What do you think?
Rate this book


260 pages, Paperback
First published October 1, 1978


المتناقضة الثانية في تاريخ هذا الشعب متمثلة في حقه الطبيعي في الحياة حرا كريما وبين الطغيان الإقطاعي الذي قام على قاعدة عريضة من فلاحين مسحوقين ولقد كانت السخرية والسوط والتعذيب من وسائل الإرهاب في عهد العثمانيين وكانت تتدرج على كل المستويات ابتداء من الحاكم خلال الباشا والعمدة حتى الخفير-(ولعل هذا يفسر لنا ذلك العداء التقليدي بين الشعب والسلطة)-تلك جميعا كانت طفيليات بشرية قديمة أزمنت في كيان اﻟﻤﺠتمع المصري... وما من شك أن هناك مضاعفات وعوامل مساعدة ساعدت على استقرار هذا الطغيان حتى غدا قاعدة عامة. من ناحيته السياسية والاجتماعية €ا ومن ثم أصبح اﻟﻤﺠتمع المصري مجتمعا نمطيا « يلغي »الفردية « ويفرض »التنميط الجمعي « ويفرض التعايش السلمي وغريزة القطيع
نصوص الأخلاق في مصر القديمة تلح دائما على كلمة الصبر كفضيلة أساسية تتطلبها من الفلاح الفقير وهي كلمة يمكن أن نترجمها »بالهدوء والسلبية والسكون والخضوع والمذلة والانكسار « أما الفردية العارمة واستقلال الشخصية و نمو روح ا لمقاومة-الإيجابية-والتمرد فلم تعرفها مصر كقاعدة أساسية للمواجهة
وطبيعي أن هذه البيئة الاجتماعية كانت كفيلة بأن تفرض نوعا مريضا من »الانتخاب الاجتماعي « نوعا يعتبر »انتخابا عكسيا لا يكون فيه للعناصر الأبية أو المتمسكة بحقوقها أو كرامتها نجاح اجتماعي مرموق بل الأرجح أن تضاد وتباد بينما تفره العناصر الرخوة أو السلسلة المنقادة أو الهلاميات الاخلاقية
قال العقل أنا لاحق بالشام فقالت الفتنة وأنا معك وقال الشقاء أنا لاحق بالبادية فقالت الصحة وأنا معك وقال الخصب أنا لاحق بمصر فقال الذل وأنا معك
مصر قسمت إلى أربعة وعشرين قيراطا أربعة للسلطان وعشرة للأمراء والاطلاقات وعشرة للجند... وبذلك يكون اﻟﻤﺠموع أربعة وعشرين فعلا ولكن أين منه نصيب الشعب المصري?! أين نصيبنا من خيرات أرضنا ونيلنا وشمسنا..? »انه القيراط الخامس والعشرون ومكانه... مم€لكة السماء
والحقيقة انه ما من فرصة سنحت أمام الشعب المصري للثورة والتمرد إلا وكانت ملاذه
لكن هذه الثورات-لسبب أو لآخر-كانت دائما تفشل ومن ثم كان يعقبها إحباط وخيبة أمل شديدة
كانت المقاومة المصرية-غالبا-ما تأخذ شكل الابتسامة الساخرة نعرف كيف نرد بها على متاعب الحياة. لقد جربت مصر الكثير وعانت الكثير وعلمت بحكمتها أن أعظم المحن سوف تنهار مع الزمن وتتفتت ويبقى الجوهر المصري أصيلا وخالدا لا تكدره الدلاء-وان زادت مرارة التجربة من حكمته وحنكته فكأن لسان حاله يقول اصبر على جار السوء ، يا يرحل يا تيجي له مصيبة
فما تحملوه من ضغط آلاف السن كان يكفي للقضاء عليهم لولا روح الفكاهة
والواقع أن عصور الظلم الطويلة قد أجبرت الشعب المصري على أن ينتقل من التصريح إلى التلميح لتحقيق نوع من السلوك السياسي والاجتماعي المتوازن بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون... بين الرغبة والإرادة. بين الأمل والواقع.