في بيئة منعزلة, وقاحلة.. تدور أحداث وشخوص هذة الرواية, وتسري الحكايات والأقاويل فيها وكأنها قادمة من ذاكرة بعيدة ومجهولة, حيث الوقت لا يدور إلا بإنتقال الخرافات والأحاديث بين سكان تلك المنطقة من الأرض, فالصحراء هي أرضهم, مغبرة, ومشمسة, وفاقدة لكل علامات الحياة والإسترخاء, وأناسها لا يأمنون أحداً, بل هم يعيشون ذعراً مستديماً, ويخافون كل مجهول, ويتطلعون للمستقبل على أنه لا يحمل إلا الموت والجوع والفاقة.
هذلا/ناشي إزدواجية هذة الشخصية خلقت في تفاصيل الرواية متعة غريبة من نوعها, فأن تتنكر فتاة في ثوب رجل هرباً من خرافة ما تدعى "الدربيل" لهو أمر مجنون, وقدر ثقيل وقاسي, ففي تلك الصحراء تعيش الفتيات العذراوات خطراً محققاً, وخوفاً دائماً من كل زائر يلقي بظلاله عليهن, وكأن حياتهن مقدره بمصير إلتقائهن بهذا "الدربيل" الذي أصبح خرافة تلك المنطقة من الصحراء المختفية خلف أسراب من كثبان الرمال والطيور المهاجرة إلى بعيد, فأصبح بحضوره يحمل كل هاجس محتمل, وبغيابه يبحث عن أخباره أهل تلك الصحراء, ويتناقلون حوله الخرافات والأقاويل التي تتعلق بطباعه, والقصص المشتركة التي تدور حوله, ولا يقدر أحد على إثبات صحتها من عدمه, وكأن مسار الوقت ضيق كضيق صدور أرامل تلك الصحراء القابعة في مكان بعيد ومأسور بخيالات "الدربيل" والوحوش والأفاعي والطيور الجارحه, ومطلع "فرحان القناص" بعد غياب ببشارات مختلفة وكثيرة.
اللغة في هذة الرواية جميلة ونادرة, وأسلوب "عواض" وطريقته في السرد لطيفه ومستتره, وتحمل شكلاً من أشكال الودية في إختراع الأحداث وخلق كون كامل ترتكز عليه الرواية بمجملها في الأحداث والشخوص, بل أنه صنع بطريقته شخوص مهووسه بإتصالها بالطبيعة وبتضاريس الصحراء الخانقة والكئيبة.
أحببت العمل في تصويره حياة الصحراء والبدو حتى تلك الاستطرادات في وصف الصحراء والبدوي حين تقرأ عملا بهذا الدقة في وصف اليومي والحياتي لا تملك المخيلة إلا أن تشعر وكأنها انتقلت بكاملها جسدا إلى تلك البيئة القاسية والفسيحة واللا نهائية في الأفق.
ان تتوغل في قراءة رواية من هذا النوع يعني ان تذهب في رحلة برية بكامل عدتك وعتادك بالصبر على شراسة الرياح وكائنات الصحراء و جفاف السماء والأرض على حد سواء. قنص رواية لا تفتح بابها بسهولة ولا تمد يد الترحاب للقادم إلا بعد لحظات التفحص والسبر، كالبدوي المتوجس من قاريء عينيه و الحائم حول قلبه، تتعاطى معك في صفحاتها الأولى كما تواجهك كثبان تبتلع القناص والضحية معًا، إن لم تكن لديك رغبة و جوع الوصول للنهاية لن تتمكن من تجاوز صعوبتها وفك رموزها. هذلا و ناشي وجهان لعملة واحدة، وجع البدوية و عواء الذئب المختبيء و المتوجس عنصرا الشد و الجذب و(البطل) بلا منازع ، اما الدربيل فلم يكن تلك الشخصية المهمة وذات سطوة بالشكل الذي يستحق الانتباه ، كان مجرد سبب يبرر كل هذا الغضب الصحراوي الممتد، اوجاع فرحان و جنون الراعي وحديث هذلا العذب، الدربيل كان طريقا لمرور الكائنات في الرواية و كان من الممكن ان يتم إعماله و تمهيده بشكل قد يعطي الأحداث بعدا اكثر واقعية، قد تكون الفانتازيا و الخيالات بعدا مهما لتصوير حياة الصحراء و روح البادية بعيدا عن الجمود و الغموض المنفر ، لكن الربط بينها وبين الواقع كان اكثر نجاحا في تحول هذلا و ابتلاع الكثبان للقناص.. مثلا ، افضل من اعطاء الدربيل وهج لم يثري دوره بالشكل المطلوب. كانت تبدو المشاهد احيانا كمقاطع من برامج الصحراء و ترويض الحيوانات و مراحل حياة الزواحف اليومية، وهي بهذا تمنح القاريء قدرا جيدا من المعلومات بلغتها الصحراوية و عناصر المشاهد. مما يجعلها رواية محلية جيدة جدا و مدخلا للراغبين في الرحيل للفلوات و معاشرة الذئاب .
لم أكمل قراءتها للأسف ، الأسلوب مستهلك و تفاصيل الرواية غير مشوقة البتة كما أن الطرح غير سلس .. لربما ليست من الكتب التي أفضل أن تتمدد في عقلي و تكبر .