المدارس الفلسفية لم تقف عند تحليل النظم الاجتماعية، ومحاولة فهمها إلا لكي تعمل على رسم خطوط جديدة، لمجتمع أفضل بابتداع أنظمة جديدة تعمل على تطوير المجتمع وترقيته. ولو أنها قنعت بمرحلة الفهم والتسجيل ما كانت مدارس فلسفية جديرة بأن تحمل هذا الاسم. وفي المدارس العادية كفاية في القيام بهذه المهمة. أما المدارس الفلسفية فلأنها بحكم وظيفتها من الهداية والارشاد، فهي تقوم بدور القيادة الفكرية التي تأخذ بيد الأمة إلى الأمام. وليس معنى ذلك أن كل المدارس الفلسفيه كانت مجددة في الفكر، يتعمق أصحابها في البحث، ويشاركون في الإحساس بمطالب المجتمع ويعملون على رفاهته وتنميته، إذ تصاب المدارس بما يصيب كل كائن حي من شيخوخة نشأت مدارس ثم ماتت، وبقي بعضها واستمر يعيش على تعليم كتب القدم&
المؤهلات الدراسية: الليسانس في الآداب في مايو 1929م بتقدير امتياز دبلوم التربية الثانوي من معهد التربية العالي 1931م الدكتوراه بمرتبة الشرف أغسطس 1943م
الوظائف التي شغلها: مدرس بالمدارس الثانوية بوزارة المعارف مفتش بالمدارس الثانوية بوزارة المعارف مدرس بكلية الآداب جامعة القاهرة اعتبارًا من 1/7/1946 أستاذ مساعد 1950 أستاذ كرسي الفلسفة الإسلامية 1958 رئيس قسم الفلسفة 1965
أهم مؤلفاته: معاني الفلسفة في عالم الفلسفة فجر الفلسفة اليونانية التربية في الإسلام (رسالة الدكتوراه)
يقال أحيانا أن الفلسفة هي تاريخ الفلسفة. وهذا الكتاب الصغير الحجم، العظيم القيمة، لا يتحدث بالتفصيل عن الأفكار والفلسفات بقدر ما يتحدث عن تاريخ المدارس الفلسفية ومؤسسيها وأتباعها منذ أيام فيثاغورس إلى "مدرسة" ابن سينا الفلسفية، مرورا بأكاديمية أفلاطون، ثم "لوقيون" أو "ليسيوم" أرسطو، ثم الرواقية والأبيقورية، ثم مدرسة الإسكندرية التي فاقت في مداها وأهميتها كل ما سبق، إذ لم تكن مدرسة بقدر ما كانت معهد أبحاث، واحتضنت كل الفلسفات وتخصصت بدرجة أكبر في العلوم والطب، ثم فلسفة أفلوطين في الاسكندرية والتي أصبحت تعرف فيما بعد باسم "الأفلاطونية المحدثة"، ثم انتقل مشعل الفلسفة إلى جنديسابور في فارس بعدما أغلق الإمبراطور جستنيان الأكاديمية واللوقيون في القرن السادس، ثم انتقل التيار الفلسفي إلى بغداد والفلسفة الإسلامية التي ترجمت كل المؤلفات المهمة في الفلسفة والعلوم من المدارس السابقة وأضافت إليها الكثير من الأفكار والإبداع، حيث يتحدث المؤلف عن الاتجاهات والمدارس الفلسفية عند كل من الكندي والفارابي وابن سينا رحلة مثيرة وممتعة، وكتاب في غاية الإمتاع والفائدة
تلخيص جزء من كتاب: المدارس الفلسفية للدكتور أحمد فؤاد الأهواني..
من 126- 164
لقد نشأت الفلسفة في بلاد اليونان في القرن السادس قبل الميلاد. و لو نظرنا لها بشكل عام لرأيناها تتجه إتجاهان رئيسيان يحاولان التقدم بالبشرية، ولكل فيلسوف أو مدرسة الإتجاه الخاص بهما، فعلى سبيل المثال كانت عناية طاليس ومدرسته بالعلم والنظر في الطبيعة، أما فيثاغورث كان إتجاهه ومدرسته إلى الدين والأخلاق أكثر من السياسة، فكانت مشاركته لتقدم المجتمع عن الطريق الديني الأخلاقي، وربما التقت هاتان الوجهتان عند بعض الفلاسفة وخاصة الشوامخ منهم.
