كثيرة هي العِبر التي يستخلصها الإنسان فتشاطره أحاسيسه وعواطفه، بل تشترك في تفاصيل حياته؛ فتصير جزءاً من واقعه؛ لتشكل مواقف مهمة ومؤثرة في نفسه وكيانه؛ فتعيش معه، ويروح يتذكر مع كل فاصلة من فواصل عمره بعضاً مما غرسته التجربة في نفسه ومما نحتت في كيانه من أحداث، وما تركت في ذاكرته من مواقف بعض الأصحاب والرفاق. والكتاب جمع فيه المؤلف معظم ما كان له أكبر الأثر في نفسه من أحداث وتجارب حية عصر الطفولة وأيام الزمالة في حقب الدراسة الابتدائية والجامعية، إلى ما تركته الأيام من ذكريات وصور في بلدان مختلفة نظراً لطبيعة العمل. إن في المجال العسكري، أو في المجال الحياتي المدني، أو عبر الحياة الدبلوماسية وما رافقها من مواقف جديرة بالاحترام والتقدير؛ فهو الأديب المفكر الذي اعتمد الأسلوب الفريد في كتاباته المختلفة من اجتماعية وثقافية وحياتية ودبلوماسية؛ إذ عالج الكثير من الظواهر الاجتماعية والشخصية والإنسانية، وناقشها بروح الكاتب المتمرس، وبمنطق الحرص على الفائدة المتوخاة؛ لتكون العبرة والزاد لكل قارئ؛ فهي خلاصة تجارب خطها ووظفها توظيفاً حسناً في بناء أدبي وفكري متماسك، وقد أطل بها بأسلوب مبسط سلس طريف، جميل وممتع؛ إذ أراده للعامة والخاصة على السواء نظراً للموضوعات وما تحمله من مواقف وأحاسيس إنسانية نبيلة مفعمة بروح الوفاء والشفافية الخالصة.
كتاب جميل عبارة عن خواطر ومذكرات كتبها المؤلف متذكِّراً ومتأملاً وناقداً. تدور جميعها حول الحياة والعلاقات الإنسانية التي بدا شديد الحساسية تجاه بعضها. ونقد عدة مرات بعض المواقف التي يجدها آخرون عابرة لا تستحق الالتفات. لا أقول هذا ناقداً بل إني أشارك المؤلف هذه الحساسية وذلك الهم. ويبدو المؤلف من خلال مقالات الكتاب قارئاً نهماً قضى عمره المديد في القراءة والبحث عن الكتب. كما أنه يكتب بأسلوب أدبي جميل ولغة ممتازة