رغم أن عمرها كشاعرة لايتجاوز العشر سنوات منذ صدور ديوانها الأول المتربصة بنفسها في1999 نجحت الشاعرة والصحفية غادة نبيل في أن طرح اسمها بين شعراء قصيدة النثر, وفي أن تضع لنفسها مسارا جماليا خاصا, غير عابئة بما يضعه النقاد من قوانين وثوابت بقصيدة النثر, مبتعدة عما أصبح يشبه الاستنساخات المتكررة في الشعر الحر.يصدر لها هذا العام ديوانان هما( تطريز بن لادن) عن دار العين للنشر, والطبعة الثانية لديوانها( أصلح لحياة أخري) عن دار شرقيات لتتم بذلك ديوانها الثالث في مسيرتها الأدبية الممتدة احد عشر عاما بدأتها بديوانها الأولالمتربصة بنفسها1999, وتلته رواية وردة الرمال2001, ثم ديوان كأنني أريد2005, تلك المسيرة التي عضدتها بإسهامات بالترجمة والنقد في عدد من الصحف والمجلات الأدبية, واشتراكها في تأسيس عدد من المجلات الأدبية المتخصصة منها أدب ونقد ومقدمة في ديوانها الأخير, تبدو غادة نبيل غارقة في تأمل منمنمات ثنائية الذات والآخر كما تواصل انعطافات خيالها نحو جغرافيا مختلفة, هذة المرة نحو باكستان وشبه القارة الهندية, فتتحدث عن بن لادن البطل والظواهري وأعضاء حركة طالبان الذين عايشت أشخاصا منهم خلال رحلتها التي تصفها ب الموجعة لباكستان, ذلك دون أن تفقد انجذابها المستمر للعالم النفسي, في بناء معتمد علي جمل شعرية مكثفة وحاد, وعلي خلفية احساس دائم بالفقد. **في ديوانك الأخير كما في أعمالك السابقة تبدو لديك حالة من الزخم بالثقافات الشرقية, هذه المرة الفارسية وتحديدا شبه القارة الهندية, جعل العمل يغلب عليه الطابع التوثيقي والأني في الوقت ذاته؟! لقد ووجهت بهذا النقد من قبل, ولكن علي العكس من ذلك تماما فهذا الديوان الذي كتبته فيما بين العامين2004 و2010 هو تجربة شخصية شديدة الايلام كادت تودي بي الي الانتحار في وقت من الأوقات, وترتبط الزيارة بشخص كنت أنوي الارتباط به, فكانت الزيارة مثل رحلة حج بالنسبة لي قبل أن تفسد الأمور, والديوان يطرز تجربتي الموجعة مع كل مكان زرته, كل شيء فكرت به, وجاءت كتابة الديوان للتطهر وكمن يطرد الشياطين أردت الكتابة عن احلام العمر واخطائه واهداراته, ولكن ربما الزيارة سمحت بالايحاء بالتوثيق ولكني لم أقصد توثيق الفترة التاريخية بدليل انني لم اسجل لغرابات كبري. ** هناك قدر من التبعثر والتنوع في الديوان, بالاضافة الي تعليق الكثيرين بضخامة حجم الديوان الواقع في310 صفحات فلماذا أصررت علي اصدار ال53 قصيدة في ديوان واحد؟ وأنا أرسل بالديوان الي الناشر كنت أعلم انني سأواجه بهذا السؤال, لكني علي العكس تماما أراه مناسبا لان هناك مظلة نفسية شاملة للحالة التي كتبت بها النصوص علي تفاوتها, وبالعكس فأنا اري ديواني أرشيفا نفسيا مختزلا وأي تفكير في تسويق وحجم الديوان قبل الطبع كان سيقودني الي أن أزن القصائد ب الكيلو وأقسمه علي ديوانين, بلا أي منطق فني كما أننا لايجب أن نظل قلقين علي التلقي, فعلينا أن نحرك القاريء الكسول قليلا. **في تطريز بن لادن هناك أمنية ملحة وحلم يتعلق بتحرر الحب؟ أمنية تحرر الحب وتحققه واكتماله موجودة وحاضرة دائما. لما يمتد الأمر بالحلم ويطول بدون تحقق, لابد أن تراوده منامات واحلام يقظة,ولابد ان يجد وسيلة للتعبير قبل اختناقه: في قصيدة.. في قصة.. في صورة خصوصا عندما يظل الحلم يراودك طوال سنوات **في قصيدتك( مسجد شاه فيصل) وهو المسجد الرئيسي في اسلام أباد تقولين: هو وهي يتمنيان النوم في حديقة باريسية/ تستطيع أن تداعب شعره هناك/ تستطيع أن تتركه يقبلها/ في الشارع/ والناس لن ينظروا كيف يبدو حلم الحب في اسلام اباد؟ كما انك قدمت هنا وفي مواضع أخري من الديوان صورة أخري لنساء باكستان وطالبان اللائي يصدرن الين باعتبارهن شديدي الأصولية والتطرف؟ الحب هو الحب, الصورة التي نعرفهاعن الاصوليين نحن من صنعناها, صحيح أنهم اكثر انغلاقا, ولهم زيهم قومي محافظ, ولكنهم في الحقيقة أكثر تحررا من مجتمعاتنا التي تسمح بالحب ولكنها تجرم فعله. كما لاتوجد لديهم تلك الدرجة من الانغلاق والامتثال الطوعي لحالة الاختناق والتسليم للاحتضار والرغبة في مغادرة الحياة كما في المجتمع المصري..أعطيك مثلا البشتون مثلا وهي مجموعة اسلامية عرقية لها جذور شرق إيرانية تقطن إقليم بلوشستان بغربي باكستان, ومن المفترض انهم سلفيون وخشنون, يفاخرون بتقديس الحب في مثل لديهم يقول اعطي اي باشتوني سلاحا وامرأة يحبها ويموت لأجلها ** في قصيدتك أنه تأثير الجبل تقولين رحم/ يجب أن يظل شاغرا/ علي مدي ألف وخمسمائة عام وهو ينتظر الرجل الذي يقرأ حوليات البامبو وتنتقدين قولبة المرأة وتأليهها المستمر أحتل أيقوتني/ اريد أن اشبه/ التي يخرج نهدها لابن الله فهل ترين ان المرأة لاتزال موضوعة في هذا القالب الطهراني الي اليوم؟ هذه القصيدة تحديدا هي في تصوري اقوي وأجمل قصائد الديوان. لكني هنا لا احكي الانثي, ولكن احكي قصة انوثتي انا, وما ارتكبته بحقها من محمل ألم شخصي انثوي يخصني, من هذا المنطلق حاولت انتقاد الرموز المحدودة التي تم تقطير وسجن الانثي العربية بها حتي اليوم, ففي قصيدة النثر تجدين حتي اليوم المرأة مازال يرمز اليها بالعصفورة وبمريم وبالغزالة, وما ألمسه في السبعينيين وما بعدهم من الشعراء مازلنا بدون وعي وبدرجات متفاوتة نرتكب هذا التعبير عن الأنثي, ونضعها في رموز محدودة, حتي الشاعرات يندر ان يمتلكن خصوبة الخيال او شجاعة الموقف وان يتجاوزون ذلك ويخترن صورهن مسموح لك فقط بالرقة يا عزيزتي ** ولكن هناك حس أنثوي لازمك طوال الديوان؟ أنا اصدق كقارئة ان هناك امورا في الكتابة تشي بجندر صاحبها, وفي مجتمع خانق مثل بلادنا, لانزال غير قادرات علي ان نتناسي انوثتنا في لحظة الكتابة, انا اكتب فقط, وليس مطلوب مني ان اصفي قصيدتي من أنوثتي قبل نشرها. ** في ديوانك الصادر في نفس العام( أصلح لحياة أخري) هناك ...
أصدرت غادة نبيل عدة دواوين هي 'المتربصة بنفسها' عام 1999 'كأنني أريد' 2005، 'أصلح لحياة أخرى' 2010، وأخيراً 'تطريز بن لادن'، وكانت قد أصدرت رواية في العام 2001 تحت عنوان 'وردة الرمال'، وأعيد طبعها في مكتبة الأسرة عام 2004.
