صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب "الفكر الاجتماعي الخلدوني: المنهج والمفاهيم والأزمة المعرفية" ضمن سلسلة كتب المستقبل العربي (31).
يجمع بين فصول هذا الكتاب التسعة اهتمامها بواحد من أعلام الفكر العربي- الإسلامي في العصر الوسيط هو العلامة عبد الرحمن بن خلدون الذي لم يتوقف البحث العلمي في مجالات التاريخ والسوسيولوجيا وتاريخ الفكر – في الوطن العربي وفي العالم – عن تناول موضوعات فكره الموسوعي، وعن اكتشاف غنى الأطروحات التي قدمها في مجال تحليل بنى مجتمعات العصر الوسيط وحركة التاريخ والتطور التاريخي فيها. وقد تم تقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي: "المفاهيم وتأصيل العلم"، و"التاريخ والاجتماع البشري"، و"العرب ومجتمعاتهم" وشاركت في فصوله مجموعة من المؤلفين تضم كلاً من محمد أحمد الزعبي وعبد القادر عرابي والمنصف وناس ومحمد عزيز الحبابي ومحمود الذوادي وعبد العزيز الدوري والمختار الهراس وآزاد أحمد علي وبنسالم حميش.
منذ مدة ليست قصيرة نما عند بعض المثقفين العرب شعور بأن قضية الوحدة العربية لم تعد تحتل المكان الأول- كما كانت في السابق – في الاهتمام العربي، وبالتالي بضرورة لفت نظر الرأي العام العربي إلى ذلك . وقد اكتسب الشعور بضرورة إعادة تحريك قضية الوحدة قوة جديدة على أثر نكسـة حرب الخامس من حزيران / يونيو 1967وقد عبّر هذا الشعور عن نفسه، بادئ ذي بدء، وعلى أثر النكسة مباشرة، بنشاط ثقافي محدود في دمشق وبيروت، أخذ شكل عقد بعض الندوات لمناقشة ضرورة الوحدة وجمع تواقيع عدد من المثقفين العرب على نداءات بهذا المعنى نشرتها، خلال عامي 1967 و 1968 ، مجلة "دراسات عربية" إلا ان الشعور بأهمية الوحدة، وبضرورة القيام بعمل ثقافي مستمر من أجلها ، قد استمر بشكل تشاور فردي ، خلال مدة جيدة من الزمن، إلى أن تبلور الموضوع باتجاه تأسيس مركز للدراسات عن قضية الوحدة العربية. وكان أول إعلان عن هذا الهدف قد عبر عنه البيان الذي صدر في بيروت ونشرته بعض الصحف العربية في عام 1975 ، وقد تضمن البيان المذكور شرحاً واضحاً لأهدافه وطريقة عمله ووسائله، ووقّعه اثنان وثلاثون مثقفاً من مختلف أقطار الوطن العربي ولأهمية هذا البيان ندرجه فيما يلي بالنص
بيان حول تأسيس "مركز دراسات الوحدة العربية"
كان للنكسات التي لحقت بقضية الوحدة العربية أثر عميق على التقبل الفكري والعملي لهذه القضية القومية، وعلى مقدار الاهتمام بها فبعد أن كانت قضية الوحدة تحتل المكان الأول في اهتمام الرأي العام العربي والمركز الرئيسي في نشاط المثقفين العرب، أصبحت بعد تلك النكسات - خاصة بعد فشل الوحدة المصرية السورية والمشاريع الوحدوية التي تلتها – في مكان ثانوي يدل عليه فيما يدل كمية ونوعية الإنتاج الفكري الذي يدور حول هذه القضية المصيرية
إن الصراع الذي تخوضه الأمة العربية ضد الاستعمار الصهيوني الإسرائيلي والإمبريالية، بما يمثلانه من تحد خطير لمصير الأمة العربية على الصعد السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية ، يتطلب اهتماماً عميقاً وجاداً بتحقيق خطوات وحدوية عملية وإلى جانب هذا الحافز السلبي في طبيعته هنالك حوافز إيجابية تنطلق من مزايا الوحدة وقيمتها الذاتية ، أهمها توق العرب إلى الحضور الفعال في مجالات التطور العلمي والتكنولوجي واستعجال الزمن في عملية التنمية الاقتصادية الاجتماعية والتطوير الأفضل للطاقات والقوى العربية الهائلة من بشرية ومادية – وبالتالي بلوغ تحقيق أفضل لإنسانية الإنسان العربي إن هذا التوق يتململ في ضمير الوطن العربي، في عالم يشهد التطور السريع والمذهل في قدرات البلدان الصناعية وإنجازاتها في مختلف الحقول، إلى جا
تألف الكتاب من مجموعة من المقالات حول قوانين العمران البشري في مقدمة ابن خلدون، من حيث الماهية والمصطلحات والفهم التاريخي الذي قدمه عالم الاجتماع، والمختلف عن الفهم الذي ساد عصره وما قبله من العصور حول التأريخ للأحداث، فقد تجاوز صاحب المقدمة مجرد ذكر الحوادث إلى البحث في السّمات والروابط التي تشملها، جاعلاً منها قواعد للعمران البشري منذ بدء الخليقة وحتى فنائها، مخلّصاً المنهج التاريخي من طابعه الوصفي ومُضفياً عليه الطابع الاستقرائي، ما سطر اسمه كعالم اجتماع عربي جليل الشأن نذكره اليوم ونتناوله بالدراسة والبحث.
