شاهدت في قرية إيرانية نائية شيئًا من أقوى الأشياء التي شاهدتها في المسرح في أيما وقت مضى: مجموعة من أربعمائة قروي يجلسون تحت شجرة ينتقلون من هدير الضحكات إلى النحيب العلني، رغم أنهم يعرفون تمامًا نهاية القصة، فقد شاهدوا الحسين سابقًا وهو يتعرض لخطر القتل، وكيف كان يناور أعداءه، واستشهاده بعدئذ، وعندما يموت الحسين يغدو شكل المسرح حقيقة.
لعلَّ علوَّ سقفِ الأُمنياتِ التي علّقتها بهذا الكتاب، هو ما أطاحَ بوزنِه تالياً_ الأمر الذي لا يحتملهُ ورقه ذو القطعِ المتوسّط. يُمنّي العنوان بالكثير لكنّهُ لا يكاد يفي بنصفِ وعوده. فرغم وعيِ المؤلف/الباحث المسرحيّ بالطاقةِ الدراميّة الكامنةِ في طقوسِ العزاء الكربلائيّ.. إلا أنّهُ يفشلُ في تعيين ملامحها المميزة. وَعوضاً عن ذلك ينخرط في عرضٍ مطوّلٍ – قياساً بعرضه لعناصرِ مسرح التعزية - لعناصرِ الدراما كما تعارف عليها الأدب الغربيّ، مُسقِطاً هذه العناصر دونَ جهدٍ أو تمحيص على الطقس العزائيّ. بل يسوء الأمر حينَ يبدي خلطاً بيّناً بين فنّي الملحمة وَالمأساة ولا يكاد يميّز في حديثهِ بين غايتيهما، فيتحدّث عن الحسين وشهداء كربلاء كأبطالِ ملحميين تارةً وَمأساويينَ تارةً أخرى، متجاوزاً – بوعيٍ وَاعترافٍ منه- عنصراً رئيسيّاً في التعريفِ الأرسطيّ للبطل المأساويّ: الخطأ المأساويّ الذي يطيح بالبطل. هذا التجاوز يدفعه أيضاً إلى إسقاطِ فهمٍ مغايرٍ – ومغالطٍ أيضاً – لـ "التطهير" – كما وردَ في فنّ الشعر على ثيمةِ التكفير في الطقس العزائيّ.
إلى جانبِ ذلك، يتكئ المؤلَّفُ على عددٍ هائلٍ من الاقتباسات سواءً من مصادرَ تتعلّق مباشرةً بالبحث الرئيس، أو تُحشَرُ في المتنِ قسراً بادّعاءِ إغنائه أو حملِ عبارةٍ على الاتصال بأخرى. وقد ينشغلُ الكاتبُ أحياناً بنقدٍ اجتماعيٍ لبعضِ مصادرهِ – فاضل سوداني والربيعي على سبيل المثال – أو حتّى نقدِ ممارسيّ الطقوس من مشايخ ومعزّين أو معزّيات!
رغمَ ذلك ما زلتُ أحتفظُ للكاتبِ ببعضِ شكرٍ وَتقدير لالتفاتته – التي لا تُعدُّ الأولى على كل حال – لهذا الموضوع، وَللجهد المبذول في وصفِ مراسيم العزاء وَإن لم تتجاوز العرضَ المباشر.