يثير هذا الكتاب قضية العلاقة بين الأدب و محارفة بعض الأدباء الذين حورفوا و أكدوا و لصقت بحرافهم و إكدائهم تهمة الأدب فقيل.... أدركتهم حرفة الأدب و يستعرض الكتاب نماذج من حياة المحاويج من الشعراء في مختلف الأعصار بدءا من العصر الجاهلي و انتهاء بالعصر الحديث و يثبت أن الأدب من حيث هو أدب ليس لعنة تنصب على رؤوس الأدباء و أن العلاقة بين الأدب و ما أصاب بعض الأدباء ليست قاعدة تطرد إيجابا أو تطرد سلبا و أنك إذا عددت عشرات من الأدباء المفاليس الذين جفت أيديهم و شقيت حياتهم و جدت إلى جانبهم المئات من الأدباء الذين سعدت حياتهم و رفهت معيشتهم لدرجة أن بعضهم كان يأكل في انية الذهب و الفضة كما يحكون عن النابغة و لو قد ذهبت تستقرئ حياة هؤلاء المثاليج الذين حورفوا من الأدباء لوجدت لفقرهم أسبابا يرجع بعضها إلى سلوكهم الشخصي و يرجع بعضها إلى طبيعة العصر و بعضها يرجع إلى نوعية علاقاتهم بالمجتمع أسباب كثيرة مختلفة لمحارفة بعض الادباء و إكدائهم و لكن ليس الأدب واحدا منها
تلقى تعليمًا دينيًا في المعاهد التابعة للأزهر، ثم التحق بمدرسة دار العلوم العليا (كلية دار العلوم - بجامعة القاهرة حاليًا) وتخرج فيها عام 1940. عمل مدرسًا للغة العربية، ثم سكرتيرًا برلمانيًا في وزارة الأوقاف - ثم نقل إلى إدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة (وزارة الدفاع المصرية) حتى أحيل إلى التقاعد عام 1968. كان عضو اتحاد الكتاب بمصر، وعضو لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة. حاز شهرة واسعة من خلال برنامجه التمثيلي: «ألف ليلة وليلة» الذي بثّته إذاعة القاهرة في شهر رمضان لعدة أعوام متعاقبة، من إخراج محمد محمود شعبان، وبخاصة قبل عصر «التلفزيون». ألف عددًا من قصص الأفلام (الروايات السينمائية) وأغانيها، وبخاصة فيلم رابعة العدوية، ولا تزال الأغاني التي تخللته تردد بصوت أم كلثوم. له إسهام واضح في الأغنية (المصرية) الحديثة، وكانت لغتها وسطًا بين العامية والفصحى مما يسر انتشارها، امتلك حسًا إنسانيًا وروحًا فكهًا وقدرة على المسامرة والمحاورة مستخدمًا التداعيات اللغوية واللعب بالألفاظ المسجوعة المعجونة بالمداعبة تصعب مجاراته فيها.
الإنتاج الشعري: - صدر له الدواوين التالية: «صورة الشباب» - (تقديم محمد غلاب) - مطبعة الفتوح - القاهرة 1932، «القيثارة السارية» - بتقديم الشاعر - المطبعة المصرية الأهلية الحديثة - القاهرة 1934، «الأشواك»: (بتقديم الشاعر خليل مطران) القاهرة 1938، «راهب الليل» دار الشروق - القاهرة 1983،« الليالي» الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1987، «دموع لا تجف» الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1987، «الأعمال الكاملة»، صدر بعد رحيله (بتقديم الكاتب ثروت أباظه) مكتبة الملك فيصل - الجيزة 1992.
