يُبرز المؤلف في هذا البحث الأسلوب الذي زكاه الله في موقف ابن آدم الأول من أول نزاع حدث في مطلع البشرية.. ليكون هذا الأسلوب المُزكَّى من قِبل رب العالمين نبراساً للبشرية في خط سيرها الطويل. ويهدف إلى إيجاد أسلوب آخر لحل مشكلات البناء.
يوجه هذا الكتاب وهو أن كان الكلام إلى الإسلاميين ليدلهم على الطريق، إلا أنه لم يقصد الاقتصار عليهم، بل يريد أن يضع أمام ضمير الآخرين هذا الأسلوب في العمل ليكون موضع تأملهم.
ويبين هذا الكتاب أن على المسلمين من أجل استئناف الحياة الإسلامية أن يقوموا بعملية البلاغ المبين، وأن يؤدوا واجباتهم بصرف النظر عن الحق الذي لهم.
ما هو الفرق بين جهاد الخوارج والجهاد الذي جاء به الإسلام؟ ما الفرق بين الجهاد والخروج؟ وهل نحن أصبحنا خوارج.
جودت بن سعيد بن محمد مفكر سوري شركسي ولد بقرية بئر عجم التابعة للجولان في سوريا عام 1931م. وهو مفكر إسلامي معاصر، يعتبر امتدادًا لمدرسة المفكرين الإسلاميين الكبيرين، الأستاذ مالك بن نبي ومن قبله محمد إقبال.
يعرف جودت سعيد بأنه داعية اللاعنف في العالم الإسلامي أو غاندي العالم العربي. وقد عبر عن سعادته بهذا الوصف في مناسبات عدة، وكان أول ما كتبه في مطلع الستينيات كتابه: "مذهب ابن آدم الأول، أو مشكلة العنف في العمل الإسلامي"، وهو يناقش مبدأ اللاعنف وعلاقته الجذرية بالإسلام، لكن يمكن للبعض أن يرى أن القصد من وراء الامتناع عن استخدام العنف أو القوة هو في واقع الأمر اللجوء إلى العقل والتفكير. لذلك كانت دعوته إلى اللاعنف دعوة للعقل في أساسها.
فكرة الكاتب أنّ القتال مشرّع فقط عندما يكون هناك مجتمع إسلامي مستقرّ , أمّا في عمليّة إنشاء المجتمع الإسلامي فالمشرّع هوالدعوة بالسلم وحسب . هذا لا إشكال فيه , حين يقتصر على هذه الثنائيّة , لكن سحب هذه الثنائيّة إلى غير محلّ تحقّقها حين نطبّقها على حالة مواجهة مع أنظمة لا يمكن مواجهتها إلّا عسكريّاً , مع الانتباه إلى أنّ مجتمعاتنا الإسلامية متشكّلة و مستقرّة الهويّة كإسلاميّة فعلاً , هنا يظهر الإشكال . يبقى جودت سعيد من أكثر المفكّرين إيماناً و إخلاصاً لمبدئه , إيمان به لدرجة التماهي معه و اعتباره رسالةً يشغله دوماً همّ تبليغها للعالم , و هذا ممّا لا يمكن لأحد إلّا أن يعجب فيه و يستلهم منه .
