يعتبر الدكتور محمود عباس (أبو مازن)، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أحد السياسيين القلائل جداً من الفلسطينيين والعرب الذين يسجلون خبراتهم السياسية اليومية إلى كتابات تخرج على شكل كتب أو مقالات سياسية، تلقي الضوء على فترات حساسة من عملهم السياسي. ويلقى الكتيب الأخير (سقوط حكومة نتنياهو) الذي صدر في عام 1999، الضوء على احدى المراحل الحساسة في مسيرة عملية التسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين، هي فترة حكم نتنياهو (يونيو 1996 – يوليو 1999) التي تميزت بالجمود. يستعرض أبو مازن في كتابه هذا الأسباب الرئيسية التي أسهمت في سقوط حكومة نتنياهو، فيذكر مثل خلاف نتنياهو مع الادارة الأمريكية ومع الرئيس بيل كلينتون تحديداً بسبب رفض نتنياهو غير المعلن لتنفيذ اتفاق واي ريفر (23 أكتوبر 1998) الذي اعتبره الرئيس كلينتون اتفاقه الشخصي، ثم مواقف الجاليات اليهودية في أمركيا التي دعمت حملة باراك الانتخابية، الأمر الذي أثار كثيراً من الانتقادات داخل إسرائيل، حيث اعتبرها الليكود تدخلاً مباشراً من الجالية اليهودية الأمريكية في الانتخابات الاسرائيلية، كذلك الفتور في العلاقات الإسرائيلية – الأوروبية خلال حكم نتنياهو، إلى غير ذلك من الأسباب. ولعل أهم ما يتحدث عنه أبو مازن في كتابه هذا هو مسألة الاعلان عن الدولة الفلسطينية، فيذكر أنه بدا واضحاً للقيادة الفلسطينية بأن تحديد موعد الانتخابات الإسرائيلية في 17/5/1999 كان نوعاً من التواطؤ بين حكومة نتنياهو والمعارضة الممثلة في حزب العمل، وذلك بهدف تفويت موعد 4/5/1999 دون تمكين السلطة الفلسطينية من اعلان الدولة، وفقاً لما كان مقرراً منذ عدة أشهر. وكان لابد من التحرك فلسطينياً لاثارة موضوع اعلان الدولة على أوسع نطاق، وذلك بهدف سد الفراغ السياسي الحاصل نتيجة رفض نتنياهو تنفيذ الاتفاقات الموقعة وانشغاله بالحملة الانتخابية. وكان أهم حدث في هذا المجال هو الزيارات المكوكية التي قام بها الرئيس عرفات، لأكثر من ستين دولة في العالم، لدفع هذه الدول لتأييد الاعلان عن الدولة الفلسطينية ولكسب تأييدها في حال اضطرار السلطة الفلسطينية للإعلان عن الدولة بشكل أحادي. فكانت حصيلة هذه الجولات وثيقتان هامتان جداً هما: البيان الأوروبي الصادر في 26/3/1999، المعروف ببيان برلين الذي يؤيد موقف السلطة الفلسطينية في اعلان الدولة ولكنه يتمنى عليها الانتظار ريثما تنجلي الأمور على الساحة الإسرائيلية. ثم الرسالة التاريخية التي بعث بها الرئيس كلينتون للرئيس عرفات في 26/4/1999، التي عبر فيها عن موقف أمريكي متطور نحو الدولة الفلسطينية والعلاقات الفلسطينية – الأمريكية. ولعل الأهم من ذلك، وفقاً لأبو مازن، هو كون التحرك الدبلوماسي للرئيس عرفات كان في حقيقته حركة ذكية مارسها أبو عمار دون أن يفصح لأحد عن نواياه المتمثلة في عدم الاعلان عن الدولة في 4/5/1999، لأن مثل هذا الاعلان من شأنه أن يخدم نتنياهو في حملته الانتخابية ويؤدي إلى فوزه في الانتخابات. هكذا يقول أبو مازن "كان الرئيس عرفات يمسك بالمقود ويعرف متى يستخدم الكوابح ومتى يطلقها، حيث كان الجميع يظنون بأنه ماضٍ قدماً في اعلان الدولة في التاريخ المذكور. فكانت دعوة المجلس المركزي للاجتماع وصدور قرار المجلس المركزي في 27/4/1999 "الذي أخرج القيادة الفلسطينية من المأزق الذي ظن البعض أنها وقعت فيه"، حيث أجل قرار اعلان الدولة ولكنه في نفس الوقت علق القضية الى حين.
محمود عباس ويكنى بـ أبو مازن ، الرئيس الثاني للسلطة الوطنية الفلسطينية منذ 15 يناير 2005، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية، وقد كان عباس أول رئيس وزراء في السلطة الوطنية الفلسطينية حيث تولى رئاسة الوزراء جامعا معها وزارة الداخلية في الفترة ما بين مارس إلى سبتمبر 2003، واستقال بعدها بسبب خلافات بينه وبين رئيس السلطة آنذاك ياسر عرفات حول الصلاحيات. بعد وفاة ياسر عرفات في 11 نوفمبر 2004، أصبح عباس رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ثم رشح نفسه لانتخابات الرئاسة الفلسطينية 2005، وفاز في الانتخابات ليكون ثاني رئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية منذ إنشائها في عام 1993. لعب عباس دورًا بارزًا في مفاوضات أوسلو عام 1993، وما تلاها من إتفاقيات، ومعاهدات كاتفاق غزة أريحا، واتفاقية باريس 1994، ضمن مسار التسوية السلمية.
تفاصيل انتخابات الكيان الصهيوني ١٩٩٩، مملة وليست مفيدة بحد ذاتها، انما ما كان يدور في كواليسها بين الصهاينة من جهة وبين الفلسطينيين (ابو مازن خصوصا) مع "مريدي السلام" الصهاينة المزعومين من جهة اخرى هو المهم.
كما يسلط الضوء عن المفاوضات غير الرسمية بين دمشق وتل ابيب، التي لم ترد في الاعلام العربي نهائيا.
مع الرفض الشديد لكل ما ورد بخصوص ارتباطنا بالانتخابات الصهيونية وبناء اي امل على نتائجها على مستقبل القضية الفسطينية، فقد خابت كل توقعات الكاتب التي كان يعول عليها بشدة وينادي بافكارها في ١٩٩٩ وقت نشر الكتاب.