الأعمال الأخرى: - له عدة مؤلفات في موضوعات مختلفة: «أيام وأحداث»: 1958، «عشرون يومًا في روما» - 1958، الجمهورية العربية المتحدة - 1958، بعد عشر سنوات - 1962، «في معركة المصير العربي» - 1963، «قصة الســـد العالـــي» - (د. ت)، «الجلاء مــن الألف إلى الياء» - (د.ت)، قصة ميناء دمياط - (د. ت)، «العشق الإلهي» - سلسلة اقرأ - دار المعارف - القاهرة، «الذين أدركتهم حرفة الأدب» - دار الشروق - القاهرة 1981. - «هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف» - الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 1987، «وراء تمثال الحرية» - دار المعارف - القاهرة 1987، «مقامات بيرم التونسي» (تحقيق) - مكتبة مدبولي - القاهرة 1973. شاعر حاضر البديهة الشعرية، صانع للصورة النافذة، يملك ثقافة تراثية واسعة في مجالات اللغة والتصوف والنوادر، كما يملك موهبة توظيفها في شعره، له تكوين خاص استخلصه من تيارات الشعر عبر حياته التي شهدت الاتجاه المحافظ، وتجديد الديوان، وتنويعات أبولو، كما شهدت زمن قصيدة التفعيلة. ومهما يكن نصيبه من التأثر أو المجاراة فقد ظل يملك أسلوبه ويحرص على غنائيته. يعد واحدًا من شعراء قلائل خصوا زوجاتهم بديوان كامل يضم رثاءهم لها، وهو آخر دواوينه: «دموع لا تجف».
من الكتب الشائقة التي يَستمتِع المرء بقراءتها وصُحبتها لطرافة موضوعها، وهو في هذا الكتاب يتناول قضيةً قديمة جديدة هي: قضية ما شاع وانتشر في كتب الأدب تحت عنوان: "حُرفة الأدب"؛ كما في كتاب "ثمرات الأوراق"؛ لابن حجة الحموي، والذي أفردها بفصل خاص بها في كتابه.
والأستاذ أبو فاشا - رحمه الله - في هذا الكتاب يُحاول التأكيد على أن: "الأدب من حيث هو أدب لا يُمكن أن يكون لعنة تنصبُّ على رؤوس الأدباء، وأن الذين حورفوا من الأدباء تجد لحرافهم أسبابًا مُختلفة ليس الأدب واحدًا منها" (ص: 5).
وهو في هذا يُحاول نفي هذه التهمة عن الأدب، والتي ألصقها به الكثيرون حتى فشَت وانتشرت بين الناس، حتى إذا رأوا أديبًا يعاني في حياته من شقاء أو بؤس أو أصابه ضيق أو ألمَّت به كربة من كرب الدنيا قالوا في إشفاق بيِّن: "أدركته حرفة الأدب" في مُحاولة سَهلة لتبرئة أنفسهم ومُجتمعهم وعصرهم - بل والأديب نفسه - من هذه التهمة وإلصاقها بالأدب، والأدب منها براء.
يبدأ الأستاذ كتابه ببيان ما يراه الصواب في ضبط هذه الكلمة، فيرى أنها حُرفة بالضم لا حِرفة بالكسر، خلافًا لما اشتهر على لسان الأدباء والكتاب؛ نظرًا لأن حُرفة بالضم تعني: الحرمان وسوء الحظ، ويرى أنها أدلُّ على مقصودهم وحالِهم.
ويتساءل بعدها قائلاً: "ما العلاقة بين الأدب والعِوَز والحرمان؟ أو بينه وبين الجِدة وخفض العيش وإقبال الدنيا ولِين الحياة؟" (ص: 13).
فيُجيب قائلاً: "قد لا تظهر هذه العلاقة إذا كان الأديب لا يتَّخذ من الأدب مطية إلى المال؛ فقد يكون مبلول اليد على قدر من اليسار والسعة يُغنيه عن التكسُّب بأدبه، أو يكون مصروفًا عن التكسُّب بالأدب لأي سبب، ولكننا إذا قررنا أن الأدب فكر ومَوقف ورأي يَخرج من بوتقة الصياغة الفنية فإن أصحاب الأفكار والآراء بعامة مُستهدَفون، وبخاصة إذا كانت أفكارهم وآراؤهم تُعارض السُّلطة"، ويؤكد على ما يذهب إليه قائلاً: "ولكن لاحِظ أن ذلك لم يكن للأدب من حيث هو أدب، وإنما لموقف الأديب" (ص: 13).
وهو هنا يُقرِّر أن الأديب الذي تُصيبه حُرفة الأدب هو ذلك الأديب الذي يتَّخذ من الأدب وسيلة للتعيش وكسب الرزق.