أنهيت البارحة قراءتي الثانية لهذا الكتاب الجميل الكتاب يتحدث عن ضرورة واهمية عدم إتباع وسيلة القوة لفرض آراء معيّنة على الناس، وهذا الذي يقصده (أو الذي أؤيده أنا) من فكرة اللاعنف في التغيير أن لا يستخدم أحد أو مجموعة قليلة من الناس القوّة لفرض تغيير لا يريده المجتمع
ولهذا فلا يمكن (بفهمي) إعتبار الجيش الحر حركة تخرق هذه الفكرة، أو تخالفها، لأن كتائب الحر ليست مجموعة محدودة من الناس، تعمل بالخفاء على الإطاحة بحكم يرضاه المجتمع لتصل هي إلى هذا الحكم. الصورة مختلفة جذريًا لأن الناس هنا رفضت الحكم القائم بأغلبية إنتخابيّة على أقدر تقدير، ثم إنها ارتضت وأيدت كتائب الجيش الحر التي تقتصر مهمتها على تعطيل آلة القمع والإطاحة بها، ثم التخلية بين الناس وبين رغبتها الحرّة في إختيار من تشاء للمهمة لذلك لا يمكن القول بأن التغيير في سوريّة هو تغيير عنيف بمعنى الإكراه
الفكرة الجوهريّة - مجددًا: التغيير يجب أن يتم برضى النّاس وقبولها، وأن لا يفرض عليها، لكن إذا كانت النّاس قد رضت بأمرٍ ما ثم حال بينها وبين رضاها قوّة مستبدّة لم يكن من حرج في إستخدام القوّة لإزالة هذا المانع (وهذا هو الجهاد)
هكذا عنون المؤلف كتابه كعنوان رئيس، ثم نجد تحت هذا العنوان الرئيس عنوانا فرعيا وهو "مشكلة العنف في العمل الإسلامي".
يبدو أن فكرة الكتاب أكثر وضوحا من خلال العنوان الفرعي منها في العنوان الرئيس والذي قد يحمل تأويلات شتى بالمقصود من "مذهب ابن آدم الأول".
تبدأ مقدمة الطبعة الأولى للكتاب في الصفحة 67 من الكتاب الذي بين يدي والتي كتبها المؤلف في عام 1966م، حيث صدرت طبعات عديدة من الكتاب وبالتالي قدم المؤلف للكتاب بمقدمة جديدة في كل طبعة لتحمل في طياتها تساؤلات وأفكارا ربما لم يتطرق إليها في محتوى الكتاب الأصل أو في مقدماته السابقة.
صدر من هذا الكتاب خمس طبعات حتى اقتنائي لهذه النسخة من الكتاب وهي الطبعة الخامسة التي صدرت من دار الفكر المعاصر عام 1993م، وبالتالي –كما ذكرت آنفا-ضمّن المؤلف طبعته هذه جميع مقدمات الطبعات السابقة، حيث حوى بين طياته خمس مقدمات شغلت حيزا لا بأس به من الكتاب (ما يقارب 60 صفحة).
الفكرة الرئيسة التي يدور حولها الكتاب هي محاولة حل مشكلة العنف في العمل الإسلامي من خلال تصحيح مفاهيم خاطئة تتعلق بالجهاد والخروج على الحاكم والتي تكون نتيجتها الاقتتال وإزهاق الأنفس والفساد في الأرض عند انطلاقها من تفكير مغلوط وفهم خاطئ.
لقد طرح الكاتب رؤيته حول هذه المفاهيم والتي تعتبر رؤية متقدمة جدا بكل شجاعة قبل أكثر من أربعة عقود حيث كانت الساحة تمور بتيارات فكرية مختلفة ومنها التيار الإسلامي الذي عانى كل أشكال العنف والتعذيب من قبل الأنظمة الحاكمة في ذلك الوقت أو قبله، مما حدا ببعض هذه التيارات اللجوء إلى العنف والقسوة بل حتى إلى الاغتيال من أجل الثأر والتغيير.
الشجاعة التي تحلى بها الكاتب في طرحه تتجلى من خلال العبارة التالية التي جاءت في مقدمة الطبعة الخامسة من هذا الكتاب حيث يقول:
"أظن أن التاريخ الذي عشته، حياة وقراءة ومعاناة، أشعرتني بضرورة أن أخرج من الرحم، وما هذا الرحم؟
إنه هو:
رحم ما وجدنا عليه آباءنا
رحم معرفة الحق بالرجال
رحم عالم الأشخاص"
كما يقول في موضع آخر من هذه المقدمة: "فالذي يعيش عالة على فكر الآباء، هو مثل الجنين الذي يعيش في الرحم عالة على أمه".
