الحقيقة أنَّ البعض قد يُوهِم نفسه بأنَّ ثمَّة أشكال وردية للحياة في القرون السابقة قبل زمن الحداثة، لكن الحقيقة أنَّ كثيرًا من جنس الآفات المجتمعية التي نراها الآن لها ما يُقابلها في العصور القديمة بنسب ومقادير مختلِفة، نرى ذلك مثلًا في كتاب " صيد الخاطر" لابن الجوزي، ونرى مثل ذلك في تاريخ الجبرتي على بُعدِ ما بينهما من سنين، حيث مجتمع الدهماء و تهلهل المنظومة التعليمية وانتشار التصوف البدعي، وانكباب الناس على الدنيا، ومتاجرة أهل العلم بعلمهم، وسيطرة الجند والعسكر وفساد السلاطين. قد تتعجب وأنت ترى ذلك في عصر ابن الجوزي كما ذكره في كتابه الرائع صيد الخاطر، ثم نجد ذلك كله صورة مكرَّرة في عصر المماليك وزمن تدهور العثمانيين ..وهذه هي الصورة الاجتماعية المأساوية التي قدَّمها ونقدها الجبرتي.
ربما يكون من المُحزِن في الصورة المُهترِئة التي قدَّمها الجبرتي وعرضها هنا الدكتور علي بركات في هذه الدراسة= هو رؤية العلماء في طابور تغييب الأمة والمتاجرة بالدين وتزييف الوعي، فقد ذكر الجبرتي مثلًا أنَّ الشيخ حسن الكفراوي الذي تولى منصب إفتاء الشافعية كان من أتباع صادومة الدجال! والحكايات كثيرة من تلك النوعية، حيث صنع المشايخ من البهاليل و المجاذيب أولياء؛ فصنعوا لهم الأضرحة وأقاموا لهم الموالد التي ذكر الجبرتي أنَّها كانت مكانًا تُمارس فيه كل المنكرات من اختلاط بالنساء وزنا ولواط و رقص وغير ذلك، لكن المؤلم أنَّ تلك الصورة لم تكن فقط محل تدعيم من مشايخ الأزهر، بل حاربوا كل من دعا إلى نقاء العقيدة ونقد ذلك الوضع المُزرِي كما فعلوا من الواعظ الرومي.
يرى دكتور علي بركات أنَّ هذه الصورة نتاج لحالة الانحطاط الفكري والعقلي في العصر العثماني، وهي السردية التقليدية عن التخلف العلمي العثماني التي بدأ دحضها في كتابات مثل نللي حنا وغيرها ، لكن الفارق هنا أنَّ دكتور علي بركات لا يجعل العثمانيين هم أسباب هذا التخلف، بل هم استمرار لحالة التراجع الحضاري التي بدأت قبل مجيء العثمانيين، يُمكن بطبيعة الحال أنَّ نشكِّك في الشكل التعميمي لهذه السردية، ففي دراسة مُدهِشة للدكتور ناصر عبد الله عثمان بعنوان " قبل أن يأتي الغرب الحركة العلمية في مصر القرن السابع عشر" يدحض تلك الصورة النمطية لحالة التخلف المجتمعي في العصر العثماني، لكن يبدو أنَّ الحقيقة تقع في المنتصف، فلم تكن الحالة حالة تخلف في العموم، بل حدوث حالة من السقوط في لحظة معينة يمكن التعبير عنها بمصطلح " الأزمة" كما فعلت جين هاثاواي.
فلاشك أنَّ تبنِّي العثمانيون للتصوف= كان ميراثًا ممتدَّا لأزمة المجتمع المملوكي الفكرية، وبالتالي نرى نمط التردِّي المجتمعي ووقوعه في أسر الخرافة لم يكن وليد اللحظة العثمانية المتأخرة، بل هو في أساسه امتداد للعصر المملوكي منذ بداياته كما رصد ذلك الدكتور الدبيكي في دراسته عن الخرافة والشعوذة في عصر سلاطين المماليك.
من هنا لسنا في حاجة لذكر كثير من الوقائع المُبكية والمُحزِنة التي ذكرها الجبرتي ونقلها هنا الدكتور علي بركات عن مجتمع مأزوم بالخرافة و صناعة الأولياء، بقدر ما يهمنا كيف استعمل الدكتور علي بركات بمهارة هذا الواقع في قراءة تأثيره على الجبرتي ثم محاولة فهم موقفه من الدعوة الوهابية، فبتصور الدكتور أنَّ هذا الواقع المتردِّي هو الذي جعل الجبرتي يُعجَب بالدعوة الإصلاحية الوهابية التي قامت بمناهضة آفات من جنس الآفات التي أنكرها الجبرتي في مجتمعه، وهذا صحيح إلى حد بعيد، أما مسألة عقلانية الجبرتي التي تكلَّم عنها الدكتور علي بركات فلا أحسبها صحيحة، على الأقل في مضمون فهمنا للعقلانية وفق صياغتها على يد مفكري عصر التنوير.
بالنهاية يرى الدكتور أنَّ الجبرتي كان متعاطفًا ومؤيِّدا للدعوة الوهابية بشكل كبير، مما جعله بالنهاية يصف الجبرتي بالسلفية، لكن هناك مأخذ نقدي يأخذه المؤلف على الجبرتي وهو أنَّ الجبرتي لم ينقد عنف الوهابيين، ويذكر أنَّ الجبرتي لم يذكر ذلك إلا مرة واحدة فقط عند استيلاء ابن سعود على الطائف مع ما فعلوه من قتل الرجال وأسر النساء، ثم تعقيب الجبرتي " وهذا دأبهم مع من يحاربهم".
في مقابل ما سبق استعمل الجبرتي النقد الشديد لمحاربة محمد علي للوهابية وما فعله من انتهاكات وبيع الرجال والنساء من الأحرار من أسرى الوهابيين كعبيد في أسواق القاهرة، وهو ما استنكره الجبرتي بشدة، بل طعن الجبرتي في دين جيش محمد علي الذي كوَّنه من المرتزقة.
الدراسة برغم صغر حجمها بشكل عام جيدة، وفي نهايتها يؤكِّد المؤلف على موضوعية الجبرتي، وكيف أنَّ قيمة العدل لها حضور عنده، فقد نقد محمد علي باشا رغم تقديره لكثير من إصلاحاته، لكن لغياب العدل سقطت كلها من ميزان الجبرتي، فهو يقول عن الباشا " فلو وفَّقه الله لشيء من العدالة على ما فيه من العز والرياسة والشهامة والمطاولة لكان أعجوبة زمانه وفريد أوانه".
ويبدو أنَّ العدل التَّائه من أيام الجبرتي وخرافات المشعوذين وتجار الدين ومشايخ الوقت كما يُسمِّهم الجبرتي، وكل ما ذكره الدكتور علي بركات هنا من آفات المحتمع المصري في عهد الجبرتي= هو متوالية من آفات مازالت ممتدة ومستمرة.