دلال جازي مدهشة، وهي تملك تلك اللغة / النصل، التي ترفع كرسيا إلى السماء، وتهبط بملاك إلى الأرض. تستنبتُ أجنحة وقروناً وتخترعُ ألوانا غير مكتشفة. دلال مبدعة استثنائية، يبدو العالم .. من عينيها، مثل أرض بكر مغرية ومخيفة في آن.
لغة الأشياء / كم هو ثقيل هذا العالم؟! | باسمة العنزي | «كتبت ألمي، فصار العشب في الحدائق العامة كومة إبر خياطة»* فجأة بدأ الجميع يتساءل من هي الشاعرة... الحداثية... متقدمة الموهبة... الواثبة بقوة التي شرحت الأرنب الأبيض وتركته معلقا بعد أن فشل في الهرب؟ من تلك التي عبرت المكان المزدحم بالمارة و أعواد الثقاب كشبح من دون أن تترك دليلا؟ ولأن الاجابات الجاهزة لا تناسب شعرا استثنائيا لم يعرف أيا منهم من هي دلال جازي حتى هذه اللحظة! « كانت تكتب، سقطت دمعة مالحة على نقطة حبر زرقاء فأغرق البحر المدينة»* تجربة شعرية ناضجة تضع الكثير من الشعراء المحليين في مأزق حقيقي، فسقف المنافسة ارتفع، والشاعرة التي كتبت يأسها... حزنها... ألمها... ضجرها لا تريد أن تكون مسؤولة عن جريمة فرار عصافير الابداع من دائرة الطباشير طالما يمكنها تقشير تجربتها الناضجة بتمعن شديد! «لا تبالغ في الانتباه عيون السمك المفتوحة على الدوام كثيرا ما تتجه نحو الشباك»* انتبه أيها القارئ، فديوانها لا يمكن أن تحصل عليه بسهولة.نصوصها تتحدث عن اسماك لا تتلقفها شباك الصيادين، ودقائق حشرت في ساعة، وثمار تطير لتعود، وحماقات على وشك أن ترتكب، و حبة قمح بين مربعات الاسمنت، وموج يغرق السفن، وعالم ثقيل يخبئ الشعر في بيضة الرخ. ستداهمك تساؤلات قلقة عن سندريلا الشعر التي حركت الراكد بلمسة أولى، هل يمكنك ترقب اصدار ثان لها، هل ستنجو قصيدتها- بقوة المخيلة- من الحارس وفخ العتمة؟!... نتمنى ذلك بشدة.
* من ديوان «تشريح الأرنب الأبيض» للشاعرة دلال جازي، دار مسعى 2011.
الكمثرى كانت،تفاحة مستديرة.. لم تستجب للجاذبية ولا لأفكار نيوتن التي كان يحدث بها نفسه.. ولأنها ظلت متشبثة بالغصن.. فقد صعدت الجاذبية إليها.. لتستفسر عن الأمر.. وأحاطت بها من كل جانب.. فيما يشبه قبضة يد قوية.. يمكننا رؤية آثارها عليها، إلى هذا اليوم هناك في منتصف جسدها المضغوط.. ............ عندما آكل الكمثرى أتذكر هذا كله وأتلذذ به خيبة الجاذبية، كبرياء الثمرة التي لا تهمها قوانين العالم، ورأس نيوتن الخالي من الكدمات.
_ دلال جازي، تشريح الأرنب الأبيض دلال جازي:رائعة من فتيات الأدب الحديث.. صدمتني بكلماتها،لم تكن اسما معروفا،ولا اظن لها كتابا غير هذا،ولكن حسبي ان ادرك،أنه بمثل هذه الكتب يصبح الاسم معروفا.!؟ ارتقت بنفسي في السماء تارة بسمو كلمة،وهوت بها الى الارض تارة بقسوة أخرى..تشعر بأنها تعرف جيدا ماذا تريد أن تفهم...و...تفهم أكثر.!؟ ما يخطه قلمها يشبه"البحر"..اذا كتبت به أدرت بجميل "الدرر"،وإذا قرأت له،شعرت باحساس جامح بـ"العطش" مع كل "صفحة" ترتشفها.. رائعة يا دلال،وليكن عملك المقبل:"تشريح القلب البشري"،،فأنتِ بحق يمكنك ذلك،بلا ادوات تشريح،،تعرفين حقا مكامن التأثير في قلوب البشرية.!؟
دلال جازي تكتب بتلك اللغة النصل، اللغة القادرة على رفع كرسي إلى السماء، تكتب ضجرها فتلتهم ديدان بيضاء أطراف الستائر وأكمام الفساتين وأغطية الأسرة، تكتب ألمها فيصير العشب في الحدائق العامة كومة إبر خياطة، هي على يقين بأن المفتاح الذي دفن في الحديقة خشية أن يسرق، لن ينبت أبواباً، وأن ظلالهم الطويلة التي تسللت عبر السياج لا تعني أنهم معنا، وحدها القادرة على حبس الصيف في قارورة مربى المشمش، وبدمعة مالحة سقطت منها وهي تكتب، على نقطة حبر زرقاء، أغرق البحر المدينة !