شأتُ في الإسماعيلية إحدى مدن القناة في مصر. ابنة لأسرة بورجوازية متوسطة فأبي رحمه الله كان طبيباً بارعاً يحب مهنته والناس، وأمي تُدرّس اللغة العربية التي أورثتني حبها. جيراننا هم أصدقاء العمر اليونانيون الذين ما زالوا يزوروننا كلما أتوا إلى مصر بعد أن دُفِعوا إلى الهجرة منها كأقليات متمصرة كثيرة. ونزورهم كلما ذهبنا إلى اليونان. كان من الطبيعي دائماً وجود الحب في كل ما حولي ومن حولي. عدا التجربة المشتركة (بيننا وبين الجيران اليونانيين المصريين الذين اقتسموا معنا معايشة الحرب) لنزول المخابئ والاستماع إلى أصوات الطائرات الإسرائيلية إبان الغارات والتي كنا نعرف ونخمن منها البيوت التي ستحل عليها اللعنة، لنطلع عقب انتهاء القصف ونكتشف صحة تخميناتنا وأسماعنا، ثم 'الخروج' الذي أنهكنا مع تهجير المدينة.. التي كانت ما بين مدينة وبلدة، قبيل نكسة 1967، أقول عدا هذا التهجير القسري الفيزيولوجي والمعنوي عن الوطن الذي صار الإسماعيلية أو الإسماعيلية التي اختصرت الوطن. كانت طفولتي نموذجية، العصر الذهبي الذي استطال وبُتِر الذي عرّفني أول مذاقات السعادة والأمان، قيمتان لن تظهرا مرة أخرى في سماء العمر سوى مرة ثانية أخيرة ونادرة حين أحببت للمرة الأولى وأراها الوحيدة لدى سفري للدراسة في الخارج. تنقلت مع الأسرة منذ التهجير وحتى العودة الى أرض بلدي، تصادف ان ذلك حدث بعد عودة المدينة وإعادة تعميرها عقب حرب أكتوبر 1973. كنا قد عشنا في بلاد عربية مثل ليبيا التي سريعاً ما قامت فيها ثورة الفاتح وعشنا في بلاد أوروبية بحكم دراسة أبي. دائماً كنتُ أنتظر شيئاً لم يحدث.. لعلي كنتُ أنتظر شخصاً لا يتحقق في الواقع ! عن الشق الثاني من السؤال يمكنك تأمل كيف كنت مؤهلة للكتابة والتفكير دائماً بلغتين وثقافتين ربما حتى قبل تعلم القراءة والكتابة، بل إن أمي تخبرني أنني كنتُ أتقن اليونانية وأنا بعد طفلة فيحارون من الكلام أمامي بالعربية واليونانية حين لا يريدون أن أفهم شيئاً يتحدثون بشأنه، ولو أن أحداً غيرها قال لي هذا لما صدقت فأنا لا أتذكر كلمة يونانية واحدة. كانت الجارة التي تتركني أمي معها ببناتها اليونانيات ( الآن عجائز) تطعمني ساندويشات 'المورتاديلا' (لحم الخنزير) وتأمرني بتقبيل يد القس اليوناني الزائر فأمتثل وكن يعلقن صليباً على ملابسي لحمايتي حين تسوء صحتي وأمي لم تنزعج. مرة عدتُ مع إحدى البنات إلى البيت
يقولون لكل قلبٍ له قلب لم يقابله بعد، وأنت تريد أن تصدق لتواصل الحياة بالحنين الذي رمّل قلبك رملاً متحركاً مغشوشاً. . دعوني اعترف بالهزيمة بأني لم أنجح في صدِ ولو هدفٍ واحد . مميز وقريب للقلب
الديوان رائع و النصوص رائعة كثيفة تذكرني بالزبدة، لا يمكنك أن تستهلك الكثير منها و تملؤك بالحرارة و التساؤلات، المعرفة بحضارات و تقاليد و آلهة شبه القارة الهندية حتى إن الديوان ليبدو كرحلة هناك.. أعجبني ككل و أنصح بقراءته