هرمية الحضارات ينطوي الكتاب على قسمين كبيرين، يعرض المؤلف في القسم الأول مفهوم "هرمية الحضارات" الذي تأسس في القاهرة مع حملة نابليون بونابرت الشهيرة على مصر بين عامي 1798 و1801، تلك الحملة التي تضمنت غزوا عسكريا "انتهى أثره مع خروج المحتل من مصر على ظهر البوارج الإنجليزية، "وغزوا ثقافيا" ما زال أثره قائما حتى اليوم بدليل أن قسما وافرا من النخبة المصرية ما زال يعتقد أن الحملة الفرنسية كانت سيئة عسكريا لكنها "جيدة ثقافيا" لكونها فتحت أعين المصريين على تخلفهم وجاءتهم بالتنوير.
ما يعتبر جيدا بنظر النخبة المصرية يراه جلول جوهر المشكلة، فهو ينظر إلى الحملة بوصفها محطة فاصلة في تأسيس هرمية حضارية في وعي المصريين السياسي.
إذ برهن الفاتح الفرنسي بواسطة جيش من العلماء اصطحبهم معه إلى مصر، برهن للمصريين على أن حضارتهم الإسلامية "متخلفة" وتقع في مرتبة دنيا مقابل حضارة الغرب الواقعة في مرتبة عليا أو في أعلى الهرم الحضاري.
ويخلص المؤلف إلى أن المصريين والعرب ينظرون منذ ذلك التاريخ إلى أنفسهم وإلى العالم بعين المتخلف وليس بعين صاحب حضارة عريقة سلبتها ظروف تاريخية وسائل التطور والاستمرار.
ويعتبر أن معادلة النور والظلام التي ترسخت في الوعي المصري منذ الحملة الفرنسية هي الوجه الآخر للهرمية الحضارية المذكورة، وهي معادلة ظالمة برأيه لأنها صنفت الحضارة العربية في خانة الظلام مقابل النور الفرنسي الوافد من الثورة البرجوازية التي انفجرت في باريس قبل تسع سنوات من الحملة عام 1789.
ويلاحظ جلول أن معادلة النور والظلام صارت من المسلمات البديهية في الوعي السياسي العربي "فنحن ننظر إلى علوم الأجانب بوصفها علوم أعلى الهرم، ونطلب شهاداتهم وأوسمتهم ولغتهم وثناءهم مقابل تدني لغتنا وشهاداتنا وأوسمتنا التابعة لأسفل الهرم".
ويصف هذا السلوك بأنه سلوك المغلوب الذي يتشبه بالغالب في لغته ومأكله وملبسه حسب نظرية ابن خلدون.
ويصر المؤلف في هذا القسم من الكتاب على أن النخب السياسية العربية ما زالت تنظر إلى نفسها وإلى العالم من موقع التابع، وأن هذه النظرة مسؤولة عن بقائنا حيث نحن لأنها تتطابق مع ما يريده الغالب، أي تنظيم سيطرته على العالم العربي من خلال احترام التراتبية الهرمية الحضارية وقواعدها.
ويخلص إلى أن مفاهيم التغيير والإصلاح الحداثي التي اعتمدتها النخب العربية للتخلص من التبعية كانت مفاهيم أعلى الهرم، أي مفاهيم الغالب في مسيرة مستحيلة تقول بإمكان الوصول إلى المساواة الحضارية عبر تلك المفاهيم، وفي ذلك اعتقاد ساذج يفترض أن الغالب سيتخلى عن غلبته لمجرد اعتمادنا على مفاهيمه.
ويسند استنتاجه بفشل التجارب الماركسية والليبرالية والقومية والحداثية عموما التي انتشرت بين العرب في القرن الماضي، ويقابلها سريعا بتجارب مختلفة ومعروفة من بينها تجربة الأمير النهضوي شكيب أرسلان الذي حكم أنه "لم يستعبد أحد العرب والمسلمين بقدر ما استعبدتها الدول الموسومة بالحرية والديمقراطية".
