عقلاء المجانين عنوان أطلقته الثقافة العربية على الذين يقولون ما يخشى السياق المجتمعي النطق به ما يقوله المجنون العاشق هو ما يتمناه كل من لم يجد الحب ما يقوله المجنون الناقد هو ما يعرف تماما كل المجاملين أنه الصواب ما يقوله المجنون الصادق هو ما يؤرق ضمائر كل المدعين ما يقوله مجانين الشعراء هو حكمة ما وراء المنطق هذيان الشاعر الحداثي يرفض أن يكون تصنيفا للكلام خلف أسوار المارستان هذا هو عين العقل لأن المجنون القديم كان عاطفيا جدا كانوا يبكون عليه عند الرحيل ويجمعون أخباره كانوا يتركونه وحده في صحراء صمتهم ثم يتخذونه بعد الرحيل قناعا دراميا يتحدثون خلفه بمعاناتهم وأسرارهم وأفكارهم المغتربة في شوارع ذاكرتهم هل لهذا السبب تنتشر كلمة الشوارع في ديوان رضا العربي فكأنك تسير معه في قلب القاهرة، وتجالسه في المقهى الذي اندثر وتصاحبه وهو ذاهب للمدرسة التي التقى فيها بتلامذته فعلمهم الشعر خارج المقرر مثل معلقة عربية حافلة بالأماكن البعيدة التي تذوب ملامحها في الأحلام فتتشكل مرة أخرى واصلة متواليات الشعور التي يتوارثها الناس المعذبون بالفقد والسكن في عيون الكلمات حداثة بنبل الأشجار وعراقة الأهرام وإشراقة الأطلال على الناظر المتوسم
وصلني هذا الديوان بإهداء الشاعر في أكتوبر 1997 فأشكر للصديق رضا العربي ذوقه وكرمه ، وأشكر له معالجته لإبداع قصيدة النثر بجدية وعمق وخصوصية في سياق زمن تتردد فيه أصوات مميزة مثل عبد المنعم رمضان وجمال القصاص وأمجد ريان وأحمد طه ورفعت سلام وغيرهم ، وقد استوقفني العنون كثيرا لأنه منطلق جمالي لحركة المعنى الشعري بخاصة أنه يقيم تناصا محوريا مع المفهوم العربي القديم لهوية الشاعر بوصفه ذاتا أكلقت العنان لمكنونات عالمها النفسي مصرحة بما لا يقال تحت ستر المنطق المسيطر على السياقات الاجتماعية من ناحية ، ويقيم تناصا آخر مع أدب الجنون بوصفه مواجهة بلاغية للخروج على أنماط التعبير الجامدة التي تخضع المبدع للتقاليد وتغلف أقواله بحكمة مفتعلة تساير المفاهيم الراكدة ، من هذا المنطلق كان أدب الجنون ثورة إبداعية تجيد فنون الحجاج بشكل كاشف للسلبيات متخذة من البلاغة داة تعبيرية للتعبير بصورة غير مألوفة عن ظواهر سلبية معروفة هذيان لفظ من معجم السلب ، ولا يليق بناء نحوي للسلب أيضا ، ومجنون لفظ سلبي للخروج من دائرة العقل أيضا هذه المتوالية الثلاثية للاستلاب تطرح مقابلا إيجابيا تحت السطح السلبي ، فالدلالات الشعرية تتخذ من الوجه الغائب للدلالة الظاهرة مجالا للمعاني الهذيان يصبح حضورا للمغايرة ولا يليق بمجنون تعبير يعني أنه يليق بالعقلاء ، لذلك يصبح الشعر خطابا يتجاوز الاستعمال اللغوي المألوف في سياقات لا ترتكز إلى الفكر السليم ليواجه الجنون الحقيقي السائد اجتماعيا بالحقيقة الجمالية الكاشفة للكلام الزائف المتستر بالنغم التقليدي للشعر القديم
في قصائد " هذيان لا يليق بمجنون " إشارات لنظرية قصيدة النثر ومفهومها وتجاوزها للإيقاعات الجاهزة : " سأعلق الموسيقى على الجدار وأنشج طويلا تحت مطرها وأمزق تقويم السنة التي لن تأتي". كانت الرغبة في حداثة حقيقية تصنع نموذجها الجمالي من تجربتها الشعورية وبقراءتها الخاصة لتراثها الشعري حاضرة بوعي في نصوص رضا العربي بخاصة قصيدة " طلل " وقصيدة " هذيان لا يليق بمجنون " عنوان الديوان وقصيدة " جناز صامت لموت ليلى " التي يكتب رضا العربي فيها : " لأن ركنا ما تسكنه موسيقى جنائزية لا يأتي ليؤازر روحك لقلبك في انطفائه الأخير ينمو شرك المواعيد والذكريات ........... تحت شجرة الوحدة تموت امرأتي
إن حالة الجدل مع التراث العروضي قائمة ، ولحظة الإبداع متنازع عليها بين النسق الإيقاعي الموروث والتدفق النفسي الآني المتوتر واللغة مجازية إشارية ضاربة في خمائل المعجم الشعري عبر العصور في تعبير عن انتماء الشاعر لثقافته مع بحثه عن صيغة لوجوده العصري ، وتصل بعض التعبيرات لدرجة الملحمية مثل العبارة الأخيرة " تحت شجرة الوحدة / تموت امرأتي " فهي تصوير استعاري لعملية الإبداع الشعري التي يعايشها المبدع منفردا غارسا شجرته في قلب الفضاء الثقافي معلنا الخروج من العناق الإبداعي من ناحية ، ومشيرا إلى غياب المتابعة النقدية عن كثير من الأعمال الجادة في الوقت نفسه من ناحية أخرى
وتندفع الأجواء العميقة للذات وهي تقوم بتصوير مفردات عالمها الخاص لتنطلق على الورق في مونولوج شبيه بتيار الوعي مسجلا مادة تصلح لاستخلاص أعمال درامية عن علاقة الإنسان بالمكان والزمان والآخر من خلال معايشته لكل ما يلتقطه من السياق المتزاحم بروتينية حوله محيله إلى زحام جمالي له منطقه في مخيلته الخاصة على نحو يقيم رابطا خفيا بين المتناقضات ويصل النفسي بالاجتماعي والحاضر بالتاريخ
My first book; was written 1993 and published 1997, won The Best Book of Poetry Prize,given by the General Organization of culture palaces in Egypt, the head of the committee gave it the prize was the greatest modern Egyptian poet Muhammad 'Afifi Matar