وهذا ما يؤيده تاريخ المدارس الفلسفية والتي كانت تعكس حاجات المجتمع، وتعد مرآة تصور ما يقوم عليه المجتمع من نظم وقوانين وشرائع، ومايسوده من آداب وفنون وعلوم؛ بحيث يتسنى للمواطن أن يفهم طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، وبالتالي يتمكن من الانخراط في عجلة الحياة مسهماً في تيسييرها لا في تعطيلها.
وإن هذه المدارس عندما وقفت على تحليل النظم الاجتماعية إنما لكي تعمل على رسم خطوط جديدة لمجتمع أفضل بابتداع أنظمة جديدة تعمل على تطوير المجتمع وترقيته.
إن ما يميز المدارس الفلسفية عن العادية هو أن المدارس العادية تكتفي بمرحلة الفهم والتسجيل لظاهرةٍ ما، أما المدازس الفلسفية فتقوم بدور القيادة الفكرية التي تأخذ بيد الأمة للأمام.
ولا يعني ذلك أن جميع المدارس الفلسفية كانت مجددة في الفكر، يتعمق أصحابها في البحث ويشاركون في الإحساس بمطالب المجتمع ويعملون على تنميته، ولكن لا بد وأن تصاب بالشيخوخة ومايصحبها من جمود واندفاع نحو الفناء؛ فهي وإنْ صلحت لزمنٍ ما فلا تصلح لزمنٍ آخر..
ومن الواضح أن هذه المدارس لم تتقيد بمكان ولا بتعليم منظم وبرنامج محدد، إنما كانت موقوتة بزمان أصحابها، على حين أن المدارس التي اتخذت دوراً للتعليم كانت مثل الأكاديمية استمرت زماناً طويلا تؤثر في تيار الفكر المحلي والعالمي على السواء، وأكبر مثال لهذه المدارس هما المدرستان اليونانيتان الكبيرتان: الأكاديمية والمشائية والتي استمرت تسعة قرون من الزمان.
وقد ذكر الكاتب في هذا الكتاب بعض المدارس على سبيل المثال لا الحصر، وخاصة الكبرى منها وماله صلة بالحضارة العربية، مع الحرص على ذكر المدارس الفلسفية العربية والتي تعد جزءاً من تراثنا، وقد ذكر المدارس بمكانها المناسب حيث بدأ من المدارس اليونانية وعرّج على الإسلامية.
ومن أهمها المدرسة الفيثاغورية والتي أنشأها فيثاغورس وكما نرى أنها لم تُسمى مدرسة فيثاغورث بل الفيثاغورية وهذا سبب عدم موتها بموت رئيسها حيث تجاوزت شخصه إلى جماعة. وهي أول مدرسة فتحت أبوابها لتعليم المرأة وقررت مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة قبل أن يقرره أفلاطون بقرنين من الزمن.
والمدرسة الأكاديمية التي تعتبر أشهر مدرسة فلسفية في التاريخ القديم، حيث استمرت زمناً من العمر وأُطلق اسمها (الأكاديمية) أي الأكاديمي الذي يدل على المتعمق في البحث من الجدة والأصالة.
والمدرسة المشائية التي ذكرناها سابقاً وهي غنية عن التعريف حيث انتشرت في فرنسا، واشتهرت باسم المدارس الليسية، وهي تلك المدارس التي تعلم الطلبة حتى يظفروا بإجازة البكالوريا، أي مرحلة ما قبل الجامعة. ولهذه المدرسة صداها حيث كان مؤسسها أرسطو في أثينا وكان يمارس التعليم فيها وأصبحت مدرسة فلسفية عليا. وقد عُرفت باسمٍ آخر وهي المشائية وبخاصة عند العرب لأن المعلم وتلاميذه كانوا يتعلمون وهم يمشون. والجدير بالذكر أن هذل الحال لم يكن في مدرسة أرسطو بحسب، بل كانت شائعة في جميع المدارس الفلسفية في اليونان؛ وذلك لطبيعة الجو الحارالذي يسود أثينا معظم أوقات السنة، فكان الطلبة أما أن يسيروا تحت ظلال الأشجار أو في الرواقي مجيئاً وذهابا.
والمدرسة الرواقية والحديقة والتي أسسها زينون الرواقي وسميت كذلك نسبة لمكان التعليم في الرواق وصاحبها أبيقور الذي يعلم في الحديقة.
والمدرسة الإسكندرية التي تميزت بنزعتها العلمية وخاصة التعليم الرياضي.