يا إله الشعر!! ما الذي يمكن أن يُقال عن هذا الديوان؟! أنت حتماً لن تخرج ذات الإنسان بعد قراءتك لهذا العمل! هذه كتابة حقيقية، عارية، فاحشة ستحس بها عند حلقك لاذعةً، كاويةً، وقانية إنها جنون! جنون مستحيل!
كيف يفترض بي أن أبد الحديث عن ما قرأته في هذه المجموعة الشعرية الساحرة إن لم أقل ان دلال جازي طلبت في بدايته أن تحظى بلغةٍ جديدة ، اللغة التي هي معرفة وليست دلالة ، لذلك ليس من العبث أبداً أن تغرق في كل قصيدة فيه لأنك تريدُ بفضول البشري الحر أن تقتنص المعنى وأن تقطف الثمرة الناضجة . شعرتُ وأنا أتأمل في هذا الجمال أن الشاعرة كما لو أنها كانت تضرجُ لوحةً بيضاء بألوانٍ ترتبط مع بعضها في علاقات جديدة لم تكن قبلُ قد أجتمعت وعندما تنتهي منها تقدمها لنا صادقة وحقيقية ومدهشة ,, أرنبها الأبيض الذي عجز عن الهرب وما حصل على الحرية التي يستحقها وخوفها الكبير من أن لايكون وحده في القفص ، هاجسها الكبير والملح ,,,, كان للمعاني الوجودية نصيب في هذه المجموعة الشعرية فدلال لم تغفل عن التصريح بموقفها من الموت ، و عن دور هذا الوجود في دفع الإنسان لكي لا يكون ككل الأشياء الواقفة فيه ولكنه ما يلبث إلا أن يصبح مثلها في أحايينَ كثيرة ! فتقول : هذه الأثناء يفكر الطين في شيء واحد يستحق أن يكونه قبل فوات الأوان ولأنه موقنٌ بقدرته على خلق نفسه فلقد لمس القدرة الأولى يمضي وقتي طويلاً في التفكير إلى أن يجف على هيئة قدمين ترتفع إحداهما في وضعية هرب وعين واحدة مفتوحة على الدوام تتطلع إلى السماء بنظرة غير مفهومة . / .. هذه الطريقة المدهشة في الإمساك بالروح وصناعة االجسد الكلامي الذي يتلائمُ وإياها تستحق كامل التقدير والثناء ، ويبدو لي أن دلال أسهبت في التدبر وأجازت في القول وهذا هو الإبداع الذي ننتظره من الحداثة الشعرية ! .. وهاكم بعضاً من الإقتباسات الرائعة : هذا المساء حبست أمي الصيف في قارورة مربى المشمش / الظل تابعنا الأمين هل سينكسر عندما يكتشف ، أننا أوصلنا للجهة الخاطئة؟ / يا لبؤس الشجرة التي ينتهي بها الأمر عكازاً في يد الخطاب يشيخان معاً، القاتل وضحيته بينما الفأس ، مسندة رأسها إلى الجدار تلتمع بسخرية / كانت تكتب ، سقطت دمعة مالحة على نقطة حبر زرقاء فأغرق البحر المدينة / السماء ساعة منبه ضبطها شيخ على موعد القيامة ماذا سيهمه ، لو أنها أمطرت أو لم تمطر ما دامت ستدوي فيما بعد في انفجار عظيم ؟ / نحن أسرى السهولة ، غفوة الكائنات ، ملائكة مترفون قشرة الشيء، يأس اليقين المضاعف ، ارتداد البصيرة الى ربها ، كل ما يستمر... كل ما يستمر / يمكنني أن أنسى المفاتيح وقتما أريد وأن اطرق الأبواب الخاطئة ثم التظاهر بالدهشة ، عندما لا يفتح أحد / كتبت ضجري، فإلتهمت ديدان بيضاء أطراف الستائر وأكمام فساتيني ، وأغطية الأسرة ...
