تجربة أخرى يلقيها محمد بن سيف الرحبي في أتون سعيه لكتابة تسعى للتجريب في حقول جديدة, وبعد روايته الخشت التي بناها وفق لعبة تقليدية عمانية فإنه عبر هذه الرواية يستحضر جانبا من التايخ العماني مستلهما سيرة السلطان سعيد بن سلطان الذي أسس امبراطورية تشكلت من عمان وزنجبار امتدادا على الساحل الأفريقي مع ان المحيط الهندي كان يموج بصراعات الدول الإستعمارية , البقاء قويا بين الأقوياء يستلزم حكمة ودهاء وشدة بأس كالتي لجى السلطان سعيد, وهو يواجه تمرد القبائل في عمان, وصراع المصالح في مملكته الإفريقية, وأسماك القرش المتوحشة وهي تخوض المحيطات والبحار الفاصلة بين مملكتيه. تجربة روائة جديدة يضعها الرحبي على أتون التجريب , مقتربا من التاريخ موثقا بلعبته الفنية جانبا من إشراقاته.
رواية رائعة احببت فكرة دمج الواقع بالحلم والشخصية التي ابتكرها الراوي لتعيش بين سطور التاريخ لترى وتشهد كل الاحداث .. شدتني كثيرا الطريقة التي ابتكرها الراوي لتصحيح بعض المفاهيم عن العبودية ولمست فيها واقع جهلناه لسنين طويلة.
حيرني او ارهقني انتقال الراوي بين الازمنة والامكنة مما تطلب مني الكثير من التركيز واحيانا اعادة قراءة الجمل لاعرف موقعي من الرواية. اسلوب راقي في السرد رغم غرابته او ربما لم نتعود عليه. في بداية الرواية شعرت بالملل والتوهان ولم اتمكن من الامساك بخيوط الرواية ولكن بمجرد ابحار سلطانة ابحرت مع الراوي في جمال سرده وتمكنت الرواية من عقلي وتفكيري وبحثي عن الحقائق. تصنيفي للرواية رائعة بكل المقاييس .. لا مغالاة ولا تظليل ولا فبركة .. تناولت التاريخ بسرد روائي راقي.
حقيقة نفتقد مثل هذه الأشياء في الأدب العماني رواية استمتعت فيها و صدمتني ببعض الحقائق في تلك الحقبة من الزمن اختصرت سيرة السيد و بوضوح و شفافية مطلقة و بدون ميل لطرف عن الآخر.
إذا كان العنوان الموفق والجميل، الذي اختاره الكاتب العماني محمد بن سيف الرحبي لروايته (السيد مر هنا) يضعنا مباشرة أمام عنصري الزمان والمكان، الزمان الماضي تحديدا في الفعل (مر).. والمكان (هنا).. فإن الرواية كذلك تغرقنا في دوامة زمانية. يلعب فيها المكان دور البطولة. فالمكان والشخصيات وجميع الحكايات إنما تخدم ذلك التأرجح الزمني الذي يضعنا فيه الكاتب طول الرواية.. لنتمزق مع الشخصيات الرئيسية، بين ما كان، وما صار.. بين حلم بواقع أفضل مختبئ وراء باب مغلق على المعشوقة الحسناء.. وحلم بتاريخ ـ وإن راح زمانه ـ مازال يفرض نفسه على حاضرنا، بأمجاده، وأمنيات عودته. متتبعين خطى السيد، الذي مر من هنا. وما بينهما تلك الرحلة العبثية في واقع بغيض مشوه.. عبر عين البطل العائد إلى مدينته (مسقط)، وإلى سوق مطرح تحديدا، بعد خمس سنوات من الغياب تترك الرواية بانتهاء قراءتها تساؤلات تعصف بالذهن، تلك التساؤلات أضافت إلى هذه الرواية البديعة ـ في رأيي ـ أبعادا، وآفاقا تجعل الرواية تنادي القارئ لكي يعيد قراءتها مرة وثانية.. فهي تشغله وتدفعه للتساؤل والتأمل.. تماما كما فعلت أوراق الحالم، بالبطل.