لقد كفت الكتابة أن تكون "إرشادا قوميا" أو تبصيرا وتنويرا مسطحا" وكفت رسالة الكاتب المعاصر أن تكون منحصرة في التهليل لموقف ما ولتبرير واقع معين أو التبشير الساذج لمستقبل لاأفق له.. فتحولت هذه الرسالة الصريحة الجهيرة إلى رسالة خافتة كامنة تنبئ عن موقف نقدي عميق المعنى والدلالة، متخطيا حدود الذاتية /ذاتية الكاتبة وبصيرته إلى ذاتية القارئ/ المتلقي وبصيرته، واكتسب هذا الموقف بالمعلومة والوعي التاريخي أرضية جديدة تخلقت من طياتها رغبة التغيير ورغبة التحول إلى واقع آخر وزمن متحرك من قوالبه ومنساب في خيال خلاق. وكف الكاتب أن يأتي إلى الكتابة بصيغة انه رأس النخبة أو محور العالم، أو أنه مؤهل لتغيير العالم أو الواقع المعاش، وأن ظلت الكتابة لديه معادلا نظريا لفعل التغيير/ الحلم!.. وهي هنا صارت ملاذا آخرا وبمثابة سلطة بديلة تعوضه عن سلطة التغيير الموهومة والمنلفته من أصابعه. وصارت الكتابة هي الصدمة الذهنية التي تحدث الإفاقة لكل من كاتبها وقارئها معاً.