أتذكر الصديق الشاعر دخيل الخليفة في ديوانه ( صحراءٌ تخرج من فضاء القميص ) وهو يوقّعه لي في أمسيةٍ بجمعية الثقافة والفنون بالدمام, أتذكره وهو يكتب (حبيبي علي سباع) وكان ممسكاً بقلمه كما لو كان بدقّة ناقش الحنّاء, كان يحاولُ جعلها سريعةً وخفيفةً في آنٍ واحد, كان ينظرُ لي بعينٍ واحدة, تعرفون ما تعني العين الواحدة, هكذا كما لو كان يشيرُ في معركةٍ خاسرةٍ لذاكرته أن تبدأ في إيجاد الخطط البديلة. هذا الرجلُ بدأ ديوانه بعنوان فاخر : ( الذين خلفونا معلقين في الهواء ), لم يكن هذا العنوان مهمّاً لي بقدر تاريخ كتابته 12-6-1996م الذي ذيل به القصيدة, كنت أستذكر لحظتها عمري, كم كان عمري يا ترى, أين كنتُ لحظة ولادة هذا النّص؟! في الثالثة عشرَ وأقربُ الظنّ حين ضربني مدرس اللغة العربية, ضربني بوقاحةٍ لأني وصفت صدر صديقي بالناهد في قصيدة مكسّرةٍ عروضياً, الحقيقة أنني لم أكن أعرف هل ضربني لكسورها أم لتعدّي التابو المحرم, والحقيقةُ الأكثر حيلةً الآن أنّني أتذكرُ كل من في الصورةِ من أصدقاءِ, في ذلك العمرِ أعني, حيث الصورة ذلك المشهدُ الذي جعل الطلابَ يخافون كتابة الشعر, الأصدقاءُ الذي تركوني معلّقاً في الهواء, شاعراً في أعينهم, بائساً جداً. يشتغلُ الشاعرُ دخيل الخليفة على الثيمة العامة, يتحمّل أعباءَ مسيرتها وألفاظها وكناياتها, تعتملُ في القسم الأوّل من ديوانه حكايا الصحراء, يوقظها ويحرّكها شعرياً, تشعرني ببساطتها وكثافتها بالقصص القصيرة جداً أو لا, تشعرني بوجودِ أبٍ يحاولُ تذكّر طفولته شعرياً, ممارستها على شكل لغة, العودةُ بكامل هذا الكيان والمعجم الممتلئ بالحياة إلى تلك الأيامِ التي سقطت من عنق الزجاجة. من المهم حين أتحدّث عن القسم الثاني المعنون (وجوه معلقة في الفراغ) أن أقف طويلاً على نصّه الثاني فيه, نصُّ (يكتبُ أيّامه بين خطواته), في هذا النّص أقفُ كما لو أنّني كنت أتسوّقُ أمام عدّة محلات فاخرة وأتفاجئ بوجود ماركة أرماني, عذراً لاختياري أرماني لكنّها الماركة الأجمل في نظري, أتذكّر أن هذا التشبيه حدث لي فعلياً, كنت أسيرُ ووقفت مشدوهاً كطفلٍ أمام بائع حلويات, اقتنيتُ معظم ملابسي ذات يومٍ منه وخرجت قبل أن أعرف كم دفعت, كم سحبَ مني هذا المحلّ الفاخر من ذاكرةٍ قبل أن أعي لصوابي, قبل أن يسحرني بسرعته وتحرّكه باتجاه النهاية, هو فخم على كل حال, يشبهني جداً هذا النّص. يقول: (يتزوج ضلعين يكسر ضلعا, ويرزق من آخر سبعة. ..... تحتويه إلى قلبها ويسيران, كالقط تحت عباءتها كان يكتب أيامه, ويعد أصابعه : تسعة .. ) كنهايةٍ .. لن أتحدث عن القسم الثالث المعنون ب (بإيماءات قلبٍ يرتجف ), العنوان مخيف نوعاً ما, لكنني أريدُ أن أخبركم بسر, قرّبوا أسماعكم قليلاً : أكثر من تسعة نصوص مهداة لأصدقاء في الديوان, هذا ليس سراً, أعرف .. لكّنه سر بالنسبة لي, سر كمفتاح يخبرني بأنّ هذا الشاعر الجميل معلّق بالآخرين والصداقات, مجتمعيٌّ بطبعه, منذ أن عرفته في أحد المنتديات قديماً وهو ينشئ عشّاً كمقهىً يراودُ فيه عصافيراً على وشكِ السقوط.
دخيل الخليفة يشعرك بأن اللغة طيعة في يديه، وهي بصراحة تزداد خصوبة كلما توغلت أكثر في أحراش القصيدة. إنه يكتب بانتباه، ويعرف إلى أين هو متجه، ويتمحور عالمه في ديوانه هذا حول الوطن والانتماء والأصدقاء. استمعتُ ..