ثم إنه يدعو دائما إلى التساؤل وتمحيص كل ما ورد في تراثنا الإسلامي حتى نستطيع الخروج من بطن الأم وتحقيق الاستقلال أو ما يسميه الكاتب بـ "الولادة الفكرية". يقول الكاتب في مقدمة طبعته الرابعة للكتاب: "وما لم نتساءل عن أشياء كثيرة في ثقافتنا الإسلامية، فإننا لن نقدر على أن نفتح أبصارنا لنرى ماذا يحدث في العالم". ويقول أيضا: "لم نعد نتساءل التساؤل الإبراهيمي، ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ هل ينفعونكم أو يضرون؟ ليس عندنا تساؤل، وإن حصل تساؤل فليس عندنا جواب إلا جواب قوم إبراهيم: بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، إنهم كانوا يرون آباءهم سلفا صالحا، ولم يخطر في بالهم القول الكريم: (أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون)."
هكذا تتجلى شجاعة هذا المفكر في طرح رؤى جديدة حول مفاهيم أساسية رأى الكاتب من واجبه أن يقوم بتصحيحها دون أدنى خوف أو تردد وإن سخطت عليه التيارات الإسلامية بطرحه هذا أو خالفته فيما ذهب إليه، آملا أن يسود مذهب ابن آدم الأول والذي تتبين معالمه من خلال ما ذكره في نهاية مقدمة الطبعة الرابعة، حيث يقول: "لا شك أن مذهب ابن آدم الأول صار نهاره قريبا، وبدأ فجره يبزغ، وخيره سيعم في العالم، وسيصل إلى المدى الذي يقول فيه الإنسان للآخر: لئن بدأت الحرب، ولئن بسطت إلي يدك لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين".
بعد تلك المقدمات الخمس التي جاءت في بداية الكتاب، يبدأ الفصل الأول من المحتوى الرئيس للكتاب بمجموعة نصوص من كتاب الله ومما روي عن رسول الله والتي تتناول موضوع القتل في قصة ابني آدم، ودعوة نوح عليه السلام لقومه (يونس، 71)، والروايات التي تتحدث عن عصر الفتن، والبيعة على قول الحق والجهاد. طرح الكاتب تلك النصوص كما هي دون شرح أو تأويل كمقدمة للمواضيع التي سيتناولها لاحقا في الكتاب لمعالجة مشكلة العنف في العمل الإسلامي.
بعد تلك المقدمة من مجموعة النصوص التي أوردها، طرح الكاتب مجموعة من الملاحظات التي تخص الموضوع الذي يتناوله، ثم تناول مجموعة من النماذج النبوية في العمل الدعوي، كما تطرق إلى فكرة البلاغ المبين في الدعوة إلى الله، وبعض الشبهات التي يمكن أن تثار حول الموضوع وبالأخص شبهة تعطيل الجهاد أو إماتة روح الجهاد عند الناس من خلال هذا الطرح.
من الأفكار الأساسية التي طرحها الكاتب وأراد أن يصححها لدى الجماعات الإسلامية بشكل خاص التفريق بين الجهاد والخروج. يقول الكاتب أن "الخروج هو استخدام القوة والعنف للوصول إلى الحكم" و "الجهاد هو استخدام القوة بعد الوصول إلى الحكم برضا الناس، لمنع الإكراه في الدين".
