حمزة شحاتة (1910م - 1972م) شاعر وأديب سعودي من رواد الشعر الحداثي في الحجاز مع رصيفه وخصمه محمد حسن عواد، وناثرٌ بمضامين فلسفية عميقة، وخطيب مفوّه بانطلاقات أخلاقية وأفكار نهضوية. وعازف على العود وملحن وموسيقي بارع.
من مواليد عام 1910م، في مكة، وحيث كان الشحاتة يتيم الأب فقد نشأ وتربى في جدة لدى جاره العم والمربي محمد نور جمجوم، درس في مدارس الفلاح النظامية في جدة وكان متفوقاً في درسه ومتقدماً على سنه، وقد أثّرت أجواء جدة الانفتاحية في شخصية الشحاتة كما فعلت مع بقية أبناء جيله من الشباب في تلك الفترة، قفرأ لكبار كتاب التيارات التجديدية والرومانسية العربية في المقرّ والمهجر، وقد تأثر كثيراً بجبران خليل جبران، وايليا أبوماضي وجماعة الديوان. وكانت رحلته إلى الهند، وقيامه بها لمدة سنتين، مبعوثا لمباشرة الأعمال التجارية لإحدى البيوتات التجارية الجداوية منعطفا تاريخيا في حياته، حيث انكب فيها على تعلّم اللغة الإنجليزية والتزود بالمعارف والاطلاع على الإنتاج الأدبي البريطاني والاستعماري، كما شكَلَ التاجر قاسم خازنا علي رضا رافداً أساسيا في تكوين شخصية الشحاتة الفكرية ونزعته التجديدية، تماما كما كان أثر قاسم في العواد حاضراً. ذاع صيت الشحاتة في المشهد الثقافي بالحجاز في محاضرة مطولة وشهيرة ألقاها في خمس ساعات متواصلة في جمعية الإسعاف الخيري بمكة المكرمة في عام 1938م، حيث عنونها بـ(الرجولة عماد الخلق الفاضل) بدلا من (الخلق الفاضل عماد الرجولة) الذي اختارته الجمعية عنوانا لمحاضرته ولم يتقيد به، في مشهد أثار به فتى الثلاثين ربيعا فضول واندهاش شيوخ ومثقفي مكة من بلاغته ونمط تفكيره، حتى أن الحضور كانوا قد صفقوا له أكثر من 30 مرة دلالة على ما حمله خطاب الشحاتة من أبعاد فكرية ومضامين فلسفية واجادات لغوية جاءت باكرة. كان شديد النفور من الشهرة وحريص على العزلة من المشهد الثقافي على الرغم من إجماع أقرانه على ريادته وعبقريته وتقديمهم له. عُد شعره ونثره -من قبل النقاد- كطليعة الأدب الحجازي، ضمن الرعيل الذي ضم إلى جانبه إبراهيم فلالي، وحسين عرب، وآخرون. ترك من خلفه مدرسة أدبية وفكرية عريضة في الحجاز، وكان أشهر المتأثرين به، جيل الكبار، أحمد قنديل، عبد الله عبد الجبار، عزيز ضياء، محمد حسن فقي، عبد الله الخطيب، حسن القرشي، محمد عمر توفيق، عبد المجيد شبكشي، حتى الأجيال اللاحقة، عبد الفتاح أبومدين، محمد سعيد طيّب، عبد الحميد مشخص، عبد الله خياط، عبد الله الجفري، عبد الله نور، ومحمد صادق دياب، وغيرهم. رحل إلى القاهرة ساخطاً على أحوال البلد عام 1944م، وهو ذات التاريخ الذي توقف فيه توقفا تاماً ع
دهشة عميقة تصيبك حين تقرأ ما يفترض ان يكون محاضرة ألقيت في مكان لا يبعد كثيرا عنك، قبل ثمانين سنة… مبهر جدا ما يمتلكه حمزة شحاتة من التمكن الواضح في ما يكتبه، هذا الوضوح الجلي القائم على معرفة واطلاع واسعين، والأسلوب الذكي البسيط يأخذ بيدك ويفتح لك الأبواب المغلقة بدون ضجيج العبارات المنمقة. … موضوع الأخلاق والفضائل من المواضيع الشائكة، طريقة معالجته في هذا الكتاب رائعة جدا، والنتائج -التي يصل إليها من مقدمات بسيطة- مقنعة… فخور جدا بالقراءة لعبقري مثل حمزة شحاتة. وغاضب جدا لأن مثقفا عظيما ومفكرا رائعا من أبناء وطني، من بلدتي، من الربوع التي أحبها، ثم لا أكاد اسمع عنه في كل مراحل الدراسة، ولا في أي منبر إعلامي، ولا حتى في مجالس الناس وأحاديث الشارع… ما هذا الجحود الظالم، أين الحياء من أقلام تمجد بعض التافهين أدعياء الثقافة، ثم لا تتحدث عن عبقري عاش هنا.
