نبذة النيل والفرات: يتناول هذا الكتاب قضية محورية في علم اللغة المعاصر: عندما يقوم شخص ما باستعمال اللغة، من يكون المتكلم؟ هل هو الشخص بذاته أم أن اللغة هي التي تتكلم؟ بكلام آخر: هل يكون الشخص المتكلم مسيطراً سيطرة تامة على "الأداة" التي يستعملها، وهي اللغة، بحيث إنه يفعل بها ما يريد وفق شروطه الخاصة ويشكلها وفق تصوراته المسبقة، أم أن اللغة تلعب دوراً أساسياً في عملية التعبير، بحيث تفرض شروطها هي وتتحول "متكلماً" أو لاعباً أساسياً في العملية؟
يؤكد المؤلف (جان جاك لوسركل) أكثر من مرة في الكتاب أنه ليس رائد في مجال هذا البحث. وهو يورد أسماء باحثين كثر عالجوا هذا الموضوع سابقاً من مثل فرويد ولا كان. إلا أن إنجاز الكتاب (عنف اللغة) يكمن في طرح هذا الموضوع بشكل كلي ومتكامل، وفي تسليط الضوء على ما يحدث في اللغة وفي المتكلم في أثناء عملية التعبير.
يركز لوسركل على الجانب من اللغة (الذي يدعوه بـ"المتبقي") الذي يروغ من قواعد النحو يتفلت من قوانين الألسنة التي درسها وصاغها فرديناند دوسوسير. وهذا الجانب هو الذي يرتع فيه المبدعون والشعراء والصوفيون والمهووسون ومن شابههم. ومع أن الممارسات في هذا الجانب لا تسير بحسب قواعد النحو، إلا أنها، كما يؤكد لوسركل، تغني اللغة وترفدها ولا تنقض عراها.
Jean-Jacques Lecercle is Professor of English at the University of Paris at Nanterre. He has published widely in the fields of philosophy of language and literary theory, and is the author of The Violence of Language, Philosophy of Nonsense, Interpretations of Pragmatics and Deleuze and Language.
عندما تظنّ أنّك في موقع السّيطرة على الكلمات التي تتفوّه بها تكون في موقع الواهم الذي لا يستطيع التّخلّص من هذا الوهم، هذا ما يحاول لوسيركل ترسيخه عبر كتابٍ لا يمسّ لغة بعينها وإنّما يطال كلّ اللغات؛ كون اللغة نشاط إنسانيّ يشكّل النّفس الإنسانيَّة ويتشكّل بها.٠ معالجته دارت في ثلاثة حقول: الألسنيّة والأدب وفلسفة اللغة.. الفصل الأوّل فيها بدأ بمجموعة من النّصوص الإنجليزيَّة التي تضمّ تراكيب لا تتماشى مع النّحو الإنجليزيّ ومع ذلك يجدها تتسم مع الإبداع ؛فالنّشاط الإبداعيّ الذي يخترق قواعد النّحو مهمّ بمقدار أهميَّة الإبداع الملتزم بتلك القواعد.٠
أمَّا الفصل الثّاني يدور حول أمور متفرقة في اللغة ما لفتني فيه فكرة أنّ الأقوال المشهورة والاستعارات والمجازات التي ننسبها إلى أشخاص معينين يقابلها عددًا من أقوال مجهولة المصدر لكنها بالمقابل تسير وفق مناهج تفرضها اللغة؛ فاللغة في هذه الأنشطة هي المتكلمة الفارضة قوانينها. في الفصل الثالث حاول وضع قواعد للمتبقي (رغم تفلّت المتبقي من الأعراف اللغوية السائدة لكنه يحاول تقنين الحرّ بطبعه).٠
أمّا الاستعارة فقد كرّس لها لوسيركل فصلاً منفردًا فيه ناقش مسألة صدق الاستعارة وكذبها وهذا يذكنا عنوة بما جاء بدراسات الجرجاني (السابق زمنيًا بالضّرورة) حول مسألة الكذب والصدق وعلاقتهما بالاستعارة وعند هذه الجزئية تلحّ عليك مقولة: "أعذب الشّعر أكذبه".٠
الفصل السّادس المعنون بـ (عنف اللغة) كان أفضل الفصول برأيي نظرًا لحيوية الطّرح فيه وتوسله بشواهد مألوفة للذائقة العربيَّة مثل قوة السّحر وعلاقته بقوة الكلمة، وقصّة أليس في بلاد العجائب المليئة بالانقلابات التي حدثت وفق ما تسمح به اللغة. ٠
بشكل عام الكتاب تخصصيّ يغلب عليه الطّابَع الصّارم.٠
really enjoyed the insights at the beginning. stal(l)ed by the end. wish he’d been brave enough to address the (late) late wittgenstein. i need desperately to read a novel now