هذه هي الفكرة الأساسية للجهاد (منع الإكراه في الدين) في وجهة نظر الكاتب، حيث يقول: "شرع القتال حتى لا يكون إكراه في الدين (قاتلوهم حتى لا تكون فتنة)" وبالتالي نجد أنه يطرح شرطين أساسيين لتحقيق الجهاد بالقتال أحدهما في المجاهِد والآخر في المجاهَد ضده، بحيث إذا توفر هذان الشرطان جاز الجهاد أو وجب، وإلا فلا. هذان الشرطان هما:
1. أن يكون المجاهِد قد وصل إلى الحكم برضا الناس واقتناعهم 2. أن يكره المجاهَد ضده الناس على دين معين أو يفتنهم عن دينهم
تأثر جودت سعيد بأفكار المفكر والفيلسوف الكبير مالك بن نبي واضح جدا من خلال الاقتباسات التي يوردها في كتابه من كتب مالك بن نبي لتخدم الفكرة في الموضوع الذي يتناوله، وهذا ربما يفسر الرؤية التقدمية التي تميز بها جودت سعيد عن غيره من المفكرين الإسلاميين في تلك الحقبة التي خرج فيها كتابه هذا.
ربما كان الكاتب متفائلا جدا عندما قال أن مذهب ابن آدم الأول صار نهاره قريبا، وبدأ فجره يبزغ، حيث أنه كتب هذا الكلام قبل أن يرى العنف الذي تبنته بعض التيارات التي تنسب نفسها إلى الإسلام اليوم مثل تنظيم القاعدة، والاقتتال الطائفي الذي يحدث في العراق، والحرب الأهلية في سوريا وغيرها من الأحداث التي وقعت من قتل للأبرياء والتي تبنتها تيارات تنسب نفسها إلى الإسلام. لا أدري ماذا سيقول اليوم وهل سيعيد صياغة تلك العبارة التي كتبها قبل نحو عشرين عاما.
يبدو أن أفكار الكاتب لم تنل حظها من الانتشار والدراسة في المجتمعات الإسلامية، ربما لأنها لا تخدم توجهات تلك التيارات التي تتبنى أسلوب العنف والقتال من أجل التغيير، حيث أن أسلوب (لأقتلنك) أسهل بالنسبة لهؤلاء من محاولة التغيير وفق سنن الله في الأنفس والآفاق.
الكتاب رائع ومفيد جدا في زمن الثورات والاستنتاجات التي ساقها الكاتب صحيحة باستثناء التطرف الزائد في اللاعنف مع المحتل الأجنبي أما عن اللاعنف في التغيير ضمن المجتمعات العربية والإسلامية في صحيحة ويجب نشرها ضمن المجتمعات
أستطيع أن أقول أن الكتاب وخصوصًا في مراحله الأخيرة ، يمثل دعوة إلى استعادة حرمة النفس البشرية وحرمة الدم المسفوك كل يوم !
يعالج الكاتب الفرق الجوهري بين "الخروج" المتمثل بتمرد قل�� من الأفراد مستخدمين العنف كوسيلة لخروجهم عن الحالكم ، وبين الجهاد الذي يجب أن يحضر في وقت يكون فيه "الخارجون" قد وصلوا إلى مرحلة المجتمع ، مرحلة ولادة المجتمع المتميز صاحب الكيان والذي اذن له بالقتال -في المرحلة المدنية من عصر النبي مثلًا - .
الكتاب أثار في عقلي الكثير من الشكوك حول مسيرتنا في هذه الثورة وظننت للوهلة الأولى أننا لم نكن أصحاب حق في رفع السلاح في الجيش الحر ، لكن بقراءة أكثر عمقًا تبين لي أن حالتنا يتنافى مع مبدأ الخروج -ذو القلة - ويتفق مع مبدأ الجهاد تمامًا حيث غالبية الناس أو على أقل تقدير من هم قادرين على تشكيل مجتمع هم ضد هذا الظلم الذي نتعرض له ، والسلاح لم يرفع إلا لرد السلاح الذي يضرب رقابنا ليل نهار .
