نبذة النيل والفرات: يلقي الدكتور عبد الرحمن بدوي الضوء على حياة هيجل الذي وصل بفلسفته العميقة إلى مكانة عظيمة في زمانه حيث صارع البدع السائد آنذاك، إذ أن الطلاب من كل الأصقاع وحتى الناس من كل الطبقات، ومن كل أمم أوروبا كانوا يجلسون عند قدميه منصتين وبخشوع لكلماته السحرية التي كان يتفوه بها في محاضراته، والتي كان عمق مضمونها ينفذ في العقول ويشع منها حماسة صافية كل الصفاء.
وفي هذا الكتاب يتابع عبد الرحمن البدوي حياة هذا الفيلسوف من بداياتهما، نشأته في شتوتغارت وفترة دراسته الجامعة وحصوله على درجة الماجستير، منتقلاً بعد ذلك إلى مرحلة هيجل في التنقل في عمله مستعرضاً رسالتاه في الأستاذية ومحاضراته في جامعة بننا ومن ثم إصداره مجلة الفلسفية مع"شلنج" وكتابه "ظاهريات العقل" ملقياً الضوء بعد ذلك على هيجل في بامبرج وزواجه من ماريا مستعرضاً من جديد محاضراته في جامعة هيدلبرج ودفاعه عن نظرية جيته في الألوان مختتماً الكتاب بآخر هموم هيجل السياسية ووفاته.
أحد أبرز أساتذة الفلسفة العرب في القرن العشرين وأغزرهم إنتاجا، إذ شملت أعماله أكثر من 150 كتابا تتوزع ما بين تحقيق وترجمة وتأليف، ويعتبره بعض المهتمين بالفلسفة من العرب أول فيلسوف وجودي مصري، وذلك لشده تأثره ببعض الوجوديين الأوروبيين وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر. أنهى شهادته الابتدائية في 1929 من مدرسة فارسكور ثم شهادته في الكفاءة عام 1932 من المدرسة السعيدية في الجيزة. وفي عام 1934 أنهى دراسة البكالوريا (صورة شهادة البكالوريا)، حيث حصل على الترتيب الثاني على مستوى مصر، من مدرسة السعيدية، وهي مدرسة إشتهر بأنها لأبناء الأثرياء والوجهاء. إلتحق بعدها بجامعة القاهرة، كلية الآداب، قسم الفلسفة، سنة 1934، وتم إبتعاثه إلى ألمانيا والنمسا أثناء دراسته، وعاد عام 1937 إلى القاهرة، ليحصل في مايو 1938 على الليسانس الممتازة من قسم الفلسفة. بعد إنهائه الدراسة تم تعينه في الجامعة كمعيد ولينهي بعد ذلك دراسة الماجستير ثم الدكتوراه عام 1944 من جامعة القاهرة، والتي كانت تسمى جامعة الملك فؤاد في ذلك الوقت. عنوان رسالة الدكتوراة الخاصة به كان: "الزمن الوجودي" التي علق عليها طه حسين أثناء مناقشته لها في 29 مايو 1944 قائلا: "أشاهد فيلسوفا مصريا للمرة الأولى". وناقش بها بدوي مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية والزمان الوجودي. [عدل] عمله الجامعي عين بعد حصوله على الدكتوراه مدرسا بقسم الفلسفة بكلية الاداب جامعة فؤاد في ابريل 1945 ثم صار أستاذا مساعدا في نفس القسم والكلية في يوليو سنة 1949. ترك جامعة القاهرة (فؤاد) في 19 سبتمبر 1950، ليقوم بإنشاء قسم الفلسفة في كلية الآداب في جامعة عين شمس، جامعة إبراهيم باشا سابقا، وفي يناير 1959 أصبح أستاذ كرسى. عمل مستشارا ثقافيا ومدير البعثة التعليمية في بيرن في سويسرا مارس 1956 - نوفمبر 1958 غادر إلى فرنسا 1962 بعد أن جردت ثورة 23 يوليو عائلته من أملاكها. وكان قد عمل كأستاذ زائر في العديد من الجامعات، (1947-1949) في الجامعات اللبنانية، (فبراير 1967 - مايو 1967) في معهد الدراسات الاسلامية في كلية الاداب، السوربون، بجامعة باريس، (1967 - 1973) في بالجامعة الليبية في بنغازى، ليبيا، (1973-1974) في كلية "الالهيات والعلوم الاسلامية" بجامعة طهران، طهران و(سبتمبر سنة 1974-1982) أستاذا للفلسفة المعاصرة والمنطق والاخلاق والتصوف في كلية الاداب، جامعة الكويت، الكويت. أستقر في نهاية الأمر في باريس
