رواية تحمل سرديات ذاتية تكشف عن داخل المجتمع الجزائري من خلال شخصية البطل الممزق بين الغربة والانتماء. هي تكشف عن موهبة لافتة وخبرة في فن السرد ولغة بسيطة مصقولة تؤالف بين الرشاقة والتوتر، وتخفي قدرة واضحة على البناء الفني لجهة تداخل الأنواع والأزمنة، والانتقال الذكي بين الماضي والحاضر بما يتيح الكشف عن التناقضات التي تشيع في المجتمع الجزائري. والرواية حائزة على جائزة مالك حداد لعام 2001-2002 مناصفة مع رواية "بحر الصمت" لياسمينة صالح.
يعد إبراهيم سعدي واحدا من الروائيين الجزائريين القلائل الذين يكتبون روايات كاملة البناء الفني بفضل اشتغاله على الشخصية الروائية التي يوليها أهمية كبرى داخل نصوصه الأدبية ، ووبراعته في صنع حبكة لنصوصه التي لم تنفصل عن انشغالات النص الروائي الجزائري ( ..الثورة، خيباتها، فشل المشروع الاشتراكي، والإرهاب الأعمى) . وخصوصا العشرية السوداء التي تناولها في عدة نصوص روائية، فتاوي زمن الموت 1999 وبوح الرجل القادم من الظلام (2002) وصمت الفراغ 2006 .
سنحاول القاء الضوء على روايته بوح الرجل القادم من الظلام، التي نجد فيها اشتغالا قويا على الشخصية الرئيسية للرواية " الحاج منصور ".فاللافت للانتباه في هذه الرواية هو بناؤها السردي القائم على حكايتين الأولى منضمة يرصد فيها أهم التحولات التي عرفتها الجزائر من زمن الثورة إلى تسعينيات القرن الماضي وتغطي حياة الشخصية الرئيسية مند طفولتها إلى موتها، وحكاية تكاد تكون مخفية تبرز الوضع المتناقض للشخصة الرئيسية بين ماضيها الطائش وحاضرها المأزوم الذي تخيم عليه أحداث التقتيل. يتم سردهما بشكل تناوبي. لتضعنا الرواية أمام ثلاث حكايات : حكاية الوطن بالتأريخ للأحداث الكبرى التي عرفها، وحكاية ماضي الذات ومساوئها وحكاية حاضرها المفجع. مبرزين كيف تفاعلت الرواية وتمثلت ظاهرة الإرهاب عبر الدخول بالقارئ الى حيثيات تطور النفسية الجزائرية في ظل تغيرات البنية الاجتماعية للجزائر . فبعد المأسي التي مر بها الحاج منصور لم يجد الا الكتابة كنوع من العلاج والتخفيف من عبء ما ارتكبته الذات في الماضي. عبر السرد والاسترجاع فيدخل القارئ الى دوامة من الإعترافات التي تدين الذات وتبوح وتقر بأخطائها، من خلال تركيز فعل التذكر على كل الذكريات القبيحة التي تجعل الأنا موضع اتهام .
فالرواية تتمتلئ بالمراجعات التاريخية فأحيانا بنتقد الأوضاع والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها الجزائر، نقد لم يكن مقصودا، وإنما جاء مع السياق الحواري للشخصيات فالحاج منصور أراد تأليف كتاب يتصالح فيه مع ذاته ويعترف بكل الأخطاء التي اقترفها، يتعلق الأمر بتصفية حساب مع الذات. يقول مثلا منتقدا الصراع حول السلطة مباشرة بعد الاستقلال:"يا للغباء سبع سنوات وهم يحاربون من أجل نيل الاستقلال. والآن بعدما أصبحوا أحرارا يريدون التقاتل فيما بينهم." كما تبرز الرواية التغيير الكبير الذي طرأ على الشباب الجزائري في أواخر الثمانينات بالانتشار السريع للأصولية الدينية في صفوفه التي ربطها بالبطالة.تعتبر رواية بوح الرجل القادم من الظلام من الروايات التي كانت محايدة في تفسير الظواهر التي مر بها المجتمتع الجزائري بل أعطت عمقا مختلفا لفهم الأحداث التأريخيه وهنا تكن مهمة الادب وخاصة الرواية .
قرأت الرواية قبل عقد ويبدو أن تفاصيلها توارت في الذاكرة وبقي منها شيء شبيه بأريج لقاء عشق يتسلل إلى الذاكرة فيحدث فيها زوبعة عسيرة على الشرح فضلا عن الفهم. هي سيرة رجل تقلب به الزمان وسيرة عقد جزائري لونه الدم والجنون سيرة ترصد تحولات الجزائر وانكساراته والنفق الذي دخله هذا البلد بكل عتمته وجرمه ما علق بذاكرتي من هذه الرواية أنساني عنوانها يوما وجعل من التفاصيل التي تشبثت بالوجود تسير في مخيلتي ولكن دون وجه. وعبثا حاولت البحث حتى أشرق العنوان ذات دهشة فأدركت ساعتها أن هذا ال(سعدي ) عبقري بكل ما تحمله تلك الدهشة
رواية تحكي تاريخ الجزائر من وقت التحرير الى الأيام السوداء التي هيمن الإرهاب الأعمى فيها على المجتمع الجزائري عبر قصة حياة طبيب عانى الأمرين من علاقاته النسائية التي تنتهي معظمها بمصائب صبغت الرواية بحس متشائم موسوم بالموت فكل طريق تأخذه يؤدي الى تهلكة او نهاية سيئة. لغة الرواية سلسة وسردها يوازن بين الماضي والحاضر محبوك بطريقة جميلة بسيطة. عجبتني كثيرا شخصية ضاوية زوجة منصور التي شجعت زوجها على كتابة قصة حياته لإعطائه الفرصة للتنفيس عن مايغلي في داخله من جحيم ومايثقل نفسه من الأخطاء والذنوب.