Muhammad ‘Abduh (1849-1905) was one of the key thinkers and reformers of modern Islam who has influenced both liberal and fundamentalist Muslims today. ‘Abdul-Baha (1844-1921) was the son of Baha’ullah (1817-1892), the founder of the Baha’i Faith; a new religion which began as a messianic movement in Shii Islam, before it departed from Islam. Oliver Scharbrodt offers an innovative and radically new perspective on the lives of these two major religious reformers in 19th century Middle East by placing both figures into unfamiliar terrain. While one would classify ‘Abdul-Baha, leader of a messianic movement which claims to depart from Islam, as an exponent of heresy in Islam, ‘Abduh is perceived as an orthodox Sunni reformer. This book, however, argues against the assumption that both represent two extremely opposite expressions of Islamic religiosity. It shows that both were influenced by similar intellectual and religious traditions of Islam and that both participated in the same discussions on the reform of Islam in the 19th century. Islam and the Baha'i Faith provides new insights into the Islamic background of the Baha’i Faith and into ‘Abduh’s own association with so-called heretical movements in Islam.
Professor Scharbrodt has given us a fascinating academic examination of the shared intellectual roots of the social and religious thinking of 'Abbas Effendi ('Abdu'l-Baha) and Muhammad 'Abduh in 13th-14th century AH charismatic Islamic religious dissident movements, which were ultimately routinised, under their leadership, as, respectively, the separation of the Baha'i movement from Islam and its development as a separate religion, and the emergence of the influential strain of Salafism within Islamic modernism. Of particular interest for me was Scharbrodt's linking of the early Baha'is with reform movements in the Ottoman Empire and Iran, and their practice of taqiyya (dissimulation) to conceal the theophanic/ messianic claims of Mirza Husayn 'Ali Nuri (Baha'u'llah) from outsiders and to present themselves as Muslims. Sadly, the book could have benefitted from more thorough editing/proof-reading; although in general this did not prevent the text from being understandable it does not reflect well on the author or publisher. This complaint notwithstanding, I highly recommend this book for those who are interested in an even-handed, objective, non-hagiographical treatment of the history of the Baha'i religion in the context of 19th century CE Islamic reform movements.
في صيفٍ بيروتيٍّ من أواخر القرن التاسع عشر، يلتقي رجلان عند مفترق طرق التاريخ: محمد عبده، المصلح السني الذي سيُعدّ لاحقًا مصلحًا يتنازع عليه فئات شتى، وعبدالبهاء عباس، وريث دعوةٍ خرجت من رحم التشيّع المهدوي ثم أعلنت تجاوزها للإسلام. اللقاء عابر في الظاهر، لكنه في كتاب أوليفر شاربروت " الإسلام والبهائية: دراسة مقارنة بين محمد عبده وعبد البهاء عباس" يصبح لحظة كاشفة عن خيوط عميقة تربط ما نظنه عالمين متباعدين.
منذ الصفحات الأولى، يختار شاربروت أن يسلك طريقًا غير مألوف. لا يكتب سيرةً مزدوجة تقليدية، ولا دراسةً عقدية تقارن بين «السنّي» و«الهرطوقي». بل يقترح أطروحة جريئة: أن عبده وعبدالبهاء لم يكونا نقيضين كما ترسّخ في الوعي السلفي والبهائي، بل تشكّلا داخل أفقٍ فكريٍّ إسلاميٍّ مشترك، وتغذّيا من تقاليد روحية وعقلية واحدة، وإن انتهى كلٌّ منهما إلى مسار مختلف.
يعود الكتاب إلى «السنوات التكوينية» لكليهما، فيرسم الخلفية الفكرية التي أنجبتهما: عالم القرن التاسع عشر الممزّق بين ضغط الحداثة الأوروبية، وتآكل البنى التقليدية، وصراع السلطة بين الدولة والـعلماء. في هذا المناخ، لم يكن الإصلاح خيارًا فكريًا فحسب، بل ضرورة وجودية. يرى شاربروت كما رأي إيلي خدوري [ كدوري] من قبل أن جذور الإصلاح عند عبده لا تُفهم دون استحضار التيارات الصوفية والإشراقية، ولا دون المرور عبر أثر جمال الدين الأفغاني، الذي مزج بين النزعة العقلانية والروح الحركية. كذلك لا يمكن فهم عبد البهاء خارج الإرث الشيعي المهدوي، وتقاليد الباطنية، وفكرة القيادة الكاريزمية التي تتجاوز سلطة الفقهاء.
وهنا يلفت الكتاب النظر إلى نقطة دقيقة: إن كليهما – رغم اختلاف المآلات – تشارك في نقد احتكار العلماء للحقيقة الدينية، وفي البحث عن صيغةٍ جديدة للسلطة الدينية تتجاوز الجمود المدرسي. عبده دعا إلى فتح باب الاجتهاد وإعادة تأويل النص بما ينسجم مع العقل وروح العصر. وعبدالبهاء قدّم نفسه امتدادًا لوحيٍ متجدّد يتجاوز الحدود المذهبية، لكنه ظلّ متكئًا على مفردات إسلامية عميقة في صياغة مشروعه. عبده سعى إلى مصالحة الإسلام مع العقل والعلم والدولة الحديثة، من دون كسر الإطار الإسلامي الكلاسيكي ( وإن خرج عنه قطعًا في تفصيلات عديدة). أما عبدالبهاء، فقد ذهب أبعد في تبنّي خطاب كونيٍّ عن وحدة الأديان، والإنسانية الجامعة، والسلام العالمي. ومع ذلك، يُظهر الكتاب أن هذه الكونية لم تكن قطيعة تامة، بل تطوّرًا خرج من رحم النقاشات الإسلامية حول التجديد والمهدي والقيادة الروحية.
من أكثر فصول الكتاب عمقًا ذلك الذي يتناول «تقنين الكاريزما». هنا يستعير شاربروت أدوات علم الاجتماع الديني (خصوصًا من ماكس فيبر) ليحلل كيف تتحول الزعامة الروحية من لحظة إلهام شخصي إلى مؤسسة. عبدالبهاء ورث كاريزما والده بهاء الله، ثم عمل على تثبيتها في بنية تنظيمية واضحة للبهائية. وعبده، وإن لم يدّعِ وحيًا أو مهدوية، إلا أنه مارس نوعًا من القيادة الكاريزمية الفكرية داخل التيار الإصلاحي، قبل أن تتحول أفكاره لاحقًا- عبر رشيد رضا وغيرِه - إلى تيارٍ ذي ملامح «سلفية» مؤسسية.بهذا، يكشف الكتاب أن ما نعدّه اليوم «أرثوذكسية» أو «عقيدة مستقرة» هو في الأصل نتاج صراعات تأويلية، وتدجينٍ لاحق للكاريزما الأولى.
في الفصل الأخير، يتتبع شاربروت كيف أعادت الأجيال اللاحقة قراءة الرجلين. تمّ تقديم عبده بوصفه إصلاحيًا سنيًا نقيًا، بينما أُقصيت أبعاده الصوفية والباطنية. وفي المقابل، جرى تأكيد القطيعة بين البهائية والإسلام، مع تهميش عمقها الإسلامي الأول. النتيجة أن الذاكرة الدينية – سواء السلفية أو البهائية – أعادت تشكيل الماضي بما يخدم هويةً مستقرة في الحاضر .
يمكن أن نضع هنا عدة ملاحظات على أطروحة الكتاب: [ أولًا] أن أطروحته المركزية، القائمة على إبراز «المشترك الإسلامي» بين محمد عبده وعبد البهاء، تدفعه أحيانًا إلى تضخيم مساحات التقاطع على حساب مساحات التباين الجوهري. صحيح أن الرجلين تشاركا فضاءً فكريًا واحدًا في القرن التاسع عشر، لكن الفارق العقدي بين إصلاحٍ سنّي يسعى إلى تجديد الإسلام من داخله وإن انحرف في بعض أفكاره أو تفسيراته ، وحركةٍ تؤسس ديانةً جديدة تتجاوز الإسلام، وهذا ليس تفصيلاً عابرًا.
[ثانيًا] هناك اعتماد واضح على أدوات علم الاجتماع الديني – خاصة مفهوم «تقنين الكاريزما» عند ماكس فيبر – وهو توظيف ثريّ بلا شك، لكنه أحيانًا يُسقط نموذجًا نظريًا جاهزًا على واقع تاريخي معقّد. التحليل الفيبري يُنير جوانب مهمة، لكنه قد يختزل التجربة الروحية والفكرية في بُعد سلطوي-مؤسسي، ويجعل الدين يبدو أقرب إلى بنية اجتماعية منه إلى منظومة عقدية متجذّرة في النصوص والجدل الفقهي.
[ ثالثًا] حضور السياق المصري في تناول عبده يبدو أقل عمقًا مقارنة بتحليل السياق الإيراني-البهائي لعبدالبهاء. فالكتاب يركّز على الأبعاد الفكرية والتكوينية لعبده، لكنه لا يمنح ما يكفي من المساحة لتعقيدات المشهد المصري: صراع العلماء مع الخديوي، بنية الأزهر الداخلية، التحولات القانونية، ودور المجلس التشريعي والحياة السياسية الناشئة. هذا يجعل صورة عبده أحيانًا أقرب إلى «مفكر عابر للحدود» منها إلى فاعل متجذّر في بنية اجتماعية مصرية محددة.
أهم نقاط ضعفه تكمن في ميله إلى تقليل حدّة القطيعة العقدية، وتوظيفه المكثّف لنموذج فيبري قد لا يحيط بكل الأبعاد، وعدم تعميقه الكافي للسياق المصري والجدل العقدي التفصيلي. فكرة أن عبده يعمل داخل إطار ختم النبوة والشريعة الإسلامية كمرجعية قد ينحرف عنها بدرجات، وكون البهائية تؤسس لمرجعية وحي جديد، ونظام ديني مستقل، تجعل وضعهما في سياق واضح مربك ويبدو غير منطقي، خصوصًا أن الكتاب أقل عمقًا في الاشتباك العقدي التفصيلي.
وبالتالي إذا أردنا استخلاص فوائد من الكتاب فيجب النظر إليه على أنه كتاب تاريخي-سوسيولوجي بامتياز، وليس كتابًا في العقيدة، من ذلك فهم نشأة الحركات الدينية بوصفها ظواهر اجتماعية، لكن يجب عدم المغالاة في المادية الاجتماعية في تفسير الظواهر الدينية، القصد المزح بين السوسيولوجي والعقدي كأدوات تفسيرية. وقد أوضح الكتاب كيف تُصنع “النسخة الرسمية” من الماضي، على سبيل المثال كيف جرى تقديم عبده لاحقًا بوصفه إصلاحيًا سنّيًا نقيًا، مع تهميش أبعاده الصوفية، و كيف أُعيد تأطير البهائية كقطيعة كاملة، رغم تشكلها داخل سياق إسلامي، كون البابّية ثم البهائية خرجتا من رحم التشيع الاثني عشري، اللغة، المرجعيات، وحتى أنماط الخطاب كانت مشبعة بالقرآن والحديث والتراث الشيعي. في هذه المرحلة، لم يكن الأمر يُفهم بوصفه “ديانة جديدة” بل حركة دينية داخل أفق إسلامي وأن كان بدعيًا وفق النظرة السنية. نعم، هناك قطيعة بين البهائية والإسلام السني، لكن الحدود الصارمة التي نراها اليوم لم تكن دائمًا بهذه الصلابة في اللحظة التكوينية.
وهذه النتيجة، وإن كانت تحصيل حاصل بالنسبة للمسلم السني، الذي يهمه بالنهاية الحكم على الأفكار والشخصيات عقديًا، وبدرجة أقل لا يعطي اهتمامًا كما يفعل المؤلف بمسارات التشكّل، إلا أن الفكرة التي يمكن البناء عليها هي أن القرن التاسع عشر لم يكن ساحة كيانات منفصلة بوضوح، بل مساحة سيولة فكرية. وهذا هو الأهم والمهم.