كتب من هذا النوع اعتقد أنهاضرورية جدا خصوصًا في مثل هذا الوقت الذي أصبح فيه صوت الرصاص يعلو فوق كل صوت ، وأصبح المتكلمين بصوت مخالف -أو بالأحرى متوازن - هم ضد الجهاد بل وضد الإسلام كله في بعض الأحيان
من سلبات الكتاب - التي ذكرها الكاتب - انه لا يفي الفكرة حقها في العرض ، أو إذا استظعنا أن نقول أنه لايمتلك الأسلوب القوي كبعض الكتب التي تتميز بقوة الإقناع والحجة ، وكلامي هنا عن الاسلوب لاعن مصداقية الكتاب بالبطع ، بالإضافة إلى عدد مقدمات الطبعات الكبير - أربع مقدمات على ماأذكر- فبالإمكان اختصار الافكار المتضمنة في - هذه المقدمات كلها بمقدمة واحدة او اثنتين على الاكثر
أول كتاب اقرأه لجودت سعيد.. كتاب موجه للإسلاميين، وما صادفهم من مشاكل جمّة، أولها إنقاطع الوحي وآخرها رضى المسلمين اليوم بالنكاسات ..
يعيب الكتاب تشعب المواضيع فيه، وعدم إنتظامها، ولكأنها محاضرات جمعت هكذا عشوائياً !
أفكار الكتاب تسطر ما يجول في خاطر جودت سعيد، وهي قضاياً مهمة.. إذا يمكنني القول بأن الأفكار فيه ممتازة، لكن الخلل يكمن في نظام الكتاب نفسه، وعدم إسهاب الكاتب في شرح بعض النقاط التي أرى أنها ضرورية لمحو لبس أو سوء فهم قد يقع فيه القارئ.
كانت أول تجربة لي مع جودت.. ولربما ستكون هناك تجارب أخر =)
جودت سعيد من الكتاب الرائعين من وجهة نظري، له فكر ثاقب وبعد نظر لا يخفى على متأملٍ في كلامه، يخوض معركة ضارية عنوانها "التغيير بلا عنف"، وقد سبق أن طالعت هجومًا شديدًا عليه في أحد المواقع الشهيرة التابعة لإحدى حركات الإسلام السياسي؛ لا لشيء سوى أنه يرفض فكرة التغيير بالقوة، ويرى أن التمسك بالدعوة والبلاغ والبيان بالحكمة والموعظة الحسنة والصبر على ذلك هو الوسيلة الأفضل والأنجح. قرأت له منذ سنوات بعيدة كتاب "مفهوم التغيير" واستطاع أن يحدث بالفعل تغييرًا عظيمًا في طريقة تفكيري، واليوم بدأت في قراءة هذا الكتاب "مذهب ابن آدم الأول" ولم أستطع التوقف حتى أنهيته تمامًا .. ربما لا تجد أسلوب الكاتب الأدبي مميزًا، كما أنك تستطيع أن تتبين بوضوح تمكنه الضعيف من علوم الشريعة، لكنك أيضًا لا تملك إلا أن تعترف له بقوة الفكر وعمق التأمل في النصوص الشرعية، وفي قدرته العالية على إسقاط هذه النصوص على واقعنا المعاصر بحكمة بالغة. في رأيي أننا نحتاج بشدة إلى قراءة قكر جودت سعيد بشيء من التعمق والتركيز، وألا نسارع بالانصراف عن ما يقول لمجرد أنه يصدمنا بأفكاره الجريئة والمخالفة لكثير مما ألفناه وتعلمناه في السنوات السابقة. الكتاب متميز جدًا في طرحه لمشكلة العنف في العمل الإسلامي، وقد أحسن الكاتب في محاولة تقديم البديل الأنجع والأقوى لهذه الظاهرة المتفشية بين الإسلاميين نظريًا وعمليًا، وأفضل ما في الكتاب أنه لا يريد أن يقدم لك أفكاره على أنها مسلمات منتهية، بل إنه يؤكد في أكثر من موضع أن الأمر يحتاج إلى دراسات مستفيضة مكملة ومناقشة ومفندة أو مؤيدة للمطروح بداخله. أرشح الكتاب بقوة لكل المهتمين بأحوال عالمنا الإسلامي، وجزى الله خيرًا مؤلفه وتقبل منا ومنه.