بانوراما لحياة هيجل التي امتدت على واحدٍ وستين عامًا. عرض ثري لأبرز الأحداث التي شهدها هيجل، أفكاره، وتقلبها مع الزمن، حياته مع زوجته، أولاده، علاقته بطلابه.. إلى آخره من الأشياء التي قد تحدث مع أي منا. أهمية الكتاب تكمن في التأكيد على إنسانية الفيلسوف التي قد تغيب عن الأذهان حال استحضار كم التجريد الذي تمتلئ به كتب الفلسفة. هناك فارق زماني وبطبيعة الحال ثقافي بين عصر هيجل (نهاية القرن الثامن عشر، بداية القرن التاسع عشر) وبين عصرنا هذا. فالفلسفة في ذلك الوقت، والعلوم الإنسانية بمختلف أصنافها كانت العلوم الأرفع، والأعلى مكانة (من العلوم التطبيقية والطبيعية). في ذلك الوقت كانت الفلسفة "علمًا"، وهذا مخالفٌ للعرف السائد في زماننا هذا. فليس من الدارج أن تنعت هذه "التخصصات" بالعلوم. ما أقوله، أنّ هذا الفارق الاصطلاحي، سبقته قطيعة كبيرة مع العلوم الإنسانية والاجتماعية صوب العلوم الطبيعية (كالأحياء والفيزياء والكيمياء) والعلوم التطبيقية (كالهندسة والطب). صاحبت هذه القطيعة، بمساعدة من الثقافة الشعبية، تحوّل ذكر الفلسفة (على سبيل المثال) إلى فرصة للتندر، ونعت كثيري الكلام، ومحبي التسفسط بالفلاسفة؛ فلفظة "لا تتفلسف" تهكّمٌ ليس غريبًا على الأذن. ربّما حدس عبدالرحمن بدوي بهذه الهوة الزمانية / المفاهيميّة، فأكثر من الكتابة عن الفلاسفة، وشرح فلسفتهم بدلًا من ترجمتهم مباشرة، فيساهم في تكريس المشكلة بدلًا من حلّها.
***
في رأيي أنّ بدوي في هذا الكتاب وقع في فخ المبالغة في تبرير تصرفات هيجل الغريبة، ومن اليسير ردّ ذلك إلى حبّه له. لكنّ المحبّة وحدها ليست مبررًا كافيًا. هيجل، في رأيي شخصٌ أناني، انتهازي، لم يوفّر فرصة للاستفادة من قربه من النظام الحاكم في بروسيا إلا واغتنمها، وإن أبدى أنّه واقف على الحياد في فترات الاستقرار التي عاشها. إرجاع تحوّل فكره السياسي، من محبّ للثورة الفرنسية، ومتحمس لمبادئها: الحرية، الإخاء، المساواة، إلى شخص يحبّ السّلم - وإن كان هذا السّلم يقتضي التسليم بحكوماتٍ دكتاتوريّة، فليكن - إلى كونه رجلًا عقلانيًا، يفضّل البناء بتروٍ هو مجرد تبرير عاطفي، يبتعد عمّا نادى به هيجل نفسه من إرجاع الأمور للعقل أولًا. مثلًا، نجد هيجل يصف في رسالة لصديقه نيتهمّر لحظة دخول نابليون ليينا على فرسه "وإنّه لإحساس رائع حقًا أن يرى المرء مثل هذا الشخص المُركّز هنا في نقطة وهو جالس على فرس، يمتدّ على العالم ويسيطر عليه". وما كان من بدوي إلا أن علّق - بعد اندهاشه من قلة الروح الوطنية لهيجل وسكان يينا عامة -: "ولا يمكن أن يعدّ ذلك من باب النفاق للغازي، لأنّه كتب ذلك في رسالة خاصة إلى صديقه نيتهمّر!" ولا يتذكّر بدوي أن هيجل ذاته، استنكر على الناس فعلهم حين أبوا أن يعطوا الجنود الفرنسيين ما يشاءون من متاع، ووصفهم بقليلي الفطنة.
على الجانب الآخر، كانت مفارقة عجيبة أن يكون هيجل شخصًا محبًا، ومتفهمًا للاختلافات بين البشر، خاصة في تعامله مع النساء، زوجته تحديدًا من جهة. وموقف عبدالرحمن بدوني نفسه من النساء من جهة أخرى. بداية، لا أفهم السبب الذي دعاه ليحشر رأيه في النساء، كلما أتيحت له الفرصة، في كتابٍ معدّ ليكون عن هيجل وحده. فمثلًا، نجده يعلّق على رسالتين بعثهما هيجل لزوجته (كانت خطيبته وقتها)، يستسمحها فيهما قسوته في طرح وجهة نظره المخالفة لوجهة نظرها حول أمرٍاختلفا عليه لم ترد ماهيته في كلتا الرسالتين (يرجح أنه حول التفريق بين الرضا والسعادة): "إن هيجل بطبعه الفلسفيّ العميق لا يمكن أن يتصوّر سعادة خلوًا من الحزن والآلام، بينما هي - بسذاجتها وسذاجة كلّ امرأة، وتفاهة تفكيرها وتفاهة كل امرأة تعتقد أن السعادة هي في البيت الهادئ المرتّب والأولاد والمعاش المكفول، وسائر هذه السذاجات التي لا تدرك النساء لـ "السعادة" معنًى غيرها".
يتّضح من السياق، أن حياة هيجل كانت رتيبة بعض الشيء، أو للدّقة كان مخطّطًا لها أن تكون كذلك. وهذا يتناسب مع حياة فيلسوف رأس ماله الأهم هو وقته. فنراه لا يفوّت فرصة لكسب المزيد من الوقت إلا ويغتنمها، وإن كان ذلك على حساب عملٍ يدرّ عليه وعائلته مبالغًا إضافيّة، كما حصل حين طلب إعفاءه من عضوية لجنة الامتحانات في برلين 1822، إذ كتب لوزير المعارف إلتنشتين يقول له: "والتجربة التي مررت بها طوال عامين تكشف لي عن أن محلًا غير متجانس من هذا النوع يؤثر في نفسي كتشتيت مؤلم يبدد وقتي [...]، وبودّي أن أتحرّر منها قدر المستطاع، مدفوعًا بنفس الشعور بالواجب، ولو أنّ عليّ من أجل هذا أن أتخلّى عن موردٍ إضافيّ".
من الجدير بالذّكر أن عبدالرحمن بدوي اهتمّ بأصحاب هيجل، ودوائره الأكاديميّة أكثر بمراحل من دائرته الصغيرة: عائلته. إذ لم يذكر إلّا نزرًا يسيرًا عن زوجته وأبنائه، وربّما كان تسليط ضوءٍ أكبر على حيواتهم ليساهم بمزيدٍ من الكشف عن الوجه الأقل جدٍ وعملية لهيجل، وأكثر إنسانيّة بطبيعة الحال.
أخيرًا، هذا عمل توثيقي كبير، يتّضح من خلاله حجم الجهد المبذول والاشتغال المنهجي (كتب عبدالرحمن بدوي كتابين آخرين عن هيجل (فلسفة الجمال والفن عند هيجل) و (فلسفة القانون و السياسة عند هيجل)) الذي قام به، والذي قد يكون مدخلًا مهمًا لفهم الفلسفة (الألمانية على وجه الخصوص).
كتاب ممتلئ بالفلسفة والفن والفكرة وتوقفت عند بعض الصفحات لانها تشبه حالنا بعض الشيء حال مدينتنا و سكانها لا اعرف ان كنت استفدت منه او لا لكن انا متحمسة بعض الشي في شغف "هيجل" بالدين والفرضيات وحب الجمال. تعتبر تجربة جيدة واقرأ لعبدالرحمن البدوي لاول مرة وعلى عجلة للاسف:(.