كتاب يؤرخ لفترة دقيقة من تاريخ المغرب فترة لحقتها تبعات هيمنت عليها سنوات الرصاص فترة ما بعد الاستقلال حيث لم يرغب عدد من المناضلين من نزع السلاح و ان تهيمن فئة معينة على الحكم..الكتاب يروي حياة مجموعة من الأشخاص أغفلهم التاريخ الذي ركز على المهدي بن بركة و الفقيه البصري و تناسى اولئك الذين واجهوا الخطر بصدر مفتوح هم ابطال مجهولون دفعوا حياتهم ثمنا لما آمنواا به بغض النظر ان كنا مع الثورة التي نادوا بها أم لا يبقى الكتاب مهما جدا من الناحية التاريخية..و الذي سوف يقرأ الكتاب سوف يفهم جيدا علاقة المغرب مع جيرانه خصوصا الجزائر ليبيا و ابعد من ذلك مع مصر و سوريا فالتاريخ يلقي بظلاله على الحاضر.. قراءة ممتعة
يحكي الكاتب بأسلوب فصيح الكثير من الوقائع التي حدثت، في مغرب ما بعد الاستقلال إلى حدود 1973 استنادا على شهادات الابطال الناجين من الاعدام، وعلى الأحداث التاريخية نفسها.
والكاتب، وهو ابن أبرز أبطال هذه الأحداث، محمود بنونة، يتحدث بموضوعية عن كون الهاجس الذي دفع والده ورفاقه الشجعان الذين وضع من اجلهم هذا الكتاب تمجيدا لهم، إلى تعريض حياتهم لمصير الإعدام والتعذيب، هو هاجس استبدال نظام الحكم الدكتاتوري المستبد بنظام عادل تحكمه القوانين والمؤسسات الديمقراطية لتكفل للمواطنين حياة طيبة.
بدأت أولى علائم هذا المخطط، الذي انتهى بعد إجهاض أحداث الأطلس مارس 1973، مع الشهيد المهدي بن بركة، الذي كان هو الأب الروحي لامال انتزاع سلط الحكم المطلق من الملكية ووضعها في يد الأحزاب الوطنية. لكن مخططه الذي حاول جاهدا مرات عدة إخراجه إلى أرض الواقع، لم يكتب له النجاح قط. وبعد مقتل بن بركة، أخذ رفاق دربه في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وفي جيش التحرير على عاتقهم مسؤولية إحياء واستكمال هذا المخطط مهما كانت العواقب.
لكن ما لم يكن بالحسبان بالنسبة للقيادة العليا؛ المتمثلة حصرا في الفقيه محمد البصري الذي بالرغم من استئثاره بها كان لكل من محمود، النمري، سيدي حمو ودهكون، دورا بطوليا في صنع القرار، ما لم يكن في حسبانهم هو أن يسبقهم الجيش في محاولتين متتاليتين للإطاحة بالنظام. وما كان من هذين الحدثين الثوريين سوى ان يؤكدا فكرة فساد النظام الحاكم لدى الثوار ككل وبالتالي وجوب استئصاله. بالرغم من فجائية الانقلابين، الا ان هناك بعض المؤشرات التي أكدها الكاتب، على لسان أحد محاوريه، حول تواطؤ مسبق بين الفقيه البصري وأوفقير عن طريق الكولونيل أمقران حول حدوث انقلاب 1972.
لكن فشل هذين الانقلابين لم يثبطا من همة الثوار، بل بالعكس قد زاد من حماستهم تجاه تحقيق هدف الثورة من خلال ما قد بدؤوه مسبقا: التداريب العسكرية التي خاضوها في كل من الجزائر وسوريا وحتى في ليبيا، توطيد العلاقات بين قادة هذه البلدان، إدخال الأسلحة إلى المغرب، وتعزيز شبكة الثوار في الداخل.
و حين حل اليوم الأخير من أيام الثورة الطوباوية، الذي سبقته محاولات هجومية محتشمة قبل ذلك، وهو يوم عيد العرش 3 مارس 1973، كانت القيادة العليا قد قطعت أشواطا كبيرة في تخبطها في عدم التوافق حول المخطط برمته. فالفقيه البصري يكتفي بإصدار القرارات من المنفى ويتعالى على الاعتراف بأخطائه السابقة في التسيير أو في تأجيل أجرأة المخطط، مما أدى بمحمود الى التجرأ على عدم التنسيق معه حول تنفيذ المخطط بالرغم من عدم وجود عتاد كاف وثوار يسدون الحاجة في إنجاح الثورة. وانضاف إلى هذين السببين الخطيرين سبب آخر مرتبط بكون أعين النظام لم تكن غافلة عما يخطط له رؤوس الحربة، بخاصة بعد المحاولتين الفاشلتين المتتاليتين. بل كانت له أعين وآذان قد، دسها بين الثوار أنفسهم لأزيد من ثلاث سنوات، مما مكن النظام المخزني من معرفة كيف يفشل مخطط الثوار وبالتالي ان يحتمي من أي ضربة أخرى مهما كانت غير غير مفاجئة.
ختاما، أودى المخطط الثوري بحياة مئات الحالمين بمغرب أفضل، رجالا ونساء وحتى أطفالا. فخدام النظام الملكي الوحشي، أوفقير والدليمي ومرؤوسيهم، لم يكتفوا بتعذيب الثوار وإعدامهم فقط، بل أخذوا الثأر حتى من عائلاتهم بما فيهم الأطفال الذين أرغموا على مشاهدة آباءهم الثوار يُعذّبون ويعدمون أمامهم. فأي عذاب أشد وحشية من هذا الذي يرى فيه الإنسان، مهما كان بالغا او صغيرا، والديه يعدمان أو يعذبان؟ الكتاب عمل تاريخي بحت، وكتب بلغة شاعرية ممتعة حتى ليخيل لي بأني أقرأ عملا روائيا فذا.