ومدرسة أفلوطين الذي هدف لتأسيس مدرسة تكون نبراساً يهدي النفوس إلى التقوى والصلاح والخير، وقد راوده الحلم الذي راود الكثير من الفلاسفة وهو المدينة الفاضلة وسعى لتحقيقها.
ومدرسة جنديسابور والتي تُعتبر حلقة الوصل بين الفلسفة اليونانية والعربية، إلى أن ظهرت المدارس الفلسفية الإسلامية والتي هي أساس ما سنتحدث عنه ونذكره باختصار.
١- فمن المدارس الإسلامية، مدرسة الكِنْدي وصاحبها فيلسوف العرب أبو يوسف الكندي وهو أحد أبناء الملوك، حيث كان الفلاسفة المسلمين ليسوا فقط فلاسفة وإنما لهم اهتمامات وأعمال أخرى كالطب أو الرياضيات، فكانوا حكماء وأطباء في آنٍ واحد.
لقد كان الكندي على معرفة وثيقة بالسريانية وقد تعلم الكثير من العلوم وله مؤلفات بلغ عددها ل 260 كتاباً ورسالة في شتى فنون المعرفة من منطق ورياضيات وموسيقى وعلوم طبيعة وأخلاق وسياسة وغيرها..
ولقد كان مفكراً كبيرا يستقبل تلاميذه في داره، حيث كان يقتني مكتبة واسعة من أكبر المكتبات حتى سميت بالمكتبة الكندية.
ومن تلاميذه أبو العباس الخراساني، وابن كرنيب الكاتب، ومنهم علي ابن جهم.
وطريق المعرفة عند الكندي أما حسّي أو عقلي، أو حسي وعلقي معاً، ولأن الكندي كان فيلسوفاً رياضياً فقد جعل الرياضة مدخلاً لا بد منه لتعلم الفلسفة، ولكن فلاسفة العرب بعده اتجهوا وجهة مشائية فاتخذوا المنطق أداة لتعليم الفلسفة كما هو الحال عند الفارابي وابن سينا.
وقد شق الكندي طريق العلوم الرياضية من حساب وهندسة وفلك وموسيقى، وكان يعد أحد ثمانية من كبار علماء الفلك في العالم في ذلك الزمان، وهو صاحب أول مدرسة موسيقية في الإسلام، من الناحية النظرية.
ويتلخص مذهبه الفلسفي في أمرين وهما:
1- إثبات الواحد الحق وهو الله سبحانه وتعالى، وكانت الفلسفة تبغي معرفة الإله الواحد الحق، فلا منافاة بين الدين والفلسفة، أو بين الحكمة والشريعة.
2- محاولة التوفيق بين أفلاطون الذي تؤمن فلسفته بالمثل أصلاً للموجودات، والتي تخالف فلسفة أرسطو الذي تُعد فلسفته وجود قبل كل شيء، ولم يستطع الكندي أن يدمج فلسفة الوجود وفلسفة الواحد في مذهب جديد يوفق بينهما، وهذا ما فعله الفارابي فيما بعد.
وخلاصة القول أن الكندي لم يكن يمتلك مدرسة بنظامها الخاص من بناء به حجرات إنما كان يعطي دروساً خاصة استطاع فيها أن يبرز كفيلسوف وأن يرتفع بمجرد اتباع الكتب المترجمة وأن يخلق في بغداد جيلاً من التلاميذ وإن لم يكونوا كثيرين.
٢- مدرسة الفارابي والذي اشتهر بين العرب حتى سُمي بالمعلم الثاني، وهو أبو نصر الفارابي، والفارابي نسبةً لفاراب مدينته.
وأكبر الظن على تسميته بالمعلم الثاني لأنه أدخل صناعة المنطق عند العرب، باعتبار أن أرسطو _صاحب المنطق_ هو المعلم الأول، وله كتب كثيرة منها آراء المدينة الفاضلة، وتحصيل السعادة والتنبيه على سبيل السعادة وغيرها من الرسائل المطبوعة.
وكان الفارابي قصير النَفَس في التأليف ويأخذ وقتاً طويلاً في إعداد الكتب، فقد كان يفضّل أن يملي على تلاميذه.
