كل الأنبياء معصومون، لأنهم مختارون من قبل الله -تعالى- لأداء مهمة خاصة جدًّا، لذا فقد صانهم الله على الدوام وزودهم بصفة العصمة. فلكي يكونوا أئمة الهدى وقدوة الإنسانية جمعاء، عليهم أن يحافظوا على منزلتهم السامية وموقعهم الطاهر وأن يصونوا أنفسهم من أي تلوث لكي لا ينحرف أتابعهم. وما ينسب إلى بعض الأنبياء من الهفوات أو الهَنَات لا تعد ذنوبًا أصلاً. وما نسميه نحن بالهفوة أو الزلة إنما يتعلق بمقامهم السامي، أي أن هذه الهفوات بينما لا تعد شيئـًا بالنسبة لأمثالنا، إلا أنها تعد زلات بالنسبة للمقربين إلى الله. أجل، كل نبي معصوم، أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو في قمة العصمة؛ ذلك لأن كينونته عُجنت بالتجليات الإلهية، وكان قلبه على الدوام مرآة لتجليات الله -تعالى-، لذا فمثله لا يكون إلا في أعلى قمة العصمة.ـ
ولد الأستاذ "محمد فتح الله گولن" في 27 نيسان عام 1941م في قرية صغيرة تابعة لقضاء "حسن قلعة" المرتبطة بمحافظة "أرضروم"، وهي قرية "كوروجك".. ونشأ في عائلة متدينة، وكان والده "رامز أفندي" شخصًا مشهودًا له بالعلم والأدب والدين، وكانت والدته "رفيعة هانم" سيدة معروفة بتدينها وبإيمانها العميق بالله، وقامت بتعليم القرآن لابنها "محمد" ولمَّا يتجاوز بَعْدُ الرابعةَ من عمره، حيث ختم القرآن في شهرٍ واحد.. وكانت أمه توقظ ابنها وسط الليل وتعلمه القرآن. كان بيت والده مضيفًا لجميع العلماء والمتصوفين المعروفين في تلك المنطقة؛ لذا تعوَّدَ "محمد فتح الله" مجالسة الكبار والاستماع إلى أحاديثهم.. وقام والده بتعليمه اللغة العربية والفارسية. درس في المدرسة الدينية في طفولته وصباه، وكان يتردد إلى "التكية" أيضًا، أي تلقَّى تربيةً روحية إلى جانبِ العلوم الدينية التي بدأ يتلقاها أيضًا من علماء معروفين، مِن أبرزهم "عثمان بكتاش" الذي كان من أبرز فقهاء عهده، حيث درس عليه النحو والبلاغة والفقه وأصول الفقه والعقائد، ولم يهمل دراسة العلوم الوضعية والفلسفة أيضًا. في أثناء أعوام دراسته تعرف بـ"رسائل النور" وتأثر بها كثيرًا، فقد كانت حركة تجديدية وإحيائية شاملة، بدأها وقادها العلامة بديع الزمان "سعيد النورسي"، مؤلف "رسائل النور". وبتقدمه في العمر ازدادت مطالعاته وتنوعت ثقافته وتوسعت فاطلع على الثقافة الغربية وأفكارها وفلسفاتها وعلى الفلسفة الشرقية أيضًا وتابع قراءة العلوم الوضعية كالفيزياء والكيمياء وعلم الفلك وعلم الأحياء.. إلخ. عندما بلغ "محمد فتح الله" العشرين من عمره عُيِّنَ إمامًا في جامع "أُوجْ شرفلي" في مدينة "أدرنة"، حيث قضى فيها مدة سنتين ونصف سنة في جوٍّ من الزهد ورياضة النفس.. وقرر المبيت في الجامع وعدم الخروج إلى الشارع إلا لضرورة. بدأ عمله الدعوي في "أزمير" في جامع "كستانه بازاري" في مدرسة تحفيظ القرآن التابعة للجامع.. ثم عمل واعظًا متجولاً، فطاف في جميع أنحاء غربي الأناضول. وفي خطبه ومواعظه كان يربي النفوس ويطهرها من أدرانها، ويذكِّرُها بخالقها وربها ويرجعها إليه.. كانت النفوس عطشى، والأرواح ظمآى إلى مثل هذا المرشد الذي ينير أمامها الطريق إلى الله -تعالى- وإلى رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-. وكان يجوب البلاد طولاً وعرضًا كواعظٍ متجول يلقي خطبه ومواعظه على الناس في الجوامع.. كما كان يرتب المحاضرات العلمية والدينية والاجتماعية والفلسفية والفكرية، ويعقد الندوات والمجالس واللقاءات الخاصة يجيب فيها على الأسئلة الحائرة التي تَجُولُ في أذهانِ الناس والشباب خاصة.ـ