مع الأمير أرسلان يعتقد المؤلف أن خلاص العرب رهن بتمسكهم بالإسلام واسطة نهوضهم التاريخية، وهو يتفق معه على أن تراجع العرب نجم عن تراجع الإسلام بين صفوفهم.
لكنه يفسر هذا التراجع بالعودة إلى الوراء وإلى ما يسميه بالخطأ التاريخي المرتكب في القسم الأول من الألفية الثانية عبر "فصل علوم العرب عن علوم الأجانب" الذي تمثل في هزيمة طروحات ابن رشد في المواجهة مع طروحات أبي حامد الغزالي.
ويعتقد جلول أن رفض معاصري الفيلسوف الأندلسي للاتصال بين "الحكمة والإيمان" انطلاقا من "أن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له" بحسب ابن رشد، هذا الرفض قاد إلى الانعزال العربي وإلى ارتداد الإسلام نحو موقع دفاعي، وجرد العرب والمسلمين من ميزة القوة الإسلامية المنفتحة والاندماجية.
فالتقط الأب توما الأكويني الرشدية ومنها انطلق العالم المسيحي للسيطرة على العالم، وهذا ما يبرر برأيه وجوب إعادة الاعتبار لابن رشد كشرط مهم للنهوض العربي، فضلا عن تدارك خطأ تاريخي فادح ارتكبه عرب ذلك العصر.
ثقافة الخضوع في القسم الثاني من الكتاب ينشر فيصل جلول نصوصا فرنسية ترجمها، وصنفها كمحطات دالة على ثقافة الخضوع والممانعة في أرض الكنانة.
وفي هذا الإطار يعرض لحملة نابيلون بونابرت من خلال نص فرنسي كتبه مؤرخ البونابرتية الأشهر جان تولار، ولحريق القاهرة في نص كتبه الصحفي جورج مينان وكان شاهدا على الحريق في فندق شيبردز وسط الحي الأوروبي في العاصمة المصرية، وفي نص عن حملة السويس وقعه مخططو الحملة الفرنسيون، وفي نص عن حرب يونيو/ حزيران كتبه الصحفي اليهودي المصري الأصل إريك رولو، وصولا إلى سيرة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر التي صاغها جان لا كوتير، وهو معروف بقربه من عبد الناصر وقد وضع كتابا شهيرا عنه.
أضف إلى ذلك نصا للمستشرق مكسيم رودانسون يتساءل فيه عن مصير الناصرية بعد وفاة مؤسسها.
لا يكتفي المؤلف بنشر النصوص المترجمة فهو يحاكيها بنصوص متقاطعة معها أو مضادة لها في بعض الجوانب، ويعمد أحيانا إلى توسيع الفرضيات كما في مثال حريق القاهرة، إذ يلاحظ أن هذا الحدث التاريخي الذي ساعد في تغيير وجه مصر مازال فاعله مجهولا حتى الساعة.
ويناقش جلول غزو السويس انطلاقا من اعتبارات مصرية، مفترضا أن الأخذ بالاعتبارات الأوروبية والتاريخ الأوروبي لا يفي بالغرض، ويتدخل في سيرة عبد الناصر لتعديل ما يسميه بالأحكام الخاطئة التي تناولت فترة حكمه، معتبرا أن محاكمة الناصرية تكون عادلة إذا ما استندت إلى ظروف العصر الذي عاشت فيه.
لهذا نجده يحجم قضية انتهاكات حقوق الإنسان في حقبة عرفت ظواهر المكارثية والتمييز العنصري في الغرب، ويقلل من جرائم حرية التعبير في حقبة كان فيها الإعلام الغربي موجها عن بعد أو عن قرب بحسب الدول المعنية.
ويعيد المؤلف قراءة هزيمة يونيو/ حزيران 1967 في ضوء المعلومات المستجدة، ويقارن بينها وبين معركة سيدان عام 1870 التي شهدت انتصارا ألمانيا ساحقا على الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث الذي هزم في ال...