محاضرة عن أزمة الأخلاق اليوم، وكيفية معالجتها تجاوزت 4 ساعات، بجمعيّة الإسعاف، بمكة، عام 1940 قطعة متماسكة سياقيّة تراكميّة، لا تغني عنها الاقتباسات . ما تزال عواطف الرحمة والشفقة والنخوة ومشاركات الشعور في الجماعات الدنيا أكثر منها في الجماعة العليا، النعمة قوة تجعل الإنسان انفرادياً، فهي تسد مسام الشعور والإحساس، وتقفل نوافذ النفس. بل إنها تبطر، ألم يقل الكتاب العزيز: (كَلاَّ إنَّ الإنسان ليطغى* أن رءاه استغنى). . وأعتقد أنه لا يسع أحداً أن ينكر أن كل فضيلة لا يكون المتصف بها قوياً، لا تكتسب في نظر الناس معنى الفضيلة ونفوذها. فأنا إذا عطفت على مريض ملقى في الطريق، وواسيته، لا أنال التقدير يناله رجل بارز في المجتمع يفعل فعلي. بل إنا نرى أن بعض المعائب والرذائل يوسع لها العرف العام صدره، متى كان المتصف بها قوياً ذا نفوذ. ولو شئنا أن نذهب هذا المذهب في الاستقراء والمقارنة والتجريد، لألفينا أن الصراحة في رجل ممتاز، تعد نبلاً وعظمة وقوة طبع. وأنها في رجل ضعيف الأثر في تقدير الناس تعد تفاهة وغثاثة وثرثرة، وضعفاً عن ضبط النفس. والأثرة في عظيم قوي، دلالة على امتياز شعوره بنفسه، واعتداده بها فهي حق معترف به، ولكنها في إنسان وسط، باطل، وخروج على سنن الحياة المعروفة، ومألوفاتها المتبعة. ورقة الجانب والبشاشة، والدعة، وصدق الشعور، والأريحية، ونبل الاتجاه والإيثار في رجل فقير، لا تساوي كلها في ميزان الفهم والإعجاب، ابتسامة فاترة، أو إيماءة مكرهة، من رجل ذي نفوذ، ولتكن بعد ذلك بارقة كاذبة، لا أمل فيها. . والكرم لم يكن في أول نشأته تضحية وإيثاراً، وغراماً بالبذل، إنما كان -ولا يزال- دلالة افتخارية على اتساع نفوذ القوي، ومقدرته على مواصلة الجهد والإنتاج، على أنه لا يتناول إلا الزيادة، وسبيل تعويضها مجهودة هينة، بعد اتساع رقعة التجربة والسعي، وامتداد مذاهب الحيلة، وحنكة المزاولة، واتساع الثراء. ثم هو بعد صفة لازمة لمن تحلهم قوتهم من الجماعة محل الأبطال والقوّاد، فالكريم أكثر أعواناً، وأبعد صوتاً، وأعمق أثراً في النفوس، وأرفع منزلة في العيون، ولا يزال في الناس من ينزلهم كرمهم منزلة الزعماء المسيطرين. والكرم فضيلة متعدية، لذلك كان الثناء والإقبال على تمجيدها، أكثر من الثناء والإقبال على تمجيد العفة، مع أن العفة قهر صارم للنفس، ورمز للقوة، أكثر مما يكون الكرم الذي هو في معناه، وطبيعة دوافعه، انتفاء للخوف من الفاقة، أو توكيد للمقدرة، أو استغراق في لذة نفسه، أو سعي