ثم ينتقل لبيان سبب آخر يراه سببًا خاصًّا بالشعراء، وهو أن الشعراء قديمًا كانوا يتكسَّبون بالشعر ويتَّخذونه سبيلاً لرغد العيش ونَيل ملذاتها، وهذا قديم مشتهر عنهم، ودواوين معظمهم طافحة بهذا، وكتب الأدب بها الكثير من القصص عن هذا الأمر، ولكن عندما تغلَّب الأعاجم من الفرس والديالم والتركمان والشركس وركبوا الحكم وتمكنوا من السلطان، تغيَّر الحال، ولم يجد الشعراء آذانًا صاغية تَطرب لشِعرهم، ولا يدًا سخية تُجزل في عطائهم - إلا ما ندر، والنادر لا حكم له - ومن ثم اضطر الشعراء إلى البحث عن سبُل أخرى للعيش وطلب الرزق غير التكسُّب بالشعر، وعندها بارت تجارتهم وكسَدت صناعتهم وسخطوا على الدنيا عندما عضَّهم الفقر ومسَّتهم الحاجة، وظلموا الأدب حينما تصوَّروا أنه هو - وليس تخلُّف العصر وانحداره - السبب في حرافهم، وقال قائلهم (ص: 20):
ما لي خملتُ وضاع مكتسبي هل أدركتني حرفة الأدب؟!"
ويرى الأستاذ طاهر - رحمه الله - "أنك إذا ذهبت تَستقرئ حياة المُكدين لوجدت لإكدائهم أسبابًا أخرى ترجع إلى سلوكهم أو إلى طبيعة العصر أو إلى نوعية علاقتهم بالمجتمع" (ص: 21).
وقد دلل الأستاذ طاهر - رحمه الله - على صواب ما ذهب إليه بذكر بعض مَن احترفوا شكوى الزمان، والذين كانت تطلعاتهم أكبر من واقعهم فأحسوا الحرمان ولا حرمان، وراحوا يسبُّون الأيام ويُعاتبون الزمان، وذكر مثالاً عليهم: الشاعر جحظة البرمكي في القديم، وحافظ إبراهيم شاعر النيل في الحديث، وبيَّن أنهما كانا في حالٍ لا يُمكن أن توصف أبدًا بحالة البؤس والعِوَز، ولكنهما كانا مستورَي الحال، لكن لم يكونا من الفقراء كما لم يكونا أيضًا من الأغنياء وسراة القوم".
ثم ذهب يذكر طائفةً أخرى ممن عاشوا في بؤس وشقاء وعِوَز من الشعراء، وذكر منهم: الحطيئة وأبو الشمقمق، وأبو الرقعمق، وابن لنكك، والخبز أرزي، وأبو الحسين الجزار، وابن دانيال الكحال... ثم انتقل إلى العصر الحديث فذكر من الشعراء: إمام العبد، ومحمد مصطفى حمام، وعبدالحميد الديب (وقد أطال عنده الوقوف)، ومحمود أبو الوفا.
وقد أبحر أبو فاشا - رحمه الله - في عوالم هؤلاء الشعراء، وبحث وفتَّش في حياتهم وطريقة عَيشِهم وأسلوبهم في التعاطي والتواصل مع عصرهم ومُجتمعاتهم، مُحاولاً الوقوف على السبب الحقيقي وراء حُرفتهم؛ حتى يدفع عن الأدب بعامة والشعر بخاصة هذه التهمة التي ألصقت به زورًا وبهتانًا.
لقد حاول الأستاذ طاهر أبو فاشا - رحمه الله - في هذا الكتاب الشائق الماتع الدفاعَ عن الأدب وتبرئة ساحته من تهمة لحقت به، وسعى جاهدًا في بيان أن هناك أسبابًا كثيرة مختلفة هي التي كانت وراء حُرفة الأدباء وإكدائهم ليس الأدب من بينها، بدليل أنه وجد الكثير من الأدباء في كل عصر ومصر سعدت دنياهم وبسمت لهم الحياة وتقلَّبوا في نعيمها، ونالوا من ملذاتها دون أن يشكل الأدب عائقًا لهم عن نَيل ما تمنوا.
ورحم الله الأديب الشاعر طاهر أبو فاشا الذي دافع في كتابه هذا عن الأدب.
يتحدث الكتاب عن الذين امتهنوا الأدب كحرفة مارسوها في سبيل التكسب. أدب الكُدبة. حالات لم أسمع بها من قبل عن شعراء قتلهم الجوع والجنون وهاموا على وجوههم في الشوارع والحانات.