ويمكن تلخيص آرائه عن الفلسفة في أمور ثلاثة:
(أ) المنطق: والذي يُعد أداة الفكر، ومعيار النظر، منزلته من الفلسفة منزلة علم النحو من اللغة، إلا أن النحو يُعنى بالألفاظ والمنطق يُعنى بالمعاني. وأثر الفارابي من جهة المنطق بثلاثة أنواع من التأثير وهم: - حسن صياغة العبارة المنطقية لجعلها مفهومة مقبولة. - العناية بالبرهان. - دخول المنطق في علم الكلام.
(ب) تسلسل الوجود صدوراً عن الواحد( الفيض): وهي نظرية مزج فيها الفارابي بين (الفلسفتين) أي بين أفلاطون وأرسطو، وكذلك أفلوطين فأصبحت النظرية مستقيمة لا تعتمد على أساسين الوجود والواحد، بل على أساس واحد مداره أن الوجود هو الواحد، وعلى الوجود الأول صدرت جميع الموجودات.
وبهذا المسلك وفق الفارابي بين الحكمة والشريعة، لأن الحقائق الدينية والفلسفية كلاهما ثمرة الفيض الإلهي أما عن طريق المخيلة أو النظر والتأمل.
(ج) نظرية الاتصال: والمقصود بها اتصال عقولنا بآخر العقود المتسلسل عن الواحد وهو العقل العاشر، وإذا تيسر لنا الاتصال بالعقل الفعّال أمكن الاطلاع على كل علم بطريق (الفيض) عن الأنوار الإلهية، ويتصل الفيلسوف بهذا العقل بطريق (البحث النظري)، ويتصل النبي أو الولي بطريق (المُخَيّلة) التي تقبل الإلهامات في الرؤيا الصادقة أو في اليقظة على هيئة الوحي.
وهنا وفّق الفارابي بين الحكمة والشريعة لأن الحقائق الدينية والفلسفية كلاها ثمرة الفيض الإلهي أما عن طريق المخيلة أو النظر والتأمل.
٣- مدرسة ابن سينا: والذي لقب بالشيخ الرئيس دليل على أنه رئيس الفلاسفة، وقد ألف كتابين عظيمين وهما الشفاء في الفلسفة، والقانون في الطب. وكان غالباً ما يملي على تلاميذه، وفي بعش الأحيان يكتب نسخة في الموضوع الذي يلتمسه السائل.
لقد كان ابن سينا أوسع عبارة وشرحاً من الفارابي، وكان طبيباً أكثر منه فيلسوفاً، وقد تأثرت فلسفته بطبّه في اصطناع المنهج التجريبي الدقيق، أما في الفلسفة فقد يُعد الشفاء موسوعة فلس��ية تشمل المنطق، والطبيعيات والإلهيات والرياضيات، بحسب ما رتبه أرسطو، أو بحسب الفلسفة المشائية، ولا يُنكر أثره في المنطق حيث أنه المسؤول عن إذاعة المنطق بحالته الراهنة في العالم العربي.
إن الفرق بين المعلم الثاني_الفارابي_ والشيخ الرئيس_ابن سينا_ هو أن الفارابي يجنح إلى الأفلاطونية على حين يميل ابن سينا للمشائية، ولكن مع ذلك فقد اصطنع ابن سينا فلسفة أخرى خلاف المشائية التي بسطها في الشفاء وفي النجاة، هي التي يسميها الفلسفة المشرقية، كما تتمثل في الإشارات، والفلسفة المشرقية إشراقية، صوفية، متأثرة بالشرق في فارس.
وختاماً لا بد للفلسفة العربية المعاصرة أن تأخذ في الاعتبار هذه الفلسفات الوافدة من الغرب، والعمل بينها وبين تراثنا الفلسفي الموروث، وبشكلٍ عام إن هذا الكتاب بسيط وموجز، أحسن التسلسل وانتقل من مدرسة لأخرى منذ القدم وربط بالمدرسة الإسلامية ليخبرنا أن الفلسفة ليست كما عهدناها بأنها مجرد كلام، بل استمرت مذ بدأت ولم تنتهِ..
أحببتُ الكتاب برغم بدايتي الأولى لقراءة كتب فلسفية.
صدر هذا الكتاب عام 1965 يحتوي على 90 صفحة فصول الكتاب كالاتي:
* الفلسفة والمجتمع * الفيثاغورية * الأكاديمية * المشَّائية * الرواق والحديقة * مدرسة الإسكندرية * مدرسة أفلوطين * مدرسة «جُنْدَيسابور» * المدارس الفلسفية الإسلامية _________ موجز بسيط مختزل ولم يذكر فلاسفة النهضة