يتناول هذا الكتاب الأدب الروسي قبل الثورة البلشفية وبعدها. وهو يركز على أهم المدارس الأدبية وأبرز الإتجاهات التي سادت هذا الأدب, ومعظم هذه الإتجاهات جديدة على القارىء العربي مثل الإخوة سيرابيون وجماعة الأوبريو تس وجماعة المضيق وجماعة الذرويين وجماعة الشعراء الحدادين [أو الشعراء الكلونيين], هذا إلى جانب المدارس الأخرى التي قد يعرفها هذا القارىء مثل الرمزية والمستقبلية والشكلية والبروتوكولت والزادانوفية. ويتناول الكتاب أيضا رأي لينين في الأدب. وغني عن البيان أن بعض هذه الإتجاهات الأدبية أيدت الثورة البلشفية وناصرتها في حين أن بعضها الآخر ناصب هذه الثورة العداء
رمسيس عوض مفكر موسوعي ومترجم وأكاديمي مرموق، نشأ في أسرة متوسطة الحال في محافظة المنيا عام 1929، يعمل أستاذاً للأدب الإنكليزي في كلية الألسن جامعة عين شمس، نسيج وحده، ونموذج فريد للأستاذ الجامعي، ويشهد على ذلك تعدد اهتماماته وإسهاماته الأدبية والثقافية والفكرية، كما أنه ناقد ومؤرخ للأدب وموثق ببليوغرافي. يتسم إسهامه في الأدب العربي بالتميز، فموسوعته الببليوغرافية للمسرح المصري في الفترة من 1900 إلى 1930 نموذج يحتذى في مجال الدراسات المسرحية الجادة. قدم للمكتبة العربية 80 كتاباً يتناول بعضها الأدب العربي المعاصر مثل أدب توفيق الحكيم، وبعضها يتناول الحس الحضاري والوطني عند المشتغلين بالمسرح المصري، فكتابه «اتجاهات سياسية في المسرح المصري قبل ثورة 1919» يلقي الضوء على الدور الوطني الطليعي الذي اضطلع به المسرح المصري في إذكاء ثورة 1919، كما أن كتابه «شكسبير في مصر» الذي قامت مكتبة الإسكندرية بترجمته إلى اللغة الإنكليزية، يبرز الحس الحضاري المصري، إلى جانب ترجماته إلى العربية لأشهر فلاسفة ومفكري وأدباء الغرب أمثال: برتراند راسل، وجوليان هكسلي، ود.هـ لورانس، فضلاً عن أنه مدافع نشيط عن حرية التعبير الأمر الذي جعله يؤلف خمسة كتب عن محاكم التفتيش، وثمانية كتب عن معسكرات الاعتقال النازية.
ومن كتبه باللغة العربية: برتراند راسل الإنسان، جورج أورويل (حياته وأدبه)، الأدب الروسي قبل الثورة البلشفية وما بعدها، دوستيوفسكي في المنفى، الهولوكست بين الإنكار والتأييد، العرب ومحرقة اليهود، دراسات في الأدبين الإنكليزي والأميركي، الهرطقة في الغرب، توفيق الحكيم الذي لا نعرفه، الأدب الروسي والبريسترويكا، صورة اليهودي في الأدب الإنكليزي، موسوعة الرقابة والأعمال المصادرة في العالم، هل أنت شيوعي يا مستر شابلن؟
ومن ترجماته: محاكم التفتيش في فرنسا، ألبرت أينشتاين «سيرة حياته»، محاكمات أدبية وفكرية وفنية، وول سينكا، ترجمة رواية «ظلام في الظهيرة» لآرثر كيسلر.
١) ويلاحظ أن فشل ثورة ١٩٠٥ ترك آثارًا مدمرة في نفسية قطاعات كبيرة من الشعب الروسي، فمنهم من آثر أن يهرب من عالم الواقع إلى عالم الخيال أو التصوف أو الجنس، ومنهم من هجر السياسة وعزف عنها وتشكك في قدرة الشعب الروسي على القيام بأي دور فعال في البناء الإجتماعي، وبسبب التمزق الذي شعرت به الطبقة المثقفة، إرتد الكثيرون منها عن عالم أفكارهم الثورية ولاموا أنفسهم على الإشتراك في السياسة مثلما فعل فكتور سافنكوف (١٨٧٦-١٩٢٥) الذي نشر بعض الروايات التي ندم فيها على الإشتراك في العمليات الإرهابية والثورية، وفي هذا الجو من اليأس الإجتماعي كان من الطبيعي أن تتجه أنظار الكثيرين إلى حظيرة الله وإلى الفلسفات المثالية وإلى حياة التأمل والتطلع نحو الكمال على المستوى الفردي.
٢)ثم أخذ هذا الهجاء في عامي ١٩٢٤ و١٩٢٥ يتجه إلى معالجة ظروف الناس المعيشية وتناول الهوة السحيقة التي تفصل بين وعود الثورة البلشفية وفشلها في تحقيق هذه الوعود، وبطبيعة الحال وضع أعداء الثورة مسئولية سوء الأحوال على كامل مؤامرات الرأسمالية في الخارج والداخل وتواطئها مع فلول النظام القيصري البائد من أجل إجهاض الثورة الشيوعية
إقتباسين من فصول مختلفة، وأظنهم كافيين لتوضيح أن الكتاب يلقي الضوء على كل ثورة وليس على البلشفية فقط، ما أقوى التشابه بين الثورات !
برغم فشل ثورة 1905، لكنها كانت النقطة اللي حصل عندها التغير الشامل في مفاهيم الأدب الروسي. ويمكن اعتبار الفترة الواقعة بين ثورة 1905 و 1917 بأنها الفترة اللي انتجت أكبر عدد من المدارس الأدبية الروسية (الرمزية، المستقبلية، الشكلية، الجماهيرية، الأخوة سيرابيون، جماعة بيرفال) وللأسف كل المدارس السابقة لم يكتب لها الاستمرار بعد الثورة البلشفية؛ أما بسبب إجبار أعضاءها على الانضمام للأدب البروليتاري التابع للحزب الحاكم الشيوعي، أو بسبب اعتقال عدد من الأدباء أو منعهم من الكتابة.
الشيء المميز في الكتاب هو الفصل الخاص برؤية لينين للأدب، ودوره الاجتماعي البحت بعيدا عن أي قيمة جمالية. وتأثير الرؤية دي -بالإضافة لفرض الرقابة على الأدباء- في تدهور الأدب الروسي فيما بعد في عهد ستالين.