يحتوي هذا الكتاب الدراسات والتعقيبات والمداخلات التي شهدها اللقاء السنوي الثامن عشر لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، وكان موضوعه هو "الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية: دراسة مقارنة لدول عربية مع دول أخرى". ويطرح الكتاب سؤالاً محورياً هو: "لماذا انتقلت دول عدة في جنوب وشرق أوروبا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وأفريقيا إلى الديمقراطية بينما تأخر العرب؟". وللإجابة عن هذا السؤال تصدى عدد من الباحثين العرب لمهمتين أساسيتين، الأولى معرفة الأسباب التي كانت وراء نجاح الكثير من حالات الانتقال من نظم حكم الفرد أو القلة إلى نظم الحكم الديمقراطي في جنوب وشرق أوروبا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وأفريقيا، واستخلاص العبر والدروس من هذه التجارب، والثانية دراسة العقبات التي تحول دون إتمام حالات انتقال مماثلة في دول عربية شرعت في عمليات انفتاح سياسي غير أنها لم تشهد حالات انتقال حقيقية ومكتملة نحو الديمقراطية. ولعل من أهم استنتاجات هذا الكتاب هو أن الانتقال إلى الديمقراطية في البلدان العربية يتطلب توافقاً بين القوى السياسية التي تنشد التغيير السلمي على النظام الديمقراطي بأسسه ومبادئه وآلياته وضوابطه المتعارف عليها كنظام بديل لنظم حكم الفرد أو القلة. وهذا الاتفاق يتطلب، بدوره، إيمان هذه القوى ذاتها بالديمقراطية، واعتدال خطابها السياسي، وانفتاحها على كافة القوى، ثم تكتلها من أجل توسيع قاعدة من يرون في الديمقراطية مصلحةً لهم، والضغط على السلطة بهدف خلخلة تماسكها، وإضعاف جبهة الداعمين لها، ودفعها إلى القبول بالانتقال فعلاً إلى الديمقراطية..
منذ مدة ليست قصيرة نما عند بعض المثقفين العرب شعور بأن قضية الوحدة العربية لم تعد تحتل المكان الأول- كما كانت في السابق – في الاهتمام العربي، وبالتالي بضرورة لفت نظر الرأي العام العربي إلى ذلك . وقد اكتسب الشعور بضرورة إعادة تحريك قضية الوحدة قوة جديدة على أثر نكسـة حرب الخامس من حزيران / يونيو 1967وقد عبّر هذا الشعور عن نفسه، بادئ ذي بدء، وعلى أثر النكسة مباشرة، بنشاط ثقافي محدود في دمشق وبيروت، أخذ شكل عقد بعض الندوات لمناقشة ضرورة الوحدة وجمع تواقيع عدد من المثقفين العرب على نداءات بهذا المعنى نشرتها، خلال عامي 1967 و 1968 ، مجلة "دراسات عربية" إلا ان الشعور بأهمية الوحدة، وبضرورة القيام بعمل ثقافي مستمر من أجلها ، قد استمر بشكل تشاور فردي ، خلال مدة جيدة من الزمن، إلى أن تبلور الموضوع باتجاه تأسيس مركز للدراسات عن قضية الوحدة العربية. وكان أول إعلان عن هذا الهدف قد عبر عنه البيان الذي صدر في بيروت ونشرته بعض الصحف العربية في عام 1975 ، وقد تضمن البيان المذكور شرحاً واضحاً لأهدافه وطريقة عمله ووسائله، ووقّعه اثنان وثلاثون مثقفاً من مختلف أقطار الوطن العربي ولأهمية هذا البيان ندرجه فيما يلي بالنص
بيان حول تأسيس "مركز دراسات الوحدة العربية"
كان للنكسات التي لحقت بقضية الوحدة العربية أثر عميق على التقبل الفكري والعملي لهذه القضية القومية، وعلى مقدار الاهتمام بها فبعد أن كانت قضية الوحدة تحتل المكان الأول في اهتمام الرأي العام العربي والمركز الرئيسي في نشاط المثقفين العرب، أصبحت بعد تلك النكسات - خاصة بعد فشل الوحدة المصرية السورية والمشاريع الوحدوية التي تلتها – في مكان ثانوي يدل عليه فيما يدل كمية ونوعية الإنتاج الفكري الذي يدور حول هذه القضية المصيرية
إن الصراع الذي تخوضه الأمة العربية ضد الاستعمار الصهيوني الإسرائيلي والإمبريالية، بما يمثلانه من تحد خطير لمصير الأمة العربية على الصعد السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية ، يتطلب اهتماماً عميقاً وجاداً بتحقيق خطوات وحدوية عملية وإلى جانب هذا الحافز السلبي في طبيعته هنالك حوافز إيجابية تنطلق من مزايا الوحدة وقيمتها الذاتية ، أهمها توق العرب إلى الحضور الفعال في مجالات التطور العلمي والتكنولوجي واستعجال الزمن في عملية التنمية الاقتصادية الاجتماعية والتطوير الأفضل للطاقات والقوى العربية الهائلة من بشرية ومادية – وبالتالي بلوغ تحقيق أفضل لإنسانية الإنسان العربي إن هذا التوق يتململ في ضمير الوطن العربي، في عالم يشهد التطور السريع والمذهل في قدرات البلدان الصناعية وإنجازاتها في مختلف الحقول، إلى جا
النجمتين للفصل الأول المعنون (مداخل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية) لأنك لما تقرأه تتأكد أن هذا الفصل موجه لجميع القرّاء أما بقية الفصول مكتوبة للمتخصصين في هذا المجال والمحبين للتنظير
هذا الكتاب يستعرض الأوراق التي قدمت والمناقشات التي دارت حولها في اللقاء الثامن عشر لمشروع دراسات الديموقراطية في البلدان العربية، وهو جهد شاركت فيه مجموعة من المفكرين والأكاديميين العرب في الفترة الواقعة بين عامي ١٩٩١ و ٢٠١٠
هذا اللقاء تحديداً أقيم في منتصف عام ٢٠٠٨ قبل عامين ونصف على انطلاق شرارة ما اصطلح عليه بثورات الربيع العربي. ركز اللقاء على عقد دراسات مقارنة بين الدول التي تمكنت من الانتقال الى الممارسة الديموقراطية ونظيراتها العربية لاستخلاص عقبات التحول الديموقراطي في الدول العربية. وتلخصت النتيجة الأبرز في هذا اللقاء حول الحاجة الملحة لتكوين كتلة تاريخية تتوافق حول الديموقراطية كنظام بديل لنظام حكم الفرد أو القلة، وتؤمن إيماناً تاماً ودون مواربة في الديموقراطية.
هذه الأطروحات الاستشرافية سبقت زمانها بالفعل، إذ جاءت تحركات الشارع العربي في ٢٠١١ لتؤكد فعالية المطالب الشعبية عندما تتوافق القوى المحركة للشارع على هذا التصور للتغيير، ورجوعها للمربع الأول عندما تتصارع بينها على السلطة وتتناحر حول انتماءاتها الطائفية والفكرية والقبلية.
يتساءل المرحوم رغيد الصلح في مداخلة استشرافية ثاقبة له في الجلسة الختامية لهذه الندوة: "ماذا سيحدث بعد التغيير؟ هل ستستمر الكتلة التاريخية أم تنفرط ويستولي عليها الطرف الأقوى ويطرد الآخرين ونتقل الى مرحلة جديدة للاستبداد؟"
المشكلة أن بعض القوى السياسية استعجلت التغيير وتدافعت للاستئثار بمكتسبات الثورة وظهر عدم إيمانها بالعمل الديموقراطي او على أقل تقدير فهمها القاصر له، فأفسحت المجال لعودة النظام القديم ووثوب القوى الخارجية لعرقلة التغيير الديموقراطي"
بعيداً عن هذا كله وبما أننا عدنا للمربع الأول وربما ما قبله، أجد أن أبرز ما يمكن استخلاصه من هذا الكتاب بالإضافة الى أهمية الكتلة التاريخية هو أن مطالبتنا بالتحول الديموقراطي ليست بدعةً وحلمنا بهذا التحول ليس مستحيلاً اذا توفرت لدينا إرادة التغيير وتحملنا كلفته.
الندوة التي نتج عنها هذا الكتاب تعود إلى ما قبل الربيع العربي، وبالتالي فإن معظم طروحاته الكتاب ومحاوراته أصبحت غير ذات صلة بواقعنا اليوم. رغم ذلك، أظن أنه من المفيد الإطلاع على هذا الكتاب من باب التعرف على رؤى قسم من الإنتلجنسيا العربية لواقع مجتمعاتها قبيل أحداث الربيع العربي.