتهم ما تبقى من لحمها. وحين يشبع الجميع من لحمها تقوم الجثة من رقادها متجهة صوب ضفة النهر، تغرف الطين وتغطي هيكلها العاري لتبني جسداً جديداً لها، ثم، و مثل كل مرة، بعد أن يسري الدم في اللحم، وينبض القلب بالحياة، تجر ذاتها من جديد إلى حيث أُكلت (ص 15). في هذه القصة ثمة عبثية ما متولدة من المحاولات اليائسة التي تقوم بها الأنثى التي تروم إلى أن ترتقي صورتها في المجتمع فلا تظل مجرد شيء موجود لتحقيق المتعة للرجل. وكلما حاولت تغيير هذه الصورة النمطية، فإنها تقوم، في الوقت نفسه، بفعل يعززها. يحضر الموت أحياناً من خلال التحول؛ تحوُّل بطل الأقصوصة إلى كائن آخر أفعى أو عنكبوت، وهو ما يبرز الانفصامات ما بين الداخل والخارج التي تعاني منها الشخصية الأنثوية التي يلازمها إحساس باللاجدوى. يأتي هذا التحول من الأرقى (الجنس البشري) إلى الأقل رقياً (الحيوانات والحشرات..)، وهو ما يفتح المجال لتعدد القراءات، ومنها إشارات يمكن التقاطها تؤكد معاناة المرأة نتيجة النظرة الدونية من جانب المجتمع تجاهها دون أن تقوى على تغييرها. القارئ الذي تحاول البطلة أن تقنعه بأنها ضحية، لا يلبث أن يلتقط إشارات تؤكد أنها تؤدي دور الجاني أيضاً. هنا تؤكد القصة، كما سابقاتها، على استلاب المرأة ولا فاعليتها: في طريقي نحو الباب، أمر عبر النسيج فأعلق به، تهتز الشبكة بعنف، وأنا في عيبنها مصلوبة، أتأرجح دون أن أرسو على قرار، هل أصبحت أنا العنكبوت، أم أمسيت ضحيتها (ص 61). تستوحي بعض أقاصيص المجموعة شيئاً من الأسطورة، خصوصاً ما يتصل بفرض فعل يأتي في سياق عقوبة عُليا ، حيث يُطلب من المذنب تكرار الفعل نفسه مرات ومرات إلى ما لا نهاية.. تستثمر الكاتبة هذه الجزئية بتكرار الفعل لا في سياق عقوبة مادية مباشرة ومحددة، وإنما في سياق وجودي يطرح المعاني العميقة للحياة وقيمتها وملذاتها، وجدوى الفعل الإنساني المرتبط بالأنثى والرجل: كنا اثنين، تعبنا معاً، صرنا واحداً صرنا واحداً، ثم تعبنا، عدنا اثنين لعبة قذرة (ص 22). هذا الفعل المتكرر إنما يؤشر على شكل من أشكال الموت، وعلى عبثية الحياة التي يجد الإنسان نفسه فيها ضمن دائرة مغلقة، ينتهي في كل مرة من النقطة التي بدأ منها. حلقات مفرغة لا شكل لها أو طعم، تحاصر الأنثى وتحكم عليها غيابياً وتنفذ الحكم مرات ومرات. تعقد البطلة في أقصوصة سهرة ، حواراً مع ذاتها التي تنقسم لتتجلى بصورة ذئبتين، تلتهمانها دون أن يفطن أحد لفعلتيهما، إذ هما ترتديان البياض، فيما هي ترتدي الأحمر الذي لا يبين لون الدم عليه. هنا يعود السؤال ليكرر نفسه: من هو الجاني، ومن هو المجني عليه؟ الظلمة في غرفتي حالكة السواد، وأنا في الظلمة أزدهي بثوبي الأحمر القاني، وعند الباب تقبع ذئبيتان ترتديان فروهما ناصع البياض، (ما أجمل الألوان..) وأدعوهما إلى الدخول. (لكن عيوناً لا تخترق السواد، ولا دماً يترك أثراً على الثوب الأحمر، وأما تلك التي تغرق في البياض، تُرى من يظن بها سوءاً؟)، أقول لنفسي وأنا أضغط زر التشغيل، فتنبعث الموسيقى، وأدور.. وأدور.. وأدور (ص 91).