أفكار الكتاب الرئيسية:
١- انتقل ابن خلدون بالمنهج التاريخي الوصفي الذي ساد كتب المؤرخين في زمنه والأزمان التي سبقته إلى المنهج التاريخي الاستقرائي .
٢- الحتمية الاجتماعية عند ابن خلدون لا تقل أهمية عن الحتمية الطبيعية.
٣- نظرية المعرفة الخلدونية: من التجربة الشخصية إلى قوانين علم الاجتماع.
٤- العصبية القبلية: المحرك للأحداث التاريخية في فلسفة ابن خلدون.
٥- تنعكس تغيرات الطبيعة البشرية عند ابن خلدون بأشكالها الثلاث (الفطرية والمزدوجة والعدوانية ) على ازدهار أو فناء الحضارات و المجتمعات.
٦- أثر البيئة على التكوين الاجتماعي للعرب في بداوتهم و مدنيتهم .
٧- العمارة الخلدونية بوجهها الحسي المادي.
اقتباسات من الكتاب:
"لقد علمته (= ابن خلدون) تجارب الحياة أن للوقائع التاريخية نظامها، وطبائعها ومن يتبصر في أحوال الخليقة والأمم والحضارات وتبدلاتها يدرك تماماً أن بواعث قيام الحضارات واندثارها، لا يرد إلى المصادفات، وإنما إلى المجتمع الإنساني نفسه"ص٤٤
"لقد استطاع ابن خلدون بفضل المنهج الاستقرائي تجاوز التاريخ الوصفي واستحداث علم جديد، وهو علم العمران، الذي تولد إذن من التاريخ بعدما أعاد ابن خلدون النظر في موضوعه ومناهجه. وهكذا فإن التاريخ لا يشكل الإطار المرجعي لعلم الاجتماع فحسب، وإنما هو صنو للعمران البشري". ص٧٠
"إن العصبية، إن لم تكن محرك التاريخ، فهي على الأقل قوة تنشأ عنها التناقضات، وبها تنشط الجدلية التي يقوم عليها التصور الخلدوني لتطور الحياة، فكأنها كائن بشري يولد و ينمو، ثم تخور قواه فيضمحل بعد أن يعطي الحياة لكائنات أخرى، تنفي هي الأخرى مصدرها مقابل أن ينفيها غيره بدورها، إنه نفي ينصب على المفرد ليثبت استمرارية العام وتطوره، فالعام (الأسرة والقبيلة والدولة والأمة) لا يتطور إلا بمقدار ما يسعى إلى تجاوز ما هو خاص، وبمجرد ما يتسرب التفرد إلى العام تضمحل عصبيته فيموت". ص٩١
"إنّ رأي ابن خلدون حول القوى العاملة على تطور الإنسان لا يبدو مسايراً للرؤية المادية الحديثة التي تربط التطور بالإنجازات المادية، وتتوافق هذه الرؤية الخلدونية مع 'النظرة الجديدة' حول التقدم والتنمية في بعض الأوساط في عالم اليوم، فالتأكيد على أهمية التنمية بمعناها الشامل وليس الاقتصادي فقط، يتماشى مع موقف ابن خلدون الضمني حول التقدم والتطور الإنسانيين، وبعبارة أخرى، فاستياء صاحب المقدمة الشديد من الترف والتقدم المادي الخالي من القيم الروحية الإنسانية يشير إلى مدى اهتمام ابن خلدون بالتقدم الإنساني الذي يحافظ على خيرية الطبيعة البشرية" ص١٠٧
"عند ابن خلدون إذن، لم تعد اليد العليا للكتابة القائمة على الوثيقة كأساس لجوهرها، أو بصفة أدق، لم تعد النزعة الوثائقية ملحّة إلا في حالة غياب الشهادات اللامكتوبة أو ندرتها، وفي ما خلا ذلك، يجعل ابن خلدون نفسه أركيولوجي التاريخ الحي، يجمع الوثائق مباشرة وعبر طرق لا يظهر فيها الكتابي سائداً وقاضياً، إنه - وقد اهتم بعصره - يبحث في إعطاء نظام لمرافقه القوية ولحدثيته المركزية، وبالتالي، فالتاريخ الأصيل بالمعنى الهيجلي هو ما مارسه صاحب المقدمة، مضيفاً إلى جعبته مواظبة نظرية نشيطة ووعياً نقدياً متقداً"ص٢٠٠