الكتاب: تشريح الأرنب الأبيض المؤلف: دلال جازي الناشر: مسعى للنشر والتوزيع – البحرين
....
* رائد انيس الجشي ماذا يعني أن تكون أرنبا في زمن فيلة؟! اضطر «فيروز» الذكي في كليلة ودمنة إلى أن يحتال بطريقة ما ويفكر بشكل مختلف ليحافظ على بقاء من يحب وحين نعود للواقع نجد أن الأرانب هي الأكثر عرضة للانتهاك لا لغرض الأكل فحسب كغريزة حيوانية بل للتعليم والتجريب العلمي، وأرانب الجازي ليست بعيدة كثيرا عن ذلك إلا أنها أيضا ليست مجرد حيوانات نقص على لسانها الحكمة ولا حيوانات تربى في جزيرة ليجرب على عينها أثر غاز، بل أرانب تشبهنا ففي نص «نزهة قصيرة مع ت. س. إليوت» من مجموعتها «تشريح الأرنب الأبيض» تقول دلال جازي عن أرنبها الأول «الأرانب المسلوخة/ تستعيد فراءها وتقفز أمامنا/ من مكان عال». تلك المفارقة القابلة للتأويل كالفرح الذي يليق بعد جهد والإنسانية التي تستعاد بعد انسحاق أو السؤال الذي يجعلنا نفكر بقيمة م�� نصنع كعامل أجنبي يُسحق بثمن بخس لتبنى مدينة شامخة أو ألم يعتصر شاعراً وهو يرتل قصيدته فيبتهج بعذوبة عذابها المتلقي، أرانب تستعيد الفراء ملكها بعد عملية تطهير قاسية حد السلخ والجازي تتكئ على الثقافة القرائية كالبصرية للمتلقي فهي ليست ممتنعة بل متمنعة في عدم لا تستخدم النسق المباشر في الطرح، ولكنها تهب كلماتها المفاتيح للمتلقين في العنوان حينا أو في طيات النص. أرنبها الثاني في نص يحمل ذات عنوان المجموعة الذي يجعلك تسأل كيف يمكن أن تتخلص كاتبته من مأزق اختيار عنوان يحيل القارئ إلى موضوع التشريح العلمي البحت وتجد إجابتك وأنت تقرأ وتنتقل من العلمي للتأملي للشاعري في قسوة الطريق الشائك ليصنع حياة تليق بإنتاج بسمة ويتحول إلى كيان أشد براءة فيتبادل بياضه مع الطفولة حد التشاكل فيكون الخلاص بعد صبر ممض. كأن تنتهك فلا ينتصر لك إلا القدر وتكون أقرب من منتهِكك إلى من انتهَكك من أجله وذلك انتصار يليق بك. والجازي لا تخبرك بما هو صائب أو خطأ بل تشركك مع أرانبها في التجربة ذاتها وتجعلك تعيش الحدث حتى تجد نفسك أحيانا قطرة الدم المتساقطة من الأرنب المشرح بفلسفتها وهي تفكر بأنها القطرة الأخيرة مثلا. أما في نص «استيقاظ» فيظهر أرنب ثالث ولكنه يظهر ليختفي بشكل حقيقي ودون خدعة في قبعة الساحر ويحقق معجزة اندماج الذات بمثالها بتلك التي تخاطبه وتسر له أفكارها وتطلعاتها في المرآة، بذلك الزمن الموروث وذلك الزمن الخاص وذلك الزمن الذي يسير بنسبية مفرطة متماهيا مع ما وراء فكرنا وتأملنا في الوجود والموت. هذا الأرنب كان موجوداً في نص آخر لم ينشر بهذه المجموعة تقول فيه «كان الأرنب طوال هذا الوقت في القبعة» كحقيقة تثير أسئلة أخرى وهنا اختفى. أما أرنب دلال الأخير في نصها «غرفة» فهو أمنية تحرر لنافذة بشرية في العينين تماما والأرنب يتحول من كائن جميل محبب مسحوق كإنسان ونفعي للآخرين وحالة تفكر في الوجود والحياة إلى أمل مرغوب وحلم يفتقر إليه. أرنب ليس أبيض «وتبدل اللون يدعو للتأمل» أرنب لا يليق بمشرط تجريب الحياة وليس طيبا بما يكفي ليمارس الصمت. الحالة النقدية التي يمكن أن تقرأ كانغماس أدبي في تجربة ضعف البصر في النص تفتح المجال لكثير من مجالات التأويل كمساحات كثيرة من نصوص المجموعة فالأرنب ليس الحيوان الوحيد الذي يعاد إنتاج ألمه وتي إس إليوت ليس الناقد أو المفكر الوحيد الذي تعيد الأديبة التفكير بما يقوله وتتجاوز اقتباسه إلى كتابة رؤيتها الخاصة ضمن سياق نصها الأدبي.
This entire review has been hidden because of spoilers.
تشريح الأرنب الأبيض يجعلك تنظر للأشياء من زاوية مختلفة ، و تتناغم مع الطبيعة بشكل جميل..
"الجسور و النجوم ، الشمس و التفاح ، التلال و الوديان و الشهب ، الضفادع و البرك ، الأشجار و القطط و العصافير، أبو الهول ، الحديد و الصدأ، الأنابيب ، الكبريت ، النحاس ، النتروجين ، الجزيئات، التفكك..."
دلال جازي هنا تعلمك كيف يمكن جعل حتى مصطلحات المواد العلمية تتماهى مع اللغة الشاعرية بشكل سلس ، دون أن تحدث نشازاً.
الهواء الذي حرك الشراع الهواء الذي هو أنفاس ملايين البشر الهواء الذي في التلويحة والصعود والنزول والتمزق العضلي لركبة راكضة,وفي الثلث الأعلى من رئة طفل يصيح الهواء الذي في ضربة سريعة من سوط,وفي سماء تدنو شهيق,فتحتشد الملائكة والكائنات وعذابات لامبرر لها وأدوات معدنية في صدري.
عرفت الكاتبة من خلال النت, ادهشتني اللغة وسعيت خلف الكتاب جميل جدا جدا.
ذكاء العبارة وعذوبة سبكها ديوان يعلق في البال طويلا
( الظل تابعنا الأمين هل سينكسر عندما يكتشف، أننا أوصلناه للجهة الخاطئة؟ - 'كم هو ثقيل هذا العالم' قالت ورقة العشب التي أحنت ظهرها قطرة ندى. - أكره الجسر مالذي يهمه، لو أن ضفتين لن تلتقيا أبداً؟ أنا لا أفهمه! - خشخشة المفاتيح في الجيوب تستهزئ بباب ينتظر. )
دلال الجازي.. فتاة لديها القدرة على تحويل الكلمة إلى راقصة باليه مبللة بالعرق، انتهت من عرضها للتو، تقفز على السور الفاصل بين البحر واليابسة، وهي تلعق خيط من الآيسكريم، سال بين أصابعها..
عودة للقراءات العشوائية بشيء من التعطّش للجمال. في هذا التشريح أجد دلال جازي ضاجّة بالشّعر في نواح وراكدة في نواحٍ أخرى. فتماهيها مع رمزيّة الظلّ مبتكر جدًا، الأبواب والأقفال أيضًا، أثر المعنويّ في الماديّ جدّ جميل كعكسهما - مثالًا لا حصرًا. أعجبت بالنصوص التي تخرج من داخلها، وأجد نفسي متمنعة عن النصوص التي تداخلت بشكل أو بآخر مع أعلام أدبية.
الكتاب عبارة عن نصوص قصيرة و متنوعة، بعضها مدهش و جميل،إلا أن بقية النصوص غارقة في الرمزية إلى الحد الذي يجعلها بلا معنى. لكن في العموم هو كتاب فريد، فمخيلة الكاتبة صنعت عوالم غريبة من الدهشة بنصوصها.
نصوص مدهشة بأفكارها، تنوع أساليبها، ممتعة جدا وتبقيك تنتظر المزيد من الدهشة في كل نص. تكتب جازي نثرا بسيطا و بصور من الواقع القريب. أحببتها بشكل كامل وربما اجمل نصوصها الكمثرى وقائمة جرد المتعلقات الشخصية.