يعدّ هذا الكتاب الجليل الذي بين أيدنا من الكتب الأصيلة في تفسير ألفاظ القرآن، ويحفل بنظرات جديدة وتحقيقات بارعة واستدراكات قيمة على كتب اللغة والتفسير، فهو على صغر حجمه وقلة مادته-يعد من أفضل الكتب المصنفة في بابه. وتبرز قيمته وميزته من جوانب كثيرة منها: أولاً: مقدماته التي تناول فيها مسائل مهمة تتعلق بلغة القرآن، ثانياً: منهجه في تفسير الألفاظ، ثالثاً: تقديمه لتفسيرات جديدة لبعض الألفاظ، رابعاً: كشفه عن أصول جديدة ترجع إليها مشتقات المواد اللغوية، خامساً: تفسيره لبعض الشعر القديم خلافاً للشراح جميعاً، سادساً: احتوائه على شواهد شعرية جديدة، سابقاً تأصيله لبعض الكلمات التي زعم الطاعون أن القرآن أخذها من اليهود والنصارى.
ولأهمية هذا الكتاب وللمكانة التي يحتلها مؤلفه الإمام عبد الحميد الفراهي (1280-1349هـ)، قام الدكتور محمد أجمل أيوب الإصلاحي بتحقيق نص مادته، وبالرجوع لعمل المحقق نجد أنه يتجلى بـ: أولاً: اعتنى بتوثيق النص، وبالتمييز بين أصل مادة المخطوطة وبين الزيادات، فقام بجمع الألفاظ التي أضيفت أليه في ملحق آخر الكتاب، ورتبها كترتيب الأصل، ثم قابلها بمصادرها المطبوعة والمخطوطة من كتب المؤلف. أما النصوص التي زيدت لإكمال ما ورد من الأصل في تفسير الألفاظ فأبقاها في مواضعها بعدما قابلها بمصادرها من كتب المؤلف، ثانياً: رقم الألفاظ القرآنية، وقسّم النص إلى فقرات وضبطه، ثالثاً: علّق على النص وشرحه، رابعاً: خرّج الشواهد من الآيات القرآنية والأحاديث والأشعار والأمثال، خامساً: دوّن تنبيهات على ما وقع في أصل الكتاب من سهو أو وهم. سادساً: دوّن ترجمات للشعراء، سابعاً: زاد على شواهد كثيرة منها ما وقف عليه في قراءته للدواوين الشرعية، ومنها ما أشار إليه المؤلف في حواشي الدواوين التي دارسها. وكانت طريقته أنه إذا مرّ ببيت ورد فيه لفظ من ألفاظ القرآن، مما يحتاج إلى الاستشهاد عليه، قيد ذلك اللفظ بجانب البيت في الحاشية، وربما فسره أو علق على البيت، ومن أكبر تلك الدواوين كتاب شعراء النصرانية.
Hamiduddin Farahi (18 November 1863 – 11 November 1930) was an Indian Islamic scholar known for his work on the concept of nazm, or coherence, in the Quran.
He was instrumental in producing scholarly work on the theory that the verses of the Quran are interconnected in such a way that each surah, or chapter, of the Quran forms a coherent structure, having its own central theme, which he called umood. He also started writing his own exegesis, or tafsir of the Quran which was left incomplete on his death in 1930. The muqaddimah, or introduction to this is an important work on the theory of Nazm-ul-Quran.
منذ أن قرأت أول مرة للشيخ الفراهي، وأنا معجب بقلمه ولغته الفخمة وأسلوبه في الاستدلال والحجاج وجرأته في طرح آرائه ولو كانت مما يتفرد به ومن المفارقات، أن أول كتاب قرأته له، "إمعان في أقسام القرآن"، هو من كتبه القليلة التي أتمها أما كتابنا هذا فهو من كتبه التي لم يتمها، لكن مادته القليلة التي بين يدينا، دليل على تبحره في اللغة العربية وطول باعه فيها بل دليل على معرفته بلغات أخرى لا يستغني عنها الباحث في أصول المفردات القديمة مثل العبرية والآرامية أو السريانية، لا أذكر بالضبط لأني أكتب المراجعة من الذاكرة الكتاب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مفردات أتمها المؤلف مفردات وضع خطة البحث فيها وخطوطه العريضة ومفردات جمع المحقق كلامه عليها من مصنفاته الأخرى
كتاب من رتبة كتب الأئمة السابقين المدققين يظهر سعة علم المصنف بكلام العرب وأدبهم وأساليبهم فضلا عن اطلاعه على صحف أهل الكتاب وألسنتهم، زاده تكميل المحقق جمالا و نفعا. فلا غنى لطالب فهم القرآن عن هذا الكتاب مع كتاب نظام القرآن للمصنف رحمه الله. قال الشيخ عبد الله الداغستاني: "تحقيق الشيخ محمد أجمل الإصلاحي لكتاب (مفردات القرآن) للفراهي مثال على ؛ ١) دقة التحقيق من جهة ومنهج التعليق على الكتب بما يخدم مقاصده من جهة أخرى. ٢) الكتاب بهذا التحقيق يصح أن يتخذ مدرسة في منهج تحقيق الكتب التي تركها أصحابها مسودة ناقصة. ٣) الكتاب بغير هذا التحقيق لا يكاد يصح الاعتماد عليه باعتباره نص الفراهي الذي يؤمن به. ٤) وأخيرا الكتاب وتحقيقه مفيد لدارس التفسير غاية الإفادة، لكنه في الغالب إفادة في منهجية تناول المفردة القرآنية أكثر من دراستها وبحثها نفسها، فالكتاب يشرح لك الطريق ويبين أعلامها، ثم يتركك لتسير بنفسك في متاهاتها. "
نص كتاب المفردات بملحقاته يقع في قرابة 300 صفحة، أما ثبت المصادر والمراجع والفهارس العامة ومقدمة المحقق فتقع في قرابة ال180صفحة. الكتاب يبدأ بخمس مقدمات ترسّخ بعض الأصول العامة والمعارف الكلية والمسائل المتعلقة بلغة القرآن. وهو أول الكتب الخمسة التي ألفها الفراهي -رحمه الله- تمهيداً للسبل إلى معرفة أسرار القرآن وسعياً لرؤية بواطن حكمته، وفيه أهم العناصر التأسيسية للطريقة الفراهية في فهم القرآن، وهو أهم الكتب التي تمثل منهج الفراهي، لكن من المؤسف أن المنية عاجلته دون إتمامه.
الفراهي لم يرد لكتابه أن يجمع كافة المفردات القرآنية بل قدم المفردات التى اختُلِف في معانيها أو تحديد مدلولها مما تقتضي الشرح، معتقداً أن معرفة هذه الألفاظ المفردة لازمة لمعرفة المعاني المستمدة من مجموعها والاطلاع على الحكم والأسرار التي تحصل من بطونها، فإن الخطأ ربما يقع في نفس معنى الكلمة فيبعد عن التأويل الصحيح أو في بعض وجوهه فيغلق باب معرفة النظم. ولقد أشار المؤلف إلى ذلك فقال: “لا يخفى أن المعرفة بالألفاظ المفردة هي الخطوة الأولى في فهم الكلام …. فمن لم يتبين معنى الألفاظ المفردة من القرآن غلق عليه باب التدبر وأشكل عليه فهم الجملة، وخفي عنه نظم الآيات والسورة ….. وربما ترى أن الخطأ في معنى كلمة واحدة يصرف عن تأويل السورة بأسرها …. وهكذا ترى الخطأ في حد كلمة واحدة أنشأ مذهباً باطلاً، وأضل به قوماً عظيماً، وجعل الملة الواحدة بدداً ….. فإن معظم القرآن الحكمة، وهي الأصل، ولا سبيل إلى فهمها من القرآن دون الاطلاع على معاني كلماتها المفردة” “فإن من عرف معنى الكلمة وأحاط بوجوهه وما يتعلق به من الأحوال، أمكنه أن يطلع على ما هو أكملُ رِباطاً و أحسنُ تأويلاً”.
تجلت في الكتاب حذاقة الفراهي اللغوية والأدبية، وعلمه العميق والقدرة على الشرح والتطبيق، وشجاعته النقدية، ومعرفته الواسعة باللغات وأساليب الأدب والبلاغة وتذوقه للكلام العربي والشعر الجاهلي، والاطلاع على الصحف السماوية والأحاديث والآثار وكذلك كتب المتقدمين في التفسير وعلوم القرآن، وتضلعه من اللغات الأجنبية من الإنجليزية والفارسية والعبرانية وإلمامه بالأصول اللسانية، وهو بكل ذلك يجمع بين الإتقان والضبط وبين التدبر العميق، كما يظهر في الكتاب ذكاء وقوة تحليلة عجيبة، كل ذلك مكّنه من تقديم تفسيرات جديدة لبعض الألفاظ ربما لم يسبقه إليها أحد ومن الكشف عن أصول جديدة ترجع إليها مشتقات المواد اللغوية والتأصيل لبعض المفردات التي زعم الطاعنون أن القرآن أخذها عن اليهود والنصارى.
منهج الكتاب أن يأتي بجميع أوجه معنى المفردة القرآنية، في ضوء آيات القرآن أولاً ثم في ضوء كلام العرب وأشعارهم وقد يستعين في تحليله بالأصل اللساني لمادتها وجذورها في اللغات الأخرى، ويرد على مزاعم الطاعنين إن وجدت مثل تلك المتعلقة بكلمة "يهود" .. أو يتصدى لفضح التحريفات والتشويهات والاختلاقات التي تعرضت لها بعض المفردات في كتب أهل الكتاب مثل "إسرائيل"، وربما أتبع ذلك بتأمل وتدبر قد يجمل فيه كل الوجوه. وللمحقق جهد عظيم في الكتاب حيث وضع هامش غني ضم فيه إلى جانب المراجع تعليقات وشروح تتعلق بمتن المؤلف وفيه يوضح ما سبق له المؤلف فيما يراه. مثل "الجيد / يستعمل في مواقع الحسن والتيه" .. بين المحقق أن الفراهي سبق إلى استخراج معنى التيه من بيت الشعر "بجِيدٍ مُعمّ في العشيرة مُخْوِل" فقال: "وأما موقع التيه فلم أرَ أحداً فطن إليه غير المؤلف رحمه الله".
الكتاب مفيد وفريد بمنهجه بين كتب (غريب القرآن ومعانيه) المشهورة التي اعتدت الرجوع إليها، وعنوانه دقيق موافق لما فيه من تقديم نظرات جديدة لبعض الألفاظ، وطريقته التحليلية المبسوطة في السطور تقوّي الحس اللغوي والرؤية التدبرية في معاني القرآن.