يحاول الكاتب حل مشكلة يراها تورمت في العالم الإسلامي، وهي استعمال العنف في الدعوة لفكرة ما، مؤصلا لفكرته من عمل الرسول صلى الله عليه وسلم إذ ما اعلن الجهاد إلا بعد أن تمكن وصار له حاضنة شعبية وأمة تتبعه، ولذلك هو يرى أنه لا جهاد إلا بعد وجود تلك الحاضنة، أو المجتمع الإسلامي الذي احتضن تلك الجماعة ووثق بها وسلم لها. لذلك يدعو للرجوع لمذهب ابن ادم الذي ارتضى أن يعيش دور المقتول المظلوم لا القاتل المعتدي الظالم.
طبعا كتب المؤلف هذه الرسالة في ستينيات القرن الماضي، كانت فيه بعض الحركات الإسلامية قد واجهت بعض الانظمة ببعض أعمال السلاح والقوة، فهو رد عليهم أولاً، فهنا الكلام بالنسبة لي مقبول...، ولكن ما استطعت أن أجرّ فكرته، إلى كثير من معارك المسلمين المسلحة اليوم...
أعتقد أن الإسلام لا يقبل من مسلم لديه القدرة لصد السلاح بالسلاح، ليدافع عن نفسه وعن عرضه ثم يقول له ارم سلاحك وارض من ذلك أن يقتلك، إن ذلك يكون في حال الضعف وانعدام القدرة، ولذلك لم يُؤذن بالقتال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أول الأمر وأذن له به لما توفرت أسباب القوة من انتقال الى مجتمع يمكن أن يحميه وينتج له أسباب القوة والنصر، فالأمر متعلق بالقدرة على ذلك، أكثر من الفكرة التي نادى بها المؤلف في كتابه، وهي وجود مجتمع قبل فكرته واحتضن دعوته.
للتوضيح الجهاد يكون مع من يصد المسلمين ويمنعهم من نشر دعوتهم العالمية في حال قدرتهم على ذلك وبعد موازنة المصالح والمفاسد، وإلا فالأصل في الدعوة إليه البلاغُ والكلمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ذكر المؤلف.
أثار الأستاذ جودت سعيد اهتمامي للمرة الأولى حين قرأت كتاب "أيها المحلفون: الله لا الملك"، ولم يخب ظني ففكره وأسلوب طرحه - وإن بدا عشوائيا في هذا الكتاب - عقلاني وممتع. يدور محور" مذهب ابن آدم الأول" حول قضية العنف اتجاه المخالفين من المسلمين وغير المسلمين، حيث تبنى وفنّد لرأيه المتمثل في" أن لا إكراه في الدين " وذلك بالدعوة إلى الله دون اللجوء إلى القوة لفرض الرأي، مستشهداً بنماذج من عمل الأنبياء عليهم السلام، ومُلحقًا إياهم بردّه حول بعض الشبهات ومنها اتهامه بالدعوة إلى تعطيل وإماتة روح الجهاد.
ينطلق جودت سعيد من قصة ابني آدم ليبني نظريته..ويستعرض نماذج من العمل السلمي للأنبياء في تغيير مجتمعاتهم..ويركز على التزام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالعمل السلمي أثناء الدعوة...حيث أن المسلمين لم يبدؤوا بالقتال إلا بعد أن تكونت لهم دولة أو "مجتمع إسلامي مستقر ومتميز" كما يسميه الكاتب.. يمضي الكاتب بعدها ليرد على الشبهات التي تثار حول استخدام أسلوب اللاعنف..ثم يستعرض مزايا هذه الطريقة أمام استخدام القوة...
كتاب قيم بلا شك...وجدت فيه كثيراً من الأفكار التي أؤمن بها ولكنها لم تكن واضحة أو متبلورة لدي تماماً قبل قراءة الكتاب..