يكتب خالد زيادة سيرة مقتضبة ترقى بالطابع الذاتي الخاص الى طابع اجتماعي. واذا السيرة الذاتية هي سيرة مدينة وأحياء. والمدينة هي طرابلس في مرحلة من أبرز مراحلها السياسية والاجتماعية. الكتاب يترجم الآن الى عدد من اللغات الأوروبيّة.
----
في روايته لتعرض طرابلس (لبنان) لرياح "الحداثة"، لا يحل خالد زيادة مدينته في مرتبة ثانية مقابل بيروت اوانه لا يراها منعكسة في مرآة المدينة الاولى على نحوما يرى المقيمون في المدن الثانية ليست طرابلس ريفا مدينيا يحتاج المفتون بالمدن الى مدينة اخرى سواها ليوكل اليها. امر فتنته. ثم ان التغير لا يأتي اليها منقولا من بيروت مستعملا سبق حصوله. انها تتغير مستقلة عما يفترض ان يكون نموذجها الرائد. اما التغير هذا فيأتيها من شاطئها المتوسطي، من حيث يأتيها الفرنسيون والطليان واليونان غير العابرين اولا بالعاصمة. ثم ان تاريخها السابق على التحول لا يصلها الا بزمنها هي. هكذا كأنها مدينة منفردة، تبدأ من نفسها وتنتهي الى نفسها. او كأنها لم تذعن للدولة التي اصبحت منها فتقبل، مثل،ا ان تدير وجهها جنوبا. الى حيث العاصمة.
"بدأت الستينات مبكرةٌ في مدينتنا، وانتهت قبل أوانها..."، يقول خالد زيادة في "يوم الجمعة، يوم الأحد". هذه الرحلة الأدبية/التأريخية التي ترسم تاريخ طرابلس الحديث، رسماً بالفحم ينبثق من تدرّجات الأسود والرماديّ، هي من أجمل ما قرأت منذ مدّة طويلة. نصٌّ كثيفٌ متقن، ولغةٌ زكيّة بلكنةٍ فصاحةٍ جذابة. هدوء ورزانة في الكتابة يُضمرانِ حسّ تصالُحٍ مع الذات عميقاً. ولكن لماذا تفادى ذكر اسم المدينة تماماً، ولو لمرة واحدة في الكتاب؟
ثلاثية بديعة.. تاريخ طرابلس بعيون باحث يبحث عن كل التفاصيل حتى يرسم صورة أقرب ما تكون إلى الواقع.. هذه الكتب الثلاثة (وهذا إحداها) أساسية لأي طرابلسي يتطلع للتفاعل مع مدينته بعمق..