وراء مطلب أدبي، يكون أغلى من المادة المبذولة في نفس الباذل. والبخل فطرة وشدة، تأخذ بحساب دقيق، وتعطي بحساب أدق، وهو رمز للخوف، وما يعيب الإنسان أن يخاف بل يعيبه أن يكون آدمياً. والبخل إن كان رذيلة، فهو رذيلة لازمة إن كانت شراً في ذاتها فليست شراً على غيرها. وهو إن دل على قصر الذهن، وفتور حيوية الفكر الطامح وضيق مدى النفس والخيال، في مجال المعنويات المنطلقة، دل على فهم عميق لطبيعة الحياة، وحقيقة الناس، ودخائل سرائره المطوية. فإن كان الكرم شعراً وحماساً، وخيالاً جميلاً، كان البخل حكمة وفلسفة وفهماً عميقاً. والكرم يعطي ليأخذ، والبخل اكتفاء.. وما عاب الناس البخل، إلا لما فيه من أثر الأنانية الواضحة، والاعتكاف في حدود الذات، ونحن نراه أنانية محدودة قانعة، ونرى الكرم أنانية واسعة جشعة، هما استرقاق النفوس والألسنة، وذيوع الفخار، وتحقيق المطامع، والاستمتاع باللذة الخفية. والتواضع توكيد للذات، وإيمان عميق بها، ويخطىء من يظنه إنكاراً للنفس، واعترافاً صادقاً بضعفها، وهو لهذا لا يكون في أروع صوره، وأكثرها فتنة، إلا إذا جاء دلالة على قوة ممتازة. والكبرياء أنانية واضحة لا تعرف الدهاء والحذق، فهي رذيلة ظاهرة. . الكذب في المدن العامرة ضرورة اجتماعية واقتصادية، تعين على الرواج، وانتعاش حركة التبادل، والإقناع، فلو ساد الصدق فيها، أصيبت مجالات الحركة والنشاط، بركدة، يتضاعف معها الشعور بأعباء الحياة وهمومها. . لا نرى صفة من هذه الصفات (كالبخل، والجبن والكبرياء، والأثرة) التي جرينا في هذا الحديث على تسميتها فضائل ورذائل، ما هو خليق بهذه التسمية. وإنما ندعوها محاسن ومعائب فردية يهبط بها العرف أو يعلو، على وفاق نصيب المتصف بها من القوة والضعف، أو على نصيبها من الشيوع والخمول، وأساسها الأنانية والمصلحة. أما الفضائل التي نراها خليقة بهذه التسمية، فهي التي نزل بها القرآن ودعا إليها. تلك فضائل، لا يكون للمتصف بها، والمؤمن بقوانينها، نظر إلى مصلحة أو سمعة.. وإن كان شيء من ذلك فالمثوبة عند الله، والزلفى إليه. فالكرم فيها إحسان إلى مستحقه، ينزل منزلة الحق المفروض له، وخروج من سلطان المادة وحدودها في سبيل الله. والأمانة مبدأ يعامل الأمين به الناس، كأنه يعامل الله. والصدق ميزان دقيق، لا يستقر فيه الغش والتدليس، ولا يستقر فيه الحقد والرياء. والتواضع إنكار للذات وقوّتها، في سبيل إيمانها بقوة الله. . إنما ننهض بالمبادىء والنزعات الطيبة، بالتشجيع والمناصرة والإقبال. فهل يلقى الخلق الفاضل بيننا التشجيع والمناصرة؟ كم يلقى الصادق، والصريح، والعادل، والأنوف، والصابر، والمستحي، والأمين، والرحيم من المشقات، ومن انزواء الناس عنهم ومن المقاومة الظاهرة والمستورة لخطواتهم؟ وكم يلقى الكاذب اللبق، والماكر الختّال، والضارع الشره، والظالم القوي، والجريء الملحف، والطامع المتوقح، والخؤون، ومغلق الحس، من الارتياح إليهم، والاستجابة لفرائضهم، والإعجاب بهم، والرهبة منهم؟ . إن كل فضيلة من فضائل القرآن تضرب المثل الأعلى الكامل للقوة وحريتها فآمنوا بها واطلبوها. وكل فضيلة من فضائلنا تضرب مثلاً للضعف والتهافت والتمويه، فأعرضوا عنها، وانبذوها. وليكن الكريم الوهاب محسناً أنوفاً يأبى أن يأخذ بما يعطي شيئاً. وليكن محسناً بصيراً.. يفرق بين الحسنة الواجبة، والمحمدة الزائفة.. وليكن الشجاع مجاهداً حراً، يغضب للحق، كما يغضب لنفسه، وليكن الصادق أميناً، يقول كلمته في القانون، قبل أن يقولها في المجرم. وليكن المتواضع صادقاً لا طامعاً. والصابر مختاراً لا مكرهاً.. والإيثاري زاهداً، لا تاجراً.. . الحياء قوة.. وقوة حرة في أروع المظاهر.. قوة فيها الرحمة التي هي الجمال.. وفيها العدالة التي هي الحق. . إن متاعب الإنسانية بأعباء الرذائل والجريمة، ليست هي المتاعب التي يسببها المجرم الساذج الغبي الذي يقتنصه القانون بسهولة أو بصعوبة، بل هي المتاعب التي يسببها المجرم الذكي المهذب اللبق، واسع الإدراك والخيال، الذي سميّته أنا.. والذي لا يقتنصه القانون إلا نادراً جداً، لأنه، لا يترك وراءه أثراً.. هو عقدة العقد، وسبب متاعب الأمة التي يكون بينها، وسبب انهيار الأخلاق فيها: بل هو الذي لا تقوم للأخلاق قائمة إلا إذا اقتنص! هو الذي يتصدر المجالس، ويقود الأفكار، ويسحر العيون، ويخدر النفوس.. وينفق المال سخياً، ويشترك في الأندية والجمعيات، ويساهم في وضع القوانين، ويكتب في الصحف، وينظم الشعر، ويعظ ويتولى تربية الناشئين، ولا يترك وراءه دائماً إلا آثار الجد والرصانة والسلوك الموزون، والسمعة الطيبة. معنى هذا أن القوانين لا تربي الأخلاق، ولا تبني الأمة.. ولا تقتنص المجرم الخطر. إنما يربيها ويبنيها، ويقتنص مجرمها الخطر، الحياء، لأنه أقوى أو لأنه القوة.. . فالطفل في البلاد الناهضة حقاً، يعتبر رجلاً صغيراً بين أهله، يعامل معاملة الرجل، ويعطى مميزاته، ومطالبه، وهو عضو في الأسرة، له محله الخاص، وعلى المائدة موضعه الخاص، وحريته التامة، لا يكتم عنه شئ، ولا يلزم باتباع أساليب وآداب لا يتبعها الكبار أنفسهم.. ولا يقسر على اتباع، ما يعرف أن السير عليه في مستقبله غير ممكن، فإذا قصد الأهل دور السينما، والمتنزهات لم يحرموه هذا الحق، وإذا كانوا يمارسون ألواناً من اللهو البريء، لم يحجروا عليه ممارستها، وإذا كان يلقنونه الرحمة والعدالة والاتساق والأدب، كانوا في كل تصرفاتهم أمامه رحماء عادلين، متسقين، مؤدبين، وإذا أطلقوا لأنفسهم عنان الحرية في شيء لم يمنعوه أن يأتيه. فالطفل جزء من المجتمع الصغير في بيته، ومن المجتمع الكبير في مدرسته، فهو لا يشعر أنه صغير، أو ضعيف، أو مقيد الحرية أو مهضوم. وخطؤه فرصة تنتهز للتفاهم معه، والنصيحة له، وإرشاده، لا لزجره وازدرائه وكبته، والتربية في المدارس في أكثر مراحلها، توجيه وليست قيادة وتحتيماً. والمدارس تفرح بالطفل الشاذ، لأنها تعرف أنه سيكون رجلاً من نمط خاص، فهي تعنى بتهذيب هذا الشذوذ فيه وتوجيهه، ولا تقاومه أو تقسره. وإذا كان وجود الكبير بين الصغار تقييداً لهم، وحجراً على حريتهم، فإن وجود الطفل بين أهله، حري بأن يكون تقييداً لهم، يحملهم على أن يسلكوا أحسن السلوك وأدقه، مراعاة لما يجب أن تقع عليه عينه من صور الكمال والجمال. فلو قلنا للطفل عندما يضرب كلباً، استح، وشرحنا له أن الكلب ضعيف لا يستطيع الشكوى، ولا الدفاع عن نفسه، وأنه وديع ولا يؤذي، وتظاهرنا بالحزن والرثاء على هذا الكلب، وأوجبنا على الطفل أن يقدم له ترضية من طعام، واتجهنا هذا الاتجاه في كل ما يشبه هذه الحادثة، لكانت عقدة الطفل العصبية، عقدة نبيلة، تجعله يشعر بالقوة وبقانون حريتها. . لم يعد من مصلحة الحياة أن تكون النظرة إليها نظرة ارتياب وقلق ومن الحماقة أن ينزل النواح منزلة الإصلاح والجد والقوة. . وقد حللنا إعجابنا بالفضائل وقلنا إ��ه إعجاب بقيمة شيء نرى مشقة في اكتسابه، وانتهينا إلى أن الفضائل ترمز إلى القوة، أو تقرب أن تكون محاولة قوة. أما إعجابنا بالرجولة الناضجة، فليس إعجاباً بالقوة فحسب، بل هو إعجاب بحرية هذه القوة في أروع مظاهرها. الرجولة التي دوت بها صرخة قائد البشرية الكامل محمد صلى الله عليه وسلم، فاقترع بها قمة المثل العليا، يوم قال: “والله يا عم. لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما فعلت، حتى يظهره الله، أو أموت دونه!” هكذا يقول قائدنا الكامل البطل، بل قائدنا الكامل الرجل. فهذه رجولة رجل، قبل أن تكون فضيلة نبي، وقانون دم قبل أن يكون سمة خلق فاضل، وعقيدة مؤمن يستهين الموت في سبيل التراجع المفروض عليه دونها، غير ناظر إلى الجزاء.
هل يمكن أن نتعجب أن في مجتمعنا السعودي من هو قادر على حضورة محاضرة مدتها تزيد عن خمس ساعات؟ بصراحة هذه الحقيقة أذهلتني صحيح أن وضع المجتمع في السابق يختلف كثيرا عن وضعه الآن.. لكن أن تكون لدى فئة من أبناء بلدنا حب التعلم والاستماع التي قد تتجاوز الخمس ساعات؛ وقبل ٧٤ سنة تماما لهو أمر يدعو للإعجاب جدا.. ويرينا صورة يندر أن يتحدث عنها أحد.. وقد جاء ذكر هذه المحادثة في كتاب الغذامي: حكاية الحداثة.. المحاضرة رائعة في موضوعها والمضامين التي احتوتها.. فهي تطرح السؤال الذي نطرحه جميعا: إذا كنا جميعا نعرف فضل مكارم الأخلاق وكونها من الفضائل لماذا لا نطبقها عمليا ؟ ولماذا حين نرى الصادق ومن يتصف بالحياء نصفه بالضعف وما إلى ذلك؟ ولكن أسلوب داك الزمن قد لا يعجب الكثيرين الآن أثناء القراءة.. لكن لنتفهم أن لكل زمن طريقته وأسلوبه كالأغاني والقصائد مثلا.. النسخة التي كانت بين يدي من منشورات نادي جدة الأدبي عام ٢٠٠٧ وأعتقد أن الكتاب أعيدت طباعته بسبب اختيار مكة عاصمة للثقافة ؛ وهذا جيد :)
الحياء الذي جهلناه وأضعنا أثره فحسبناه ضعفًا نتنكر له، وننتزعه انتزاعًا من دماء أبنائنا وناشئتنا وهو قانون الفطرة الإنسانية، وقانون قوتها المطلقة. الحياء الذي هو القوة والرحمة والعدالة. اعرفوه وأصيخوا لندائه، فهو الذي يبني الحياة الفاضلة لأنه قانون ديننا.. وقانون إنسانيتنا. هو موجود في دمائنا.. هو العقدة العصبية القوية التي ما تهزمها العد العصبية إلا إذا تحولت إلى مسلك عام.. تؤازره الحياة الظاهرة، والحياة المستورة. مات المفهوم وبقى قوة غامضة مبهمة وقانونًا لكنّه أعمى ومبدأ لكنه منكور!. المعرفة أساس الإيمان قال محمد صلّى الله عليه وسلم: الحياء والإيمان مقرونان فإذا سلب أحدهما تبعه الآخر.
يذكر أن الفضائل أنانية مهذّبة بينما الرذائل أنانية عارية! فمتى تكون الفضيلة قوة؟ عندما تكون إيمانًا صارمًا بالتضحية جهادًا صادقًا للعدالة الايمان بالمعرفة مقدم على سلوكه مقدم على إيمان وعمل تقليدًا كما يقرن الحياء بالرحمة والعدالة قوة جمال حق.. أي الرجولة.
إن الرجل العظيم طفل، لأنه يتصرف بقوته تصرفًا ينطبق على مقاييس العقول الراجحة، مغلوبًا على أمره إزاء قوة خفيّه فيه. ومن ينكر أن فلسفة العقل متى تسلطت على وزن الحقائق وتحقيقها، أفقدتها كثيرًا من طبيعة إيجابها وتأثيرها؟
سأقيّم هذا الكتاب على ضوء الزمن الذي ألقيت فيه هذه المحاضرة .. قرابة الثمانين عاماً .. كان هذا الرجل يحمل سبقاً فكرياً و عمقاً تحليلياً و نظرة تجريدة .. اذا ما أخذنا شحّ المصادر المعرفية و قلّ الترجمات في ذلك العصر .. سيبدو حمزة شحاتة عملاقاً في زمنه .. و هو بالفعل كما وصفه عزيز ضياء " قمة عُرفت و لم تُكتشف بعد " !!
هذه المحاضرة ألقيت في " جمعية الإسعاف السعودي " في مكة .. و تلك مفارقة بحقّ !!
لم تكن الأندية الأدبية و الأنشطة الثقافية كما هي الحال اليوم .. و كانت جمعية الإسعاف السعودي تقيم محاضرات من هذا النوع .. كان حمزة شحاتة من أبرز المحاضرين ..
الجدير بالذكر أن الشاعر و المفكر السعودي حمزة شحاتة هو أحد الشخصيات الرومانسية التي اتخذت من العزلة مرفأ لها .. لم يكن حمزة من محبي الأضواء .. لهذا السبب آثر السفر إلى مصر .. و البقاء بعيداً وحيداً .. بعد أن مزّق قصائده و كتاباته .. ليرعى بناته الخمس .. و هو بالمناسبة .. أب حنون عطوف .. يظهر ذلك جلياً في رسائله لابنته شيرين ..
بقيّ أن أقول .. رحمة الله على هذا الرجل .. الكتاب